لماذا الصليب ؟ لماذا يضطر السيد أن يُقتل ؟
وكيف يكون بالقتل خلاصنا من الخطيئة ؟ أي لماذا يُصلب السيد وقبلها يُعذب أبشع تعذيب يمكن أن يناله إنسان ؟
هل هو لإرضاء الله ؟ هذا الإله الذي جُرحت كرامته وعزته الإلهية لمجرد أن أخطأ الإنسان فحكم عليه بالموت
فأتى السيد وخلصنا من هذه العقوبة !!!
ألم يقل مرة أحبوا أعداءكم ؟؟ فكيف يطلب منا هذا الحب وهو متبرىء منه ؟؟؟
ما دخلنا نحن بخطيئة آدم وحواء حتى تنتقل من جيل لآخر ؟
لماذا نرثها ؟ أو يقال نحن لا نرث الخطيئة بل الفساد والموت ....
حسناً ما ذنبنا أيضاً وماذا فعلنا حتى نرث هذا الفساد ؟؟
أليس الجسد من الأب والأم والروح من الله ؟ لماذا الروح ضعيفة إذاً ؟ولماذا الجسد ضعيف وفاسد ومحكوم عليه بالموت طالما أنه اتحاد نطفة من الذكر مع بويضة من الأنثى ثم بيضة ملقحة ثم تكاثر خلوي حتى يصل إلى مرحلة الجنين وبعدها الولادة ؟
فإذاً أين وراثة الموت وبأي مرحلة جنينية يتم ؟ وهل ينتقل الفساد في الأسبوع الأول أو الأخير أو وقت الولادة ؟
وهل أهواء الأب والأم تنتقل عبر الحبل السري إلى الطفل ؟ أم أن الروح موجودة في الدم فيرث الطفل روح أمه الضعيفة !!!
وإن كانت خطيئة آدم وحواء انتقلت إلى كل البشر فلماذا لم تنتقل نعمة الخلاص على الصليب إلى كل البشر ؟؟
هل الخطيئة أقوى من النعمة ؟ إذاً لا فائدة من نعمة الصليب للخلاص من الخطيئة !
أم لأن الخطيئة تنتقل بالوراثة أما النعمة فلا ؟
لكن لماذا لا تنتقل النعمة بالوراثة أيضاً ؟ أي لماذا يعتمد الطفل المولود من أبوين مسيحيين ؟؟
أم يقال أن الخطيئة تفرض نفسها أما النعمة فلا ... أي أن الله لا يفرض نعمته لكن الشيطان يفعل ؟
إذاً قوة الخطيئة على التأثير أقوى من النعمة ....
عندها ليس هناك من داعٍ أن يموت الرب بمثل هذه الميتة لأن لا فائدة منها ...
فإذاً.. لماذا صُلب الرب ؟
بنعمة من صُلب نستطيع أن نعرف الإجابة
( الإنسان عندما يُخطىء تَعلَق الخطيئة فيه ولا يستطيع أن يتركها ولا يقدر أن يتخلص منها إلا عندما يموت أي عند موته لن يعود ليخطىء ...لذلك قال المسيح : لا يموت الإنسان لكي يخلص بل أنا أموت عنه )
هذا هو السبب وهيو القاعدة والأساس والتفسير الذي سينطلق منه ويعود إليه كل تفسير
أولاً : ما قصة آدم وحواء :
هي قصة رمزية تصويرية وليست حقيقية أي هي تمثل خطيئة كل إنسان وليس خطيئة أول إنسان
بمعنى أنه ربما يكون هناك آدم وحواء حقيقيين وأنهما أخطأا لكن خطيئتهما على نفسيهما وليس على كل البشر لكن القصة أي قصتهما الواردة في الكتاب المقدس هي قصة كل إنسان
والأدلة واضحة فهذه القصة مأخوذة من الحضارات المجاورة أي من أساطير الشعوب المجاورة لبني إسرائيل المختلطين معهم وقد كُتبت هذه القصة عند السبي البابلي أي عندما سُبي اليهود من فلسطين إلى بابل . وإن دراسة العهد القديم تؤكد أن عمر هذه القصة أي وجود آدم وحواء كان قبل 6000 سنة لكن العلم الحديث أثبت أن وجود الإنسان هو قبل 40000 سنة ( على الأقل ) حيث اكتشفت عظام ليس لشخص واحد وإنما لمجموعات بشرية كانت تسكن في إيران وجوارها قبل 40000 سنة
فإذاً هذه القصة لا تمثل لنا انتقال الخطيئة من الجد الأكبر آدم إلى أبنائه وأحفاده ... بل كل إنسان مسؤول عن خطيئته وهذا يوضحه الكتاب المقدس عندما يقول الله في سفر حزقيال النبي الإصحاح 18 من أوله
((و كان الي كلام الرب قائلا
ما لكم انتم تضربون هذا المثل على ارض اسرائيل قائلين الاباء اكلوا الحصرم و اسنان الابناء ضرست حي انا يقول السيد الرب لا يكون لكم من بعد ان تضربوا هذا المثل في اسرائيل
ها كل النفوس هي لي نفس الاب كنفس الابن كلاهما لي النفس التي تخطئ هي تموت و الانسان الذي كان بارا و فعل حقا و عدلا... و سلك في فرائضي و حفظ احكامي ليعمل بالحق فهو بار حياة يحيا يقول السيد الرب
فان ولد ابنا معتنفاً سفاك دم ففعل شيئا من هذه.... فموتا يموت دمه يكون على نفسه
و ان ولد ابنا راى جميع خطايا ابيه التي فعلها فراها و لم يفعل مثلها.... باثم ابيه حياة يحيا
و انتم تقولون لماذا لا يحمل الابن من اثم الاب اما الابن فقد فعل حقا و عدلا حفظ جميع فرائضي و عمل بها فحياة يحيا.....
النفس التي تخطئ هي تموت الابن لا يحمل من اثم الاب و الاب لا يحمل من اثم الابن بر البار عليه يكون و شر الشرير عليه يكون ))
لا يبدو أن كلام الرب مشوش بل واضح تماماً فلا علاقة لنا بإثم ارتكبه أجدادنا وآباؤنا ....
ونسأل أيضاً .. هل الخطيئة الموروثة ( المزعومة ) تنطبق علينا نحن المعمّدين ؟
يعني إن صحت على غيرنا فهل تصح علينا ونحن الذين تحررنا من وطأتها ؟ فمن أين للأبناء أن يرثوا خطيئة تحرر منها آباؤهم ؟؟؟؟؟
إذاً وراثة الخطيئة غير صحيحة أبداً ...
لكن أيضاً هل نرث الفساد والموت وهل حقيقة أنه عندما يولد شخص تكون للشياطين سلطة عليه وأن هذه السلطة تزول بالمعمودية ؟
طيعاً لا .. لأن ما ذنب المولود حتى يكون له هذا ..لأن الفساد والموت يأتيان نتيجة الخطيئة (( أجرة الخطيئة هي موت )) ( رومية 6 : 23 )
(( الشهوة إذا حبلت تلد الخطيئة والخطيئة إذا كملت تنتج موتاً )) ( يعقوب 1 : 15 )
فالموت يأتي نتيجة الخطيئة وليس نتيجة الولادة
ومن أين للشياطين هذه السلطة ومن أعطاهم إياها ؟!
ليس صحيحاً أن للشيطان سلطة على الولد بل السلطة لله والله طبعا لن يسلمه لهؤلاء ...
وإن قيل إن بعض الأطفال المولدين يسكنهم شيطان ( طبعا هذه الحالات نادرة جدا ومنها ما يسمى بالتقمص )
فنقول إن الشيطان يسكن أيضاً في أطفال معمّدين ....والسبب طبعاً هو أن الله لا يسكن في أناس اقتبلوا الشر وعاهدوه فبيوتهم تكون مأوى مريح للشياطين ويسمح الله للشيطان بحالات جدا نادرة بهذه الاعمال لكي يدرك الاهل أن بيوتهم وحياتهم صارت مهددة بالخطر وعند سماح الأهل لله أن يتدخل فوجود الشياطين سيصبح من الماضي ...وهذه الحالات تصير للمعمدين ولغير المعمدين ...
فإذاً لا علاقة للخطيئة ( الأصلية ) بهذه الأمور
فإذاً لماذا نعتمد ؟؟
عندما يخطىء الإنسان فإن الخطيئة تستملكه وتجره إلى ارتكاب المزيد من الخطايا حتى يصبح ميتاً ....
فإذاً ما معنى الموت ؟ هل هو موت روحي فقط أم ماذا ؟؟
أكثر من يعرف ما هو الموت هم الرهبان والمجاهدون في الرب لأنهم يعودون إلى أعماقهم ويدرسونها ويفحصونها ويعرفون مدى فداحة الخطية التي إن استمرت تجعل الإنسان ميتاً أي لا قيمة له أي يموت موتاً كيانياً
....يعني كأن نقول عن شخص شرير (( هادا الزلمة منتهي خالص ))
لذلك قال السيد (( إن لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم )) ( يوحنا 8 : 24 )
فالموت هو إرهاق الخطيئة لكياننا
هذا هو حال الإنسان أو هكذا تصبح حالته عندما تعلق فيه الخطية ... وكما قلنا فإن المسيح مات عنا لكي نخلص من الخطيئة أي كي لا تعلق فينا ...
وهذه النعمة أي نعمة الصلب نأخذها بالمعمودية
إذاً المعمودية ليست خلاصاً من خطيئة موروثة أو موت موروث وإنما من خطيئة لاحقة وموت قادم هذا الموت ( فاتح تمو متل البالوعة ليستقبل كل مين بيخطي )
وهذا ما يؤكد بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية عندما يشرح بشكل مفصل هذه الحالة ( مستفيداً من خبرته الشخصية ) :
(( فاننا نعلم ان الناموس روحي و اما انا فجسدي مبيع تحت الخطية
لاني لست اعرف ما انا افعله اذ لست افعل ما اريده بل ما ابغضه فاياه افعل
فان كنت افعل ما لست اريده فاني اصادق الناموس انه حسن
فالان لست بعد افعل ذلك انا بل الخطية الساكنة في
فاني اعلم انه ليس ساكن في اي في جسدي شيء صالح لان الارادة حاضرة عندي و اما ان افعل الحسنى فلست اجد
لاني لست افعل الصالح الذي اريده بل الشر الذي لست اريده فاياه افعل
فان كنت ما لست اريده اياه افعل فلست بعد افعله انا بل الخطية الساكنة في
اذا اجد الناموس لي حينما اريد ان افعل الحسنى ان الشر حاضر عندي
فاني اسر بناموس الله بحسب الانسان الباطن
و لكني ارى ناموسا اخر في اعضائي يحارب ناموس ذهني و يسبيني الى ناموس الخطية الكائن في اعضائي
ويحي انا الانسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت
اشكر الله بيسوع المسيح ربنا اذا انا نفسي بذهني اخدم ناموس الله و لكن بالجسد ناموس الخطية )) ( رومية 7 : 14 )
فإن كلن بولس الذي قال عن نفسه مرة (( من جهة البر الذي من الناموس بلا لوم )) ( فيليبي 3 : 6 )
قد كتب عن تجربته الشخصية مع الخطيئة وصوّر لنا مدى عمقها وقوتها فنحن الذين إن حوكمنا بناموس موسى نكون مخطئين فبناموس المسيح ناموس الحرية الأعمق والأشد قداسة من ناموس موسى فماذا نكون ؟؟
وهذا لا لأن الخطيئة كانت أقوى من الإنسان حاشا ! لكنها تجذب الإنسان والإنسان يستجيب والمشكلة هنا أنه يعشقها ويحبها إن دخلت فيه (( ونظرت حواء إلى الشجرة فرأتها شهية للأكل )) من سفر التكوين
إذاً لا يستطيع ان يتركها ....فهي لا تموت في الإنسان بل تحيا فيه من أول دخول لها وتموت بموته....
والمسيح أتى لكي لا نموت بل نحيا بينما تموت الخطيئة ونحن أحياء ...
إذاً الخطيئة ليست جرحاً لكيان الله لا يُشفى إلا بموت الإنسان لأن هذه الإله هو الذي قال (( أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم ....)) أفلا يفعل هذه الأمور هو ...
لكن الخطيئة هي مرض يصيب الإنسان ويودي بحياته للموت... موت الكيان الإنساني
فهو كالإيدز الذي من أول دخول له في الجسم البشري يعتبر المصاب به منتهياً ..
وهذا المرض كما نعلم يصيب الجهاز المناعي البشري وتبدأ أعراضه بالظهور بعد فترة بعد أن يُتلف الجهاز المناعي في الجسم تدريجياً من إسهالات وحمى وضخامة غدد لمفية انتهاءاً بسرطانات وساركومات ...
والنهاية القاسية لهذا المرض هي الموت ....
هكذا الخطيئة : فيروس مميت ومرض عضال له أعراض هي فعل الشر ..أي ليس إهانة لله
والسيد وصفه بالمرض بقوله (( لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى )) ( متى 9 : 12 )
وبما أن مريض الإيدز لا يزول منه المرض إلا بموته فكذلك مريض الخطية لا يزول المرض منه إلا بالموت ...
هكذا المعمودية تعطينا نعمة الصلب.. بل وأكثر ..نعمة القيامة أيضاً (( كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك أيضاً بجدة الحياة )) ( رومية 6 : 3 )
فنحن المعمدين عندما نخطىء نأتي تائبين ونرفع ذبيحة المسيح أمام الله بالصلاة تموت فينا الخطيئة ونُشفى ...
لكننا نعود إليها مرة أخرى ونعود ونشفى وهكذا .....فإن كان هذا فقد صارت نعمة الشفاء أو التبرير مساوية لقوة الخطيئة لكن السيد أعطانا نعمة أقوى بما لا يقاس من قوة الخطيئة وهي نعمة النصر بالقيامة أي القدرة على عدم ارتكاب الخطيئة .. لكي تصبح قوة النعمة أفضل بكثير من قوة الخطيئة كما يقول بولس الرسول (( و لكن ليس كالخطية هكذا ايضا الهبة لانه ان كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالاولى كثيرا نعمة الله و العطية بالنعمة التي بالانسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين و ليس كما بواحد قد اخطا هكذا العطية لان الحكم من واحد للدينونة و اما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير
لانه ان كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالاولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة و عطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح )) ( رومية 5 : 15 )
لكن كيف يقول بولس هنا أنه ( بخطية واحد صار الموت إلى كثيرين ) ؟؟
هذا يفسر بالطب بما يُسمى بـ : الأمراض ذات الميول العائلية
وهي بالتعريف : الأمراض التي تحمل استعداداً وراثياً لكن الإصابة بها غير حتمية أي يمكن أن يصاب الشخص بالمرض أو لا ...
مثلاً : البدانة هي مرض وراثي لكن المرض ذو الميول العائلية عند البدينين هو السكري ...فاحتمال إصابة الأولاد بالسكري هو ذو ميول عائلية ..
ومثال آخر : الأسنان الوتدية هي أسنان ذات صفة وراثية ( حيث يكون السن بشكل الوتد تماما ) لكن المرض ذو الميول العائلية عند الاشخاص الحاملين لهذه الاسنان هو النخر السني ( أي تآكل النسج السنية )
ومع أنه ليس شرط أن يصاب الأولاد بهذه الأمراض لكن إن تناولوا السكريات والنشويات وبقية الأطعمة المضرة سيصابون لا محالة وستكون إصابتهم أسرع بكثير من الأشخاص العاديين
هنا السكري والنخر يشبهان الخطية
فكما نعلم ان الجنين وهو في بطن أمه يتأثر بالمحيط الخارجي للام وبحالتها النفسية ...لذلك فالجنين الذي يعيش أهله في الخطيئة سيتأثر بهم وعندما يولد ويبدأ حياته في جو الخطية فإنه سيتأثر به ويكون على استعداد أكبر لفعل الخطية مع أنه وُلد بنفس طبيعة آدم ولكنه أضعف منه بسبب سوء التربية وحالة الناس الخاطئة المحيطة به وليس بسبب خطأ في طبيعته حيث أن شهوات الدنيا تشبه تلك الأطعمة المغرية التي تجذب الشخص ليصاب بالمرض
إذاً خطيئة الواحد هذا جعلت من الأبناء بطبيعة أضعف من الأول فدخل الموت إلى الابناء فيما بعد بسبب خطاياهم هم وليس بسبب خطايا الأب ...
لأن بولس الرسول يقول أيضاً (( من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع )) ( رومية 5 : 12 )
يستخدم الرسول كلمة ( كأنما ) للتدليل على أن الأمر الذي جرى أي قصة آدم وحواء هي تشبيهية لأنه يعود ويقول أن الموت صار للبشر بسبب خطاياهم ( إذا أخطأ الجميع )
فالموت صار لي بسبب خطاياي أنا مع التأكيد على دور المجتمع والتربية السيئة ...
أما المعنى الذي قصده بولس الرسول (( كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم )) فهو أن الخطيئة ليست من طبيعة البشر وعندما أخطأ أحدهم انتقلت الخطيئة إلى الجنس البشري أي مثل فيروس الإيدز الذي كان موجوداً في القردة وقد انتقل إلى رجل أميركي بطريقة ما فمع أن الإصابة صارت لرجل واحد فإننا نقول أن الفيروس انتقل إلى البشر ...
كذلك الأمر بالنسبة لانفلونزا الطيور الذي هو فيروس يصيب الطيور لكن صارت له انتقالات إلى الجنس البشري بواسطة بعض الأشخاص المحتكين بالطيور المصابة ...
إذاً الخطيئة لم تكن في العالم لكن عندما أخطأ شخص ما فقد دخلت في عالم البشر
ونعود لنقول أن الخطيئة مرض وهي بحاجة لشفاء الله وليس لعقابه والمسيح صُلب لأجل الخطاة أي من يعمل البر طول حياته فهو ليس بحاجة للصليب كما يقول السيد (( ما جئت لأدعو أبراراً بل خطأة للتوبة )) ( متى 9 : 13 )
لكن كما يقول أحد القديسين (( أتيت يا رب لأجل المرضى فوجدتنا كلنا مرضى ))
السيد وجدنا خطاة كلنا كما كان داوود النبي قد تنبأ من زمن بعيد (( الله من السماء أشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله. كلهم قد ارتدوا معاً فسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد )) ( مزمور 53 : 2 )
فإنه كمبدأ ليس للبار والغير مريض حاجة للشفاء لكن إن أتينا للواقع فمن هو ليس بحاجة للشفاء ومن منا لم يصاب ومن منا ليس بحاجة للموت ليخلص حتى يمكن أن يقال أن حالة الواقع هذه صارت مبدأً وهي أنه ( إن عاش شخص ولو يوماً واحدا فإنه سيخطىء )
هذا ما يختبره حقاً المجاهدون في الرب ...
لكن يمكن أن نُسأل وما أدرانا أنه لم يوجد بشر عاشوا البر الكامل ؟
نقول ومن هم هؤلاء وهل يمكن لأحد أن يعطينا ولو اسماً واحداً لشخص عاش البر الكامل ...الكل أخطأوا والكل أعوزهم مجد الله كما يقول بولس الرسول ....هكذا أخبرنا المسيح وتنبأ الأنبياء والكتاب المقدس يخبرنا أنه حتى الأنبياء أخطأوا ( ابراهيم ولوط وداوود وسليمان وصموئيل ....) لكي يخبرنا بأنه لا خلاص لنا حتى بأبرار العهد القديم ...
وحتى ولو كان هناك هذا الشخص البار الكامل الذي لم يصاب فالمسيح أتى ليخلص من هلك ( مت 18 : 11 ) أي حتى ولو أخطأ شخص واحد فقط وكان الكل أبراراً فإن الرب سيأتي ليخلصه ....
لكن يُقال هل ترك الله البشر قبل مجيء ابنه ؟
الجواب طبعا هو لا ... فالرب طبّق علاجات تبطىء من سير المرض ...ومن هذه العلاجات
ــ الناموس : أتى ليكشف المرض وليبطىء سيره ويخفف من أعراضه ...
ــ فلسفات الأخلاق عند الوثنيين : فمن غير شك أن الله تدخل عند الوثنيين وأعطاهم فكراً أسمى من فكرهم العادي لكي يهيؤوا المجتمع أخلاقياً ..ولنا مثال على ذلك بوذا وزرادشت وكونفوشيوس وأفلاطون ( المدينة الفاضلة ) وأرسطو وغيرهم ...
ــ الموت الجسدي : كان لإيقاف امتداد الخطيئة بين الناس ولإيقاف حياة البشر المنهارة
وهذا العلاج طُبّق أيضاً في الطوفان وسدوم وعمورة كحل أخير الذي وإن مات البشر هكذا فهدف الله هو أن يخلصوا عند مجيء ابنه كما قال بطرس الرسول (( ( المسيح ) مماتاً في الجسد لكن محييً في الروح الذي به ( أي بالروح ) ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ( الجحيم ) إذ عصت قديماً حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح إذ كان الفلك يُبنى الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء الذي مثاله يخلصنا نحن أي بالمعمودية ))( بطرس الأولى 3 : 19 )
وهذه العلاجات لم تنجح كثيراً في التخفيف من سير الخطيئة لا لخطأٍ في الطبيب بل لعدم اتباع المرضى تعليماته ...حيث وُضع للمريض لائحة بالمسموح والممنوع مع أدوية كثيرة لكن المريض فضّل أن يعيش بقية حياته كما يريد بدل أن يتبع كل الإرشادات والنصائح الطبية كما تحدث الرسول بولس عن هذا الأمر في رومية
(( لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية خدعتني بها وقتلتني )) ( رومية 7 : 11)
لكن وقد أتى المسيح ومات عنا فقد شفينا لأن الخطية ماتت بموتنا لكن عدنا وقمنا كي لا نخطىء أيضاً
لكن ما الداعي ليموت المسيح ؟ ألم يقدر أن يخلصنا من الخطيئة بدون أن يموت أي لماذا لم يرسل نعمة من السماء تقتل الخطيئة فينا ؟ ثم لماذا تمت العملية أي عملية الخلاص بالقتل أما كان المسيح يستطيع أن يموت بشكل طبيعي ومن ثم يقوم ليحررنا ؟؟
سنجيب على السؤال الأول :
بأن السيد قادر أن يعطينا هذه النعمة بدون موته لكنه فعلها وصُلب لأمرين :
الأول : لكي يكون معنا ويعيش معنا ويحادثنا ويعيش همومنا ويختبر ضعفاتنا لكي نتشجع نحن أيضاً إن أصابنا شيء من هذه الدنيا نقول أن يسوع عانى منه أيضاً
هذا الإله المحب لم يقدر أن يكون متعالٍ على البشر بل أحب من كل قلبه أن يعيش معنا ويموت معنا ..
السبب الثاني هو لكي يرينا فداحة الخطيئة ونتيجتها المرعبة أي العذاب فقد جُلد السيد جلداً قاسياً كما شاهدناه تماماً في فيلم ( آلام المسيح ) وصُلب بميتة بشعة ربما هي الأصعب بين كل أنواع الإعدامات لأن موت الصليب هو اختناق تدريجي ...طبعاً بعدما أُهين المسيح من أحبائه
أما وقد قُتل السيد ولم يمت موتاً طبيعياً فلأن من يموت بدل شخص آخر عليه أن يُقتل أي يموت عنه قتلاً لأنه إن مات طبيعياً فقد مات عن نفسه لا عن غيره أما الموت قتلاً فلكي يُجعل موتاً لأجل آخرين أي أن الصليب هو ذبيحة وليس موتاً ..
فإذاً ما ذنب الذين صلبوه ؟ لأن الخلاص تم على أيديهم ؟
لم يعد لهم ذنب بل غفر لهم المسيح خطيئتهم بقوله (( يا أبت اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون ))
فقد غفر لليهود والرومان كما غفر ليهوذا وللرسل وللناس ما فعلوه به . أما خطيئتهم التي غفرها لهم المسيح فهي أنهم فعلوا ما فعلوه حُباً بالقتل لأن نفسهم مريضة وبهذا المرض قتلوا الطبيب فكان موته حياة لهم ولو أنهم اقتبلوا الخلاص ( أي الصالبين ) لكانوا أعظم خلق الله لأنهم اشتركوا بخلاص العالم بشكل مباشر ( حتى لو كانوا جاهلين لهذا الأمر ) لأن الله رحوم وشفوق ويسامح دوماً حتى قاتليه
فعلاً الصليب سر ..ولم يخطىء آباؤنا القديسين حين وصفوا عمل الله هذا بـ ( سر الفداء )
لأن معرفة هذا السر تعني الدخول عميقاً في أعماق الإنسان بنعمة الروح وكشف أسراره وفحص كيانه
كل هذا لمعرفة ولكشف لماذا (( بدون سفك دم لا تحصل مغفرة )) ( عبرانيين 9 : 22 )
لكن إن دخلنا أيضاً في سر الموت واشتياق الإنسان للمطلق وكرهه لمحدوديته فللصلب والقيامة قصة أخرى ....
[align=left]كتبت بنعمة الله....[/align]

