قصة من الادب الروسي للكاتب
لفيودور دوستويفسكي
ارجو ان تلقو بها الكثير من المتعة والفائدة
تابعوا
عرض للطباعة
قصة من الادب الروسي للكاتب
لفيودور دوستويفسكي
ارجو ان تلقو بها الكثير من المتعة والفائدة
تابعوا
/1/
أنا رجل مضحك , وهم ينعتونني الآن بالمجنون , وقد كان من شان هذا النعت أن يكون رفعا من قدري لو أنهم تراجعوا عن اعتباري مضحكا , كما فعلوا في السابق لكنني بعد اليوم لن أغضب عليهم , فجميعهم لُطفاء بالنسبة لي حتى وهم يهزؤون بي , بل لعلهم يصبحون أكثر لطفا حين يفعلون ذلك , ولو لم أكن شديد الحزن وأنا انظر إليهم لضحكت معهم –ليس على نفسي بالطبع – ولكن لكي اسري عنهم , شديد الحزن لأني أراهم يجهلون الحقيقة , بينما اعرفها أنا , ما أصعب الأمر على من يعرف الحقيقة وحده , أنهم لن يفهموا ذلك
لا , لن يفهموا
فيما مضى تألمت كثيرا حين بدوت مضحكا , لماذا أقول بدوت , لقد كنت مضحكا , دائما كنت مضحكا , واعلم ذلك , ربما منذ ولادتي كنت كذلك , ولعلي عرفت ذلك في السابعة من عمري, بعد ذلك درست في الثانوية , ثم في الجامعة , وكنت كلما تعلمت أكثر , أيقنت أنني مضحك ,حتى لكأن دراستي الجامعية كلها ما وجدت إلا لتبرهن لي وتقنعني –على قدر تعمقي بالعلوم- بأنني مضحك, سواء في العلم أو الحياة , وعاما بعد عام كنت ازداد يقينا بان لي شكلا مضحكا في شتى المجالات , لقد ضحك علي الجميع وفي كل مكان , وما عرف هؤلاء أبدا انه إن كان ثمة من يدرك أكثر من الجميع على الأرض كم أنا مضحك فهذا الشخص هو أنا بالذات , وقد أغضبني كثيرا أن أحدا منهم لا يعرف ذلك , ولعلي كنت مذنبا في هذا الشأن : فقد كنت دائما عزيز النفس , مما منعني دائما أن اعترف لأحدهم بذلك , وقد نمت عزة نفسي هذه مع السنوات , ولو حدث في يوم من الأيام أن اضطررت للاعتراف بأنني مضحك أمام شخص ما لهشمت جمجمتي بطلقة مسدس في مساء اليوم ذاته , كم تعذبت في مراهقتي من أنني قد لا استطيع التحمل واعترف أمام رفاقي بأنني مضحك , ولكن منذ أصبحت شابا –ورغم ازدياد معرفتي عاما بعد عام بنوعيتي الغريبة – بدأت أصبح لسبب ما أكثر هدوءا واطمئنانا.
يتبع ......
2
وما كل ذلك إلا لجهلي التام بحقيقة حالتي هذه , ربما يعود الأمر إلى تلك التعاسة الغامرة التي سيطرت عليّ اثر حالة أقوى مني , حالة اقتنعت فيها بشكل راسخ وثابت أن لاشيء في هذه الحياة " يستحق الاهتمام ", كان الأمر فيما مضى مجرد شك , لكنني اقتنعت بعد ذلك قناعة كاملة , وأيقنت فجأة بذلك يقينا لا محيد عنه . بغتة شعرت أنني لست معنيا سواء وجد هذا العالم أم لم يوجد . وبدأت اشعر وأحس بكل جوارحي ( أن لا شيء قد وجد أثناء وجودي أنا ) , في البداية كان قد تراءى لي ذلك الوجود , وشيئا فشيئا أيقنت أن لاشيء أبدا سيكون .
وعند ذلك أصبحت فجأة لا اغضب من الناس , بل ما عدت ألاحظ وجودهم.
وقد تجلى هذا في بعض التفاصيل الصغيرة جداً : مثلا أنني كنت أسير في الطريق فاصطدم بالناس,
والأمر ليس بسبب استغراقي في التفكير : فبماذا سأفكر ,يومها كنت قد توقفت عن التفكير في أي شيء :
لقد استوت الأمور كلها في عيني , وما عدت اهتم لأمر ولا فكرت في حل سؤال واحد ؟ ثم هل كان ثمة أسئلة شغلتني ؟ (لم أكن معنيا بشيء ) ولهذا تناثرت الأسئلة مبتعدة .
وهكذا بعد كل ما سبق عرفت الحقيقة , عرفتها في تشرين الثاني الماضي , وبالتحديد في الثالث منه , ومنذ ذلك الحين لم انسَ لحظةً من تلك اللحظات , كان ذلك في ليلةٍ حالكة , ليلة ما عرفت أكثر منها ظلمةً , كنت عائداً في الحادية عشرة إلى منزلي وأذكر تحديداً أنني فكرت أن من المستحيل وجود ظلامٍ دامسٍ كهذا , حتى من وجهة النظر الفيزيائية , كان المطر قد تساقط طوال النهار , وكان من أكثر الأمطار برودةً وكآبة , بل تهديداً , وعدائيةً للناس , أذكر ذلك ,ثم هاهو ذا يتوقف فجأة قرابة الحادية عشرة ليلاً , وترتفع من الأرض برودة اشد برودة مما كان المطر قد صنعه , ويتعالى بخارٌ ما , من كل بلاطة في الشارع ومن كل زقاق يفضي إليه وتراه حين ترسل
نظرك إلى البعيد , عندها تهيأ لي أن انطفاء مصابيح الغاز كلها سيبعث الفرح , لأنها على هذه الصورة تضيء وتظهر كل هذا الحزن.
يتبع ......
3
لم أكن قد تناولتُ طعام الغداء ذاك اليوم , ومنذ بداية المساء جلست عند مهندس وبصحبته رفيقيه.
وبقيت طوال السهرة صامتاً , مما بعث في نفوسهم الملل مني , تحدّثوا في أمور مثيرة ثم استولت عليهم الحماسة , لكنّهم كانوا في حقيقة الأمر يتصنعون لم يكن يهمهم ما يتجادلون حوله , وقد انتبهتُ إلى ذلك , فقلت لهم فجأة :"أيّها السادة , إنكم في حقيقة الأمر لا تكترثون ".
لم يغضبوا مني , لكنّهم جميعا ضحكوا ساخرين , ربما لأنني قلت ما قلت دون أي لوم , ولأنني ببساطة لم أكن معنياً بشيء , رأوا ذلك فغلب عليهم المرح.
حين فكرت في مصابيح الغاز وأنا في الطريق رفعتُ عيني إلى السماء , كانت شديدة الحُلكة وبصعوبة يمكن تميز مِزق الغيوم , وبينهما بقع سوداء عميقة , في إحدى تلك البقع استطعتُ أن أرى نجماً صغيراً فرحت أحدق به متأملاً , لقد أيقظ النجم فيّ فكرةً: في تلك الليلة قررتُ الانتحار..
يتبع........
4
قبل شهرين منها كنتُ قد صممتُ على قتل نفسي , ورغم فقري الشديد أشتريتُ مسدساً رائعاً , وحشوته في ذلك اليوم نفسه , ثمَّ مرَّ شهران والمسدس مرمي في الدرج , وقد بلغت من شدة عدم اكتراثي أن تمنيت في النهاية أن أقبض على دقيقة واحدة أحس فيها أن شيئاً ما يستحق الاهتمام , لماذا؟
لا أدري , وهكذا وخلال ذينك الشهرين كنت أعود إلى البيت كل يوم وأفكر بالانتحار
, وأنتظر اللحظة المناسبة.
والآن يمنحني هذا النجم فكرة , أن ما عقدت عليه العزم في هذه الليلة" بالذات " .
أما لماذا قدم لي النجم هذه الفكرة – فلا أعلم -!!
وفي اللحظة نفسها التي كنت أنظر فيها إلى السماء , أمسكت طفلةٌ كمي , كان الطريق قد أقفر , وما من أحدٍ فيه تقريباً , بعيدا عني غفي حوذيٌ على مقعده , الطفلة كانت في الثامنة , تغطي رأسها بمنديل , وتستتر بثوبها فقط , وهي مبللة تماماً,
وقد لفت انتباهي حذاؤها المثقوب المبلل ولا زلتُ أذكر منظره حتى الآن ,
ولقد تسمرت عيناي على منظر قدميها في الحذاء , راحت البنتُ تشدني من كمي وتستنجد بي , لم تكن تبكي , ولكنها لشدة عصبيتها غرغرت ببعض الكلمات التي لم تستطع نطقها جيدا , بسبب البرد وارتجافها بقوة , بدت مذعورة لأمر ما , ثم صرخت يائسةً " : أمي , أمي الحبيبة " التفت نحوها ولم اقل شيئا بل تابعت مسيري, ركضت خلفي , وهزتني , وتعالى صوتها كما يمكن أن تسمع من الأطفال المرعوبين اليائسين , أعرف أنا مثل هذا الصوت ,ورغم أنها لم تقل ذلك فقد توقعت أن أمها تحتضر في مكان ما , أو أن شيئا خطيرا حصل لهما فانطلقت تستنجد بشخص ما , تجد أحد ما يساعدها , لكنني لم أذهب معها , بل راودتني فكرة نهرها,
قلت لها في البداية أن تبحث عن شرطي , ولكنها أسرعت تضم يديها الصغيرتين وتتضرع مبتهلة وتركض إلى جواري رافضةً تركي , عندها قرعت الأرض بقدمي ونهرتها , فما زادت عن أن تصرخ بي :"سيدس !...أيها السيد ",و غادرتني فجأة قاطعة الطريق مسرعة كالسهم , باتجاه شخص آخر على الرصيف المقابل.
يتبع .......
صعدتُ إلى الطابق الخامس حيث أقيم , في شقة مفروشة عند صاحب المسكن , غرفتي صغيرةٌ فقيرة لا نافذة فيها إلا نصف كوّة صغيرة , عندي ديوان , طاولة تحمل الكتب , كرسيان معد يتيم مهلهل , لكن من طراز فولتير , جلست أشعلت شمعة ورحت أفكر.5
في الغرفة المجاورة كان الصخب مستمرا , لقد بدأ منذ ثلاثة أيام , هناك يعيش كابتن متقاعد , وقد زاره هذه المرة ستة أشخاص أوغاد , شربوا الفودكا ولعبوا لعبة الفرعون بأوراق لعب قديمة , في الليلة الماضية نشب بينهم عراك , وأنا أعلم أن أثنين منهما ظلا لفترة طويلة يجرُّ كل منهما الآخر من شعره . وقد أرادت صاحبة المنزل أن تشكوهم لكنها تخشى الكابتن كثيرا , لم يكن في الشقة - بالإضافة لنا- إلا سيدة نحيفة قصيرة , هي أرملة أحد الضباط وقد جاءت إلى هذا المسكن مع أبنائها الصغار الثلاثة , الذين سرعان ما مرضوا , لقد كانوا يخشون الكابتن ويخافونه ,مما يجعلهم يرتجفون ويرسمون إشارة الصليب طوال الليل , حتى أن الطفل الصغير كان يعاني من نوبة عصبية جراء الرعب .
كنت أعلم أن هذا الكابتن يستوف العابرين في شارع نيفسكي طالبا الصدقة.
وما كان أحد يدعوه للخدمة أو العمل , ولكن الغيب (وهذا ما دعاني لأتحدث عنه)
أن هذا الكابتن وقد مر على سكناه معنا شهر كامل لم يثر في نفسي أي شعور بالنفور منه , لقد تجنبت أي تعارف بيننا منذ البداية , مع أن مثل هذا الأمر لو حدث لشعر الرجل بالملل والضجر مني منذ اللقاء الأول .
لم أهتم لأمرهم مهما صرخوا خلف جدارهم ومهما كان عددهم , كان الأمر بالنسبة لي سيان .
كنت أجلس طوال الليل وفي الحقيقة لم أكن أنصت إليهم أو أسمعهم – بل لقد نسيت وجودهم – لقد أعتد أن اجلس على المقعد إلى الطاولة طول الليل دون أن أفعل شيئا ,
أما فيما يتعلق بالقراءة فقد كنت لا أقرا إلا نهارا , أجلس فحسب ولا أفكر , بينما تمر بخاطري بعض الأفكار , التي سرعان ما أحررها لتذهب وفق إرادتها.
6
احترقت الشمعة كلها تلك الليلة , وأنا أجلس إلى الطاولة , أخرجت المسدس وضعته على الطاولة أمامي , وتذكرت حين فعلت ذلك أنني سألت نفسي :/
" هكذا إذا ؟" ثم أجبت حاسما :"نعم " أي سأنتحر , وكنت أعلم انني على الأرجح سأنتحر في تلك الليلة لكن إلى متى سأجلس على مقعدي قرب الطاولة قبل أن أفعل هذا , لم أكن أعلم .
ولا شك عندي أنني كنت انتحرت لو لم ألق تلك الطفلة في الليلة نفسها في الشارع
رغم أن الاشياء من حولي لم تكن تعنيني ,إلا أنني كنت أحس –على سبيل المثال – بالألم .
فلو ضربني شخص ما لشعرت بالألم . والأمر مماثل فيما يتعلق بالمسائل الأخلاقية والوجدانية : فحين يحدث أمر محزن جدا ,أشعر بحزن عميق كما كان شأني عندما كنت أكترث بالدنيا من حولي . لقد شعرت بالشفقة منذ قلي : كان بإمكاني أن أساعد تلك الطفلة دون تردد, فلماذا لم أفعل؟ لعلها تلك الفكرة التي انبجست عندما كانت البنت تشدني من كمي وتدعوني لنجدتها ,
متمثلة بسؤال برز فجأة نصب عيني ولم أستطع حله , لقد كان سؤالا نافلا لكنه أغضبني , أغضبني بسبب نتيجته التي تقول : مادمت سأنهي حياتي الليلة , فالأولى أن أصبح أقل اهتماما بالدنيا في هذه اللحظات أكثر مما كنت في أي وقت مضى , فلماذا شعرت فجأة وبعدما سبق بأنني أشفق على الطفلة أكترث لحالها ؟ أتذكر أنني حزنت لأجلها وأشفقت عليها كثيرا , مما لا ينسجم مع وضعي وما أنا مقدم عليه .
حقيقة...لا أتمكن من رسم المشاعر التي سيطرت علي لحظتها , لكنها مشاعر لم تغادرني أبدا , وحين جلست إلى طاولتي في الغرفة , كان الغضب في نفسي يضطرم
كما لم يحدث لي منذ سنوات طويلة , وبدأت المحاكمات العقلية تترى الواحدة تلو الأخرى , وكنت أقلب الأمور : إنني مادمت إنسانا ,ولست صفرا , ولم أصبح صفرا بعد , فهذا يعني أنني أحيا , وبالتالي يمكنني أن أتألم , وأغضب وأشعر بالخزي مما أقترفه , طيّب ! فإن انتحرت , ما الذي يعنيني بعد ساعتين مثلا من شأن الفتاة , ومن الخزي , ومن كل ما هو فوق سطح الأرض؟
عندها سأتحول إلى صفر , إلى عدم مطلق.
وهل من المعقول أن مسألة إدراكي أنني بعد قليل لن أبقى موجود (على الإطلاق)
وبالتالي فالعالم كله لن يكون موجودا , هل من المعقول إذا أن هذا الإدراك لم يكن يؤثر ولو قليلا جدا على شعوري بالشفقة تجاه الطفلة , وشعوري بالعار من قلة الضمير التي ارتكبتها ؟!
لقد قمت بإهانة الطفلة البائسة حين قرعت الأرض بقدمي , وصرخت بها , وما هذه الحقارة التي قمت بها والخالية من مشاعر التعاطف الإنساني " بهدف البرهان على أنني لم أعد أشعر بالشفقة فحسب , بل لأثبت أيضا أنني أستطيع أن أرتكب أي حقارة لأنني وبعد ساعتين سأغادر هذا العالم" هل تصدقون أن صراخي كان لهذا السبب ؟ أنا الآن واثق تقريبا من ذلك لد تصورت بوضوح تام أن الحياة والعالم الآن إنما يتعلقان بي ويمكنني حتى أن أقول : لكأن العالم قد وجد لأجلي وحدي فيكفي أن أطلق النار علي حتى يختفي العالم ولا يعود موجودا على الأقل بالنسبة لي ولا أقول الآن أن لا شيء سيبقى في حقيقة الأمر للجميع من بعدي أنا وما أن ينطفئ وعيي حتى يتلاشى العالم كله في اللحظة نفسها كما يتلاشى شبح لأن كل هذا ينتمي إلى وعيي أنا وحدي ربما لأن هذا العالم كله والناس كلهم ليسوا سوى (أنا)وحدي
يتبع ..........
7
أذكر أني استعرضت وقلبت كل هذه الأسئلة الجديدة جالسا إلى طاولتي , فأذهب فيها مذاهب شتى واختلق غيرها .فقد تصورت –على سبيل المثال – أمرا غريبا جدا ,كما لو أنني كنت قد عشت على سطح القمر أو المريخ وارتكبت هناك عملا شديد البشاعة والوضاعة , مما لا يمكن تصوره ,فصرت مخزيا مكللا بالعار ,بطريقة لا يمكن تخيل مثلها إلا في الكوابيس , ثم وجدت نفسي فجأة على سطح الأرض مع كل تلك المشاعر والصور عما ارتكبته على سطح ذلك الكوكب , لكنني لن أعود إلى هناك لأي سبب كان فأنا أنظر من القمر إلى الأرض – هل سأشعر عندها بعدم الاكتراث لكل ما حدث هناك ؟ هل سأحس بالعار مما فعلته هناك ؟ أسئلة نافلة لا جدوى منها,. فالمسدس يضطجع أمامي على الطاولة, ولا بد أنني سأنتحر , لكن تلك الأسئلة تثير في أعماقي النار وتمنعني من الموت قبل أن أحلها , وبكلمة واحدة : لقد أنقذتني تلك الطفلة فالأسئلة تلك أبعدت المسدس وكان الوضع في غرفة الكابتن يجنح إلى الهدوء والسكون 0
لقد توقفوا عن اللعب واستعدوا للنوم وما عادت تصلني إلا بضع دمدمات متقطعة . أو شتائم متفرقة ُثم أخذني النوم فجأة على غير عادتي معه من قبل , نمت دون أن أحس بذلك ؟ الأحلام , كما هو معروف أشياء غريبة بعضها يعرض لك رهيبا حادا وجليا بكل تفاصيله , كقطعة نقدية تخرج من بين يدي الصائغ وفي بعضها الآخر تسبح عبر الزمان والمكان ولا تلتقط شيئا من الجلي تماما أن ما يحرك الأحلام فينا هو الرغبة وليس العقل , هو القلب وليس الرأس , ورغم هذا فإن عقلي في أحيان كثيرة يلعب دورا كبيرا في أحلامي ويطرح أشياء عجيبة صعبة التفسير ! 0
من ذلك أن لي أخا توفي منذ خمس سنوات , وهو يظهر في أحلامي أحيانا : فيشارك في أعمالي , ونشعر بمتعة كبيرة , وخلال كل ذلك لا يغيب عن بالي أن أخي هذا ميت ومدفون. فكيف لا أشعر بالدهشة أنه رغم موته يجلس إلى جواري ويشاركني أموري ؟.
لماذا يسمح عقلي لهذا الأمر أن يحدث ويمر؟ وعلى كل حال يكفي هذا .
وسأنتقل إلى حلمي الذي رأيته , نعم الحلم الذي شاهدته في تلك الليلة , حلمي ليلة الثالث من تشرين الثاني
إنهم يسخرون مني ويرون أنه مجرد حلم ولكن سواء كان ما رايته حلم أم لا فألاهم انه اظهر لي "الحقيقة" وما دمت قد عاينت الحقيقة الأزلية وعرفتها وعرفت أن لا حقيقة سواها فما أهمية أن أكون قد فعلت ذلك في الحلم أم اليقظة وليكن حلما إن تلك الحياة التي تعلون من شانها كنت سأنهيها بطلقة مسدس ,لكن حلمي , حلمي أنا –فقد حمل إلي حياة جديدة ,عظيمة , متجددة , وقوية
يتبع000000
VIVO
وصلتينا لنص البير وقطعتي الحبلة فينا
وينك بدنا تكملة القصة
8/
وهاهم يدفنوني في الأرض ,ثم يغادرون ,أظل وحيدا, وحيدا تماما ,لا أستطيع الحركة
كنت فيما مضى حين أتخيل كيف سأدفن في القبر ,أجدني دائما أربط بين القبر ومشاعر الوحدة والإحساس بالبرد ولهذا فأنا أشعر الآن بالبرد الشديد ولا سيما في نهايات أصابع قدمي ,وسوى ذلك لا أشعر بشيء.
كنت ممددا ومن الغريب أنني لم أكن أنتظر شيئا , وكنت على يقين لا اعتراض فيه
أن على الميت ألا ينتظر شيئا .لا أعلم كم مر من الوقت –ساعة أم عدة أيام , ام ايام كثيرة.
ثم إذا بقطرة ماء كبيرة تسقط فجأة من غطاء التابوت في عيني اليسرى المغمضة
وتتلوها بعد دقيقة قطرة أخرى ,وهكذا يستمر تساقط القطرات كل دقيقة ,فأشعر بغيظ شديد في قلبي ,ثم أحس بألم فيزيائي فيه:/انه جرحي-فكرت-هذا موضع الرصاصة\
ويستمر تساقط القطرات كل دقيقة واحدة ومباشرة على عيني المغلقة.
وفجأة وجدتني أصرخ بكل ما في من مشاعر-ولكن دون صوت فقد كنت جامدا لا حراك فيّ –وجدتني أصرخ مناديا ذاك الذي يتحكم بي .
أياً كنت ,إن كن موجوداً,وإن كان م الممكن وجود ما يحدث الآن ,ولو على سبيل الانتقام مني بسبب انتحاري الغبي فلا تسمح بحدوث ذلك لأنك لن تلقى مني إلا السخرية , فالتعذيب الذي يقع علي الآن ,مهما كان لا يعدل شعوري بالاحتقار الذي ساحسه صامتا ولو لملايين السنين القادمة ناديت بكلامي ذاك ثم سكت ,مرت دقيقة من صمت عميق ,وسقطت قطرة ماء واحدة لكنني كنت أعلم علم اليقين أن كل هذا الأمر سيتغير فجأة ,وهاهو ذا القبر ينفتح فجأة ,أو لنقل أنني لم أكن أعرف هل انفتح القبر أو كان كذلك أو ذاب الغطاء ,لكنني أحسست أن كائنا غامضا ومجهولا أمسكني وطار بي في الفضاء ,ثم أعاد لي بصري بغتة لكن الظلام كان حالكا كما لم أره من قبل,لم أسأل الكائن الذي حملني وبقيت صامتا محتفظا بكبريائي ,لا أشعر بالخوف,وسعيدا بذلك لا أستطيع أن أذكر كم طرنا ,وليس بإمكاني تصور ذلك:فقد حدث كما هو الأمر في الأحلام تجتاز الأماكن والأزمنة وتخترق كل قوانين العقل والدنيا ولا تلتقط شيئا محددا.
أذكر أنني لمحت في ذلك الظلام الشديد نجما ,فسألت رغما عني :"أهذا نجم سيروس؟" فأجابني قائلا:
"لا إنه النجم نفسه الذي رايته بين السحاب حين كنت عائدا إلى منزلك ,كنت أعلم أن لهذا الكائن هيئة إنسان ,ومن غريب الأمر أنني ما أحببت هذا الكائن ,بل شعرت تجاهه بكه شديد .
لقد أنتظرت العدم المطلق ولأجل ذلك أطلقت رصاصة في قلبي ,فإذا بي بين يدي كائن ,هو بالتاكيد لا إنساني ولكنه موجود.
يتبع.....
9/
فكرت بخفة الحلم العجيبة :"إذا هناك وراء القبر حياة أخرى!",لكن ميزتي الأساسية ظلت في أعماقي "إذا كان لابد أن أوجد ثانية –فكرت-بإرادة أحد ما فإنني لن أكون مغلوبا ومذلا.
"أنت تعرف أني أخافك ,ولهذا أنت تحتقرني "قلت لرفيقي دون أن أستطيع كبح هذا السؤال المذل ,الذي ينطوي على إعتراف وينغرس في قلبي كإبرة سببها الجبن.
لم يجبني عن سؤالي ,ولكنني شعرت فجأة أنه لا يحتقرني ,ولا يضحك من فعلي,ولا يرثي لي في الوقت نفسه ,وأن لدربنا هذا غاية ينتهي إليها ,سرية غير معروفة ولا تعني أحدا سواي ازداد الرعب في قلبي ,ونفذ صمت صاحبي إلي عميقا ومؤلما.
واجتزنا فضاءات مظلمة ما رأتها عين ,وماعدت ارى نجوما مالوفة من قبل.
وكنت من قبل أعلم أن في أعماق الفضاء توجد نجوم لا تصل إلينا أنوارها إلا بعد آلاف وملايين السنين ,لعلنا قد قطعنا تلك الفضاءات ,كنت أنتظر شيئا ما في وحدة قلبي العميقة والمخفية وفجأة وبينهما أنا كذلك إذا بعاطفة معروفة تهز كياني وتوقظ ماضيّ بقوة :لقد رايت فجأة شمسنا !كنت أعلم أنها لايمكن أن تكون (شمسنا),شمسنا التي ولدت أرضنا وأعلم أننا نبعد عن شمسنا مسافات لا نهائية ,لكنني كنت أحس بكل جوارحي أنها تشبه شمسنا تمام الشبه,وهي نسخة عنها ونظير لها .
إحساس لذيذ حلو غمر روحي :وقوة الضياء الخلاقة التي ولدتني ,ترجّعت في قلبي وبعثته من جديد فأحسست بالحياة تعود إلى عروقي لأول مرة بعد أن قبرت –ولكن إذا كانت هذه الشمس,إذا كانت شمسا كشمسنا تماما- هتفت به,فأين هي الأرض إذا؟
فأشار مرافقي إلى نجمة تشع في الظلمة بضياء زمردي اللون ,وكنا في الآن نفسه نتجه نحوها .
-هل من الممكن أن يحدث مثل هذا التكرار في الكون ؟ هل هو قانون الطبيعة؟وإن كانت تلك هي الأرض ,فهل هي ارض كأرضنا تماما,مثلها تعيسة,وفقيرة,ومثلها غالية ومحبوبة أبد الدهر وقادرة على استدرار حب أبنائها وحتى أكثر جحودا؟ -قلت ذلك هاتفا وأنا ارتعش جراء حب طاغ وشديد تجاه تلك الأرض التي ولدت عليها وهجرتها ,وكان طيف تلك الطفلة البائسة التي أهنتها يخفق أمام عيني.
يتبع000000
سامحوا امة الرب انا على تقصيري
عذرا ساتابع من جديد
10/
-سترى كل شيء-
أجاب مرافقي وكانت كلماته تشي بحزن ما .
ولكننا كنا نقترب بسرعة من الكوكب ,فيكبر حجمه في عيني , ثم ميزت المحيط وحدود أوربا , فاشتعلت غيرة غريبة ومقدسة في قلبي :"كيف يمكن أن يحدث مثل هذا التكرار ؟ولأية غاية ؟ أنا أحب ....أنا أستطيع أن أحب تلك الأرض التي تركتها ورائي ,تلك الأرض التي تناثر دمي فوقها ,عندما أطلقت الرصاص في قلبي جاحدا كل شيء , ومنهيا حياتي ,ولكنني لم أتوقف عن حبها أبدا ,وحتى في تلك الليلة التي فارقتها فيها فقد شعرت بحبها أشد تعذيبا لي أي وقت مضى , هل ثمة عذاب على هذه الأرض الجديدة ؟ على أرضنا لا نستطيع أن نحب إلا مع الألم والعذاب ,وفقط من خلالهما ,وإلا فإننا لا نستطيع أن نحب , بل لا نعرف حبا آخر ,لهذا أنا أطلب العذاب كي أتمكن أن أحب ,كم أتعطش في هذه اللحظة أن أقبل الأرض وأغسلها بدموعي , تلك الأرض التي هجرتها والتي لا أريد ,بل لا أستطيع العيش إلا عليها فقط ".
لكن مرافقي كان قد تركني وحيدا .وأصبحت فجأة –وكما لو أنني لم أنتبه لذلك-أقف على تلك الأرض الأخرى غارقا في نور شمس ساطع ,في يوم نعيمي رائع.لقد وقفت على ما أظن على أرض جزيرة من تلك الجزر التي تشكل أرخبيل اليونان, أو على شاطئ أرض تشرف على ذاك الأرخبيل.كل شيء كان يشبه ما ألفناه على أرضنا تماما .
وتراءى لي أن حبورا وعيدا يشع في كل مكان حتى يبلغ الأمر مرحلة النشوة والروعة.
والبحر الزمردي اللطيف يداعب الشاطئ بحب واضح عن وعي تقريبا .
وأشجار باسقة عالية رائعة انتصبت في المكان غزيرة الأوراق وكثفتها وبدت لي وكأنها تحييني بمودة بحفيفها الصامت الرقيق , وتخاطبني بكلمات الحب .واشتعل المرج أزهارا عطرة مضيئة, أما العصافير فكانت تطير نحوي أسرابا مطمئنة آمنة وتحط على كتفي ويدي مصفقة بأجنحتها الصغيرة مغنية لي . وأخيرا رأيت وعرفت بشر تلك الأرض .لقد جاءوا بأنفسهم ,أحاطوا بي , وقبّلوني.
يتبع......
11/
أبناء الشمس, أبناء شمسهم – كم كانوا رائعين!ما رأيت في حياتي جمالا كجمالهم على أرضنا وهل بالإمكان أن تجد صورة ولو باهتة من جمال هؤلاء الأطفال في أطفالنا حديثي الولادة !عيون هؤلاء البشر السعداء كانت تشع ضياء ونورا.
ووجوههم تشرق حكمة ووعيا ,يبلغ أقصى حدود الهدوء والرزانة ,في أصواتهم وكلماتهم كانت ترنّ نغمة سعادة طفليه .وقد فهمت كل شيء من النظرة الأولى لوجوههم . إنها الأرض , قبل أن تلطخها الخطيئة ,وعليها يعيش البشر دون خطيئة ,يعيشون في هذه الجنة ,التي تناقل البشر أن أجدادنا عاشوا فيها قبل أن يرتكبوا آثامهم,مع فرق واحد ,هو أن هذه الأرض هنا ,إنما هي جنة بكل جنباتها وجهاتها .
كان هؤلاء الناس يضحكون من حولي بجذل ومرح , يقتربون مني ويمازحونني .ثم مضوا بي إلى منازلهم وكل منهم يحاول أن يرفه عني ويسليني ,وما سألوني عن أي شيء وكأنهم كانوا يعرفون الأشياء جميعها ,هذا ما بدا لي , لقد كان همهم أن يطردوا
تعابير العذاب عن ملامح وجهي.
إنكم ترون مرة أخرى :وليكن ما شاهدته كان مجرد حلم !لكن إحساسي بمحبة أولئك
الناس الأبرياء الرائعين انغرس في قلبي إلى الأبد , ومازلت أحس أن حبهم يتدفق نحوي من هناك حيث هم موجودون ,لقد رأيتهم بنفسي وعرفتهم وتألمت لأجلهم بعد ذلك ,آه لقد أدركت لحظتها أنني لا أفهمهم حق الفهم ,لقد بدا لي – أنا التقدمي الروسي الحديث والبطرسبورغي العفن – بدا لي وبشكل معقد أنهم ورغم معرفتهم الكبيرة يجهلون علومنا .ثم ما لبثت أن أدركت أن معارفهم هم اكتملت وتشبعت بمدركات مختلفة تماما عما لدينا على الأرض وتطلعاتهم مختلفة ايضا عن تطلعاتنا لقد كانوا هادئين بلا رغبات ولم تكن لديهم تلك المحاولات لمعرفة الحياة كما هو الحال عندنا لأن حياتهم كانت كاملة ومعرفتهم أكثر عمقا وسموا من علمنا لأن علمنا إنما يسعى لمعرفة الحياة وشرحها لتعليم الآخرين أما هم فقد عرفوا كيف يعيشوا ودون علم وهذا ما عاينته بنفسي ,لكنني لم أستطع أن أفهم معارفهم.
يتبع000