تزخر القوانين الكنسية بذكر المرتلين، وتدرجهم، على عادة وصفها أعضاء الجماعة كلّها، في صفوف المسؤولين في كنيسة الله، لأنهم مرتبطون ارتباطاًوثيقاً بالخدم الإلهية ولهم فيها دور بارز. فمجمع اللاذقية (343-381) يمنع أياً من المؤمنين أن يصعد الى "منصة الترتيل" غير "المرتلين القانونيّين" او يبدأ بالترتيل قبلهم (القانون ال 15). وهذا، في سياق النظام والترتيب، يدلّ على أن الترتيل "وظيفة" قانونية يفرز لها اشخاص معيّنون في الجماعة، وأن المرتلين، تالياً، هم الذين كانوا يقودون إنشاد شعب الله في الخدم الطقسية. وهذه القوانين لم تكتف بالكلام على الترتيل حصراً وعلى رصانته وانضباطه، ولم تنه المرتلين من أن "يستعملوا اصواتاً خارجة عن النظام او يقسروا الطبيعة بالصراخ او يخرجوا أنغاماً لا يليق سماعها في الكنيسة" (مجمع ترولو 692، القانون ال 75) فحسب، ولكنها ايضا فاضت بالكلام على حياة المرتلين الشخصية والروحية في آن.
والواقع أن الكنيسة فرضت على المرتلين، في بعض قوانين مجامعها المقدسة، أموراً أساسية يعوزنا تذكّرها والاستفادة منها في هذه العجالة، خصوصاً أننا اليوم، في كنيستنا، نشهد نهضة لافتة، إن على صعيد المدارس التي تُعنى بالموسيقى الكنسية او على صعيد الجوقات الجيّدة والرصينة... أول هذه الأمور ما يتعلق بحياة المرتل "الشخصية"، وأعني زواجه. فقد رأى آباء المجمع المسكوني الرابع المنعقد في خلقيدونية، العام 451، انه لا يجوز "شرعاً" لأي مرتل "أن يتخذ زوجة غير ارثوذكسية" (القانون ال 14). وهذا، في سياق مدلولات القانون، يعني أن المرتل في الكنيسة لا يقيم رباطاً بينه وبين الذين في الخارج. فهو يختار زوجة أرثوذكسية لكونه يرفض كل فصل بين التزامه الكنسي وحياته الشخصية، وتالياً كلّ توتر او انحراف في التعليم، وتريده الكنيسة أن يؤسس حياته العائلية على استقامة العقيدة. فالزوجة الارثوذكسية شريكة في الحياة. ووحدة الانتماء، او وحدة الشركة الكنسية، سند أساس لوحدة الحياة الزوجية وديمومتها، او قاعدة لها. فلا يكون في البيت الواحد انتماءان لئلا تشوّش الحياة العائلية او تتعطل شهادتها الواحدة في العالم. ولذلك أوصى القانون عينه: أنّ المرتلين "الذين لديهم اولاد من زيجات من هذا النوع (اي ارتبطوا بزوجة غير ارثوذكسية قبل أن يسنّ هذا القانون) وكانوا قد عمّدوا أولادهم عند المبتدعين، فيجب أن يُحضروا أولادهم الى الشركة في الكنيسة الجامعة. أما اذا لم يكونوا قد عمّدوا أولادهم فلا يجوز لهم بعد ذلك أن يعمّدوهم عند المبتدعين، ولا أن يأذنوابزواج أحدهم من شخص مبتدع او يهودي او وثني ما لم يعد ذلك الشخص بأنه يرتّد الى الإيمان الارثوذكسي، وكل من خالف قانون المجمع المقدس هذا يكون عرضة للقصاص القانوني".
وما يدعم استقامة حياة المرتلين أن آباء الكنيسة والمشرعين فيها أسقطوا "كل... مرتل لا يصوم الصوم الاربعيني المقدس او يومي الأربعاء والجمعة من كل اسبوع الا اذا اضطرته الى ذلك علّة جسدية..." (قوانين الرسل، 69). وهذا القانون، من دون شكّ، يمكننا أن نمده الى الأصوام الكنسيّة كلها... ولعل الآباء وضعوا هذا القانون، اذ شعروا بأنّ المرتل قد تغريه صلوات الكنيسة او يُسكره أداء ألحانها، فيرى أنه وصل الى السماء ولا يحتاج الى شيء آخر. صحيح أن العبادة باب الى السماء، او هي السماء عينها نازلة على العابدين. ولكنّ مدخل العبادة الحقّ هو الجهاد، وهو عينه ما يمدّها في العالم. والصوم وجه من وجوه هذا الجهاد الذي يقول فيه كلّ مؤمن فقره الى الله وحاجته الى رحمته. نحن لا نعتقد أنّ المشاركة في عبادة الكنيسة تبعد عن المؤمنين إغراء إبليس، ولو كانت العبادة حصناً كبيراً، فإن إبليس قد يطلّ عن طريقها، وهو، من دون شكّ، يضرب المتهاونين... فالعبادة الحقّ، والمشاركة فيها لا تُفصَل عن الحياة البارّة ومقتضيات الالتزام. المرتل وجه للكنيسة بما تحمل هذه الكلمة من حلاوة وتفترض من صدق وجدّيّة. والناس يرون الى المؤمنين الملتزمين امتداداً للكنيسة، ويعثرهم كلّ شرخ بين العبادة والحياة.
ولذلك، وفي السياق عينه، منعت الكنيسة المرتلين من إدمان "لعب النرد او شرب الخمر" (قوانين الرسل، 43)، لأنها أبت كلّ مضيعة للوقت او تعطيل للجهاد او تشويه للشهادة. فالمرتلون، على سبيل المثال، يمكنهم أن يفتدوا الوقت بخضوعهم لتمارين دائمة تزيد من خبرتهم وتساعدهم على تحسين دورهم ومشاركتهم في العبادات بما يساهم في كشف جمالها العميق... فلعب النرد او اي تسلية أخرى غير نافعة لا تسيء إلى الترتيل والمرتلين فحسب، ولكنها توحي بأنّ المؤمنين الملتزمين لم يفهموا حقّاً تلك النقلة إلى السماء التي يعيشونها في العبادة، وتالياً دورهم في خلاص العالم، هذا الدور الذي يحتاج إلى وعي دائم تعطّله كلّ آفة، وتالياً كلُّ تسمّر في الأرض وفنونها.
هذه بعض تعاليم لا تخصّ الماضي فحسب، ولكنّها تخصّ المؤمنين الذين يقودون حاضرهم ببرّ الماضي ويجتهدون دائماً ليوافقوا "المحبّة الأولى" التي هي نجاتنا جميعاً.
عن منشورات مطرانية جبل لبنان
2010-11-09, 08:10 PM
Zoukaa
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
ولكنها ايضا فاضت بالكلام على حياة المرتلين الشخصية والروحية في آن.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
المرتل وجه للكنيسة بما تحمل هذه الكلمة من حلاوة وتفترض من صدق وجدّيّة. والناس يرون الى المؤمنين الملتزمين امتداداً للكنيسة، ويعثرهم كلّ شرخ بين العبادة والحياة.
شكراً أخي ألكسيوس للموضوع المهم والحيوي في الكنيسة والحقيقة ورد معلومات أول مرة بسمع فيها.
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
ولعل الآباء وضعوا هذا القانون، اذ شعروا بأنّ المرتل قد تغريه صلوات الكنيسة او يُسكره أداء ألحانها، فيرى أنه وصل الى السماء ولا يحتاج الى شيء آخر. صحيح أن العبادة باب الى السماء، او هي السماء عينها نازلة على العابدين. ولكنّ مدخل العبادة الحقّ هو الجهاد، وهو عينه ما يمدّها في العالم.
بكتير أوقات عم نخسر مرتلين أغرتهم الألحان والأصوات الجميلة فقط .
صلواتكم
2010-11-09, 09:20 PM
andrew ibrahim
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
merci kteer a5 alexi
2010-11-10, 08:07 PM
مايكل فيت
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
سلام و نعمة
....................
جميل جدا و من حسن حظي أني (مرتل) و سعيد أوي بالكلام في الموضوع فهو مفيد حقا...
و لكن عندي سؤال هل في الكنيسة الرومية زي خاص بالمرتلين ام يكفي ان يكون الخوروس المرتل له زي موحد؟
2010-11-10, 08:53 PM
andrew ibrahim
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
اعتقد المرتلين معظمهم بيلبسوا (جبه) سوداء مفتوحة ، و الـ مرتلين القانونيّين المفروض مشهود لهم وبيخدمو الرب بحراره ويرتلو بصوت حسن ويجتمعوا بصفة دورية لحفظ التراتيل ومراجعتها
ومنتظر الرد من الاخ اليكسى لانى لسه جديد فى الايمان الارثوذكسى
2010-11-10, 09:40 PM
مايكل فيت
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
سلام ونعمة
.................
رغم ان سابتعد قليلا عن الموضوع و لكن يعني ايه
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة andrew ibrahim
لانى لسه جديد فى الايمان الارثوذكسى
2010-11-10, 10:03 PM
Alexius - The old account
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
عندنا اليوم في الكنيسة، هناك مرتلون يرتدون ثيابهم العادية، لظروف كثيرة لا نريد أن نخوض فيها.
وعادةً المرتلون يكون هذا زيّهم
2010-11-12, 10:08 AM
رافي
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
رائعة هي المقالة أخي الكسي، بالتأكيد الترتيل الكنسي ليس فن موسيقي أو موهبة وتعليم وحسب وإنما لاهوت أيضاً وصلاة وخشوع وتوبة وانسحاق، اسمحلي بالمداخلة التالية:
غالباً ما نقع هذه الأيام بين أمرين: أولهما تطبيق القوانين الكنسية وأعني فيما يتعلق بموضعنا هذا في مجال الترتيل الأرثوذكسي السليم وثانيهما عدم القدرة على تطبيق هذه القوانين والإرشادات فيأتي التساهل والذي يُنتج في كثير من الأحيان "الميوعة" في الترتيل.
لا أعرف إن كان حقاً هي نهضة ما نعيشها على صعيد تطور مجال الترتيل والتعليم الموسيقي أم هي فقط مشاريع موسيقية وهواية أو .... إلخ. وأنا هنا لا أتكلم عن الجوقات الكبيرة كجوقة جبل لبنان مثلاً أو جوقة أبرشية طرابلس كمثلٍ آخر، فتلك الأولى مثلت أنطاكيا في لقاء جوقات العالم الأرثوذكسي خير تمثيل وأداؤهم المنضبط خير شاهد، والثانية شهادتنا مجروحة فيهم بكل تأكيد، والعديد وليس الكثير من الجوقات المميزة الأخرى، لكنني عنيت جوقات الكنائس البسيطة الصغيرة التي هنا وهناك، أتلكم عن الخدمات العادية في كنائسنا حيثما كانت في المدن أو الأرياف، فهل هي على مستوى الخدمة حقاً؟ يصعب اليوم جداً أن تحضر خدمة إلهية وترتاح للصلاة فيها، فقد يزعجك مثلاً الطبقات العالية التي تستهدف "التلييل" أو قد يشدّك أداءٌ غير منضبطٍ لترتيلة مثلاً إلى الطرب بدلاً من الصلاة، أو قد يبعدك نشاذ الترتيل وعدم إنسجامه إلى التململ، أو حتى قد تكون الصوت الأنثوي في الترتيل غير ملائم لطبيعة التراتيل البيزنطية التي تتطلب بعض الأحيان الطبقات العالية جداً أو المنخفضة جداً بحيث يصعب على الصوت الأنثوي إيجاده أغلب الأحيان، ما قصدته أنه يصعب اليوم تطبيق مبادئ الترتيل الأرثوذكسي، فنحن موسيقياً لم نقدر على إيجاد اللازم لمتطلبات الترتيل الصحيح، لنسمع مثلاً الترتيل اليوناني، فرق كبير جداً، هناك ترتيل ينقلك إلى السماء وهناك ترتيل يرميك بعيداً جداً عنها، نحن في أنطاكيا (وأعني جوقنا العادية ) لا زلنا نغني ونرتّل أو نرتل لنرتّل، ولم نتعلم بعد أن نرتل لنصلّي.
صلواتك
2010-11-12, 07:04 PM
Zoukaa
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رافي
فقد يزعجك مثلاً الطبقات العالية التي تستهدف "التلييل" أو قد يشدّك أداءٌ غير منضبطٍ لترتيلة مثلاً إلى الطرب بدلاً من الصلاة، أو قد يبعدك نشاذ الترتيل وعدم إنسجامه إلى التململ،
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رافي
لا زلنا نغني ونرتّل أو نرتل لنرتّل، ولم نتعلم بعد أن نرتل لنصلّي
شكراً أخ رافي للمداخلة
هيدا يالي قصدتو وقت قلت أنو عم نخسر مرتلين جيدين لأنهم فتنوا بالألحان والأنغام وحلاوة الصوت ونسوا الهدف الأساسي من وجودهم عالقراية
ما بس خسرناهم كمان عم نخسر الصلاة والخشوع خلال ترتيلهم في الخدم الكنسية متل ما أنت قلت.
بس ما فينا ننكر أننا في نهضة مقارنة بالأيام السالفة وبعض المرتلين القدماء الذين لم تحكمهم معرفة أو علم أو لحن، يعني هلق تقريباً الجميع مثقفين، على الأقل بيعرفوا يقرأوا ما يوجد أمامهم، مضطرين يتعلموا مبادئ الموسيقا البيزنطية ويشتغلوا عحالهم إلى حد معين لأنهم سيقعون تحت النقد اللاذع والمقارنة.
بالإضافة إلى أنو بعض المصلين في معظم الوقت يريدون الصوت الحلو فيشجعوا المرتل على الطرب.
منذ عدة أيام سمعت مقولتين من اثنين من أباءنا الأجلاء:
" فوق كل قراية يوجد شيطان"
"المرتل متكلم باللاهوت"
هيدا بيحط مسؤولية كبيرة على المرتلين، بتمنى الكل ينجحوا بتحملها.
صلواتكم
2010-11-12, 10:02 PM
Fr.Aghapios
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
الرب يباركك يأخ اليكسيوس على هذا الموضوع وهذا الترتيل العظيم
2010-11-13, 07:27 PM
Fr.Aghapios
رد: المرتّلون في القانون الكنسي
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رافي
نحن في أنطاكيا (وأعني جوقنا العادية ) لا زلنا نغني ونرتّل أو نرتل لنرتّل، ولم نتعلم بعد أن نرتل لنصلّي
الرب يحفظك اخ رافي - لكن لانستطيع ان نعمم هذا الكلام فكنيسة انطاكية اصبح لديها جوقات معتبرة حتى في الكنائس الصغيرة لكن ربما بعض المرتلين يكون عندهم هذا الأمر- المعذرة على التعليق.