الكمال والتسامح قضيتان مسيحيتان لا تفترقان ، لأنه لا كمال بدون السلوك حسب ما يوصى به الإنجيل من تسامح وغفران للأخرين ، وليس هناك تسامح يصدر من نفس لا تعرف الكمال ، لان الكمال هو الذى يشجع ويدفع الإنسان للتسامح وبدونه لا يستطيع ولا يقبل .
قال فرانسوا فنيلون Francois Fenelon في القرن السابع عشر: "إن الكمال هو بكل بساطة احتمال عدم كمال الآخرين." ، وهذا ما أوصى به الرسول بولس أهل رومية حين قال " يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء و لا نرضي أنفسنا "(رو 15 : 1) ، إذا الضرورة موضوعة على المؤمنين ( الكاملين ) أن يسلكوا بروح التسامح والمغفرة ، ليس فقط لان هذا يحقق بنيانا وسلاما ، وإنما بذلك نحقق الإنجيل ومقاصد المسيح كما ونعلن بذلك استعدادنا للحياة حسب كمال الوصية ، أى فكر الله وتدبيره ، وهذا ما يضمن للإنسان التمتع بالخيرات الزمنية والأبدية .
ومع أننى لا أرغب هنا فى سرد الإيجابيات التى ستلحق بالإنسان نتيجة سلوكه بروح التسامح وتجاوزه عن سيئات الاخرين وظلمهم ، الإ أنه لا يمكننا إغفال دور التسامح فى ربح الاخرين للحق ، وهذه النتيجة وحدها كفيلة ، إذا ما أُخذت فى الاعتبار ، لبناء مجتمع مثالى يشهد للإنجيل ويعطى مجدا عظيما ودائما لملكوت الله ...
ولكن ، ولشدة الآسف أصبح الوضع العام فى كل المجتمعات هو رفض التسامح بكل صوره وثماره ، إذ ظن الكثيرون أن فى التسامح إنقاصا لما يمتلكونه من حريات وكرامات وحقوق ،وهذا ما جلب على البشرية مزيدا من الأتعاب والمحن ، رغم أنه فى كثير من الأحوال لا يحتاج إنجاز أمر التسامح والصفح لمزيد من العناء والجهد بل القليل من الكلمات والمشاعر الايجابية التى تبعث فى نفوس الآخرين الإحساس بالارتياح والسلام واليقين من انتهاء الخصومة والمغاضبة ...
كتب فرانسوا ماري أرويه المعروف باسم فولتير الفيلسوف الفرنسي المعروف قائلاً : " كن شديد التسامح مع من خالفك الرأي، فإن لم يكن رأيه كل الصواب فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك برأيك. " ، وهذا يعنى أن نسلك بحكمة ونقبل الأخر ، أن ياتى الإنسان على نفسه من اجل إعطاء الاخرين فرصة التعبير عن أرائهم وأفكارهم أن نتعلم كيف نبحث عن الحق حتى لو كان لدى من نئن ونشكو من تعاملهم وتصرفهم حيال أمورنا وأفكارنا ، وان نعلم انه فى كثير من الأحوال يكون رأى الاخرين بمثابة الرآى الصائب والسديد ولكننا لا نرى ذلك لأننا لا نرى إلا أنفسنا وما يرضى ذواتنا ، وهذا ما يعطل نمونا و ارتقائنا ، بل وهذا ما يجعل فرصة انطلاقنا نحو الأفضل والكمال قليلة وشبه معدومة .
وأرغب هنا فى ذكر بعض الملاحظات والتى أرجو أخذها بعين الاعتبار ، وهى كالتالى :
+ المبادرة بالتسامح وسيلة للانتفاع برحمة الله والطريق نحو تنقية القلب والإعلان عن قبول إرادة المسيح وصوت الإنجيل ، ومتى صدر الغفران والتسامح من الإنسان على سبيل الاختيار وبدافع الإخلاص للمسيح والروح القدس لا على سبيل الاضطرار ومن أجل المصلحة الشخصية ، كان هذا الإنسان آهلا لأن يصير قريبا من قلب الله وآهلاً لان تستنير أعماقه بنور المسيح ، لأنه مكتوب : " طوبى للأنقياء القلب،لأنهم يُعاينون الله " " ( مت 5: 8 )
+ قدر استعدادنا للصفح عن سيئات الاخرين يبرز قدر استعدادنا لطاعة الوصية وحمل الصليب وقد استعدادنا لطاعة الوصية وحمل الصليب يبرز قدر محبتنا لله ، والنفس التى تملأها محبة الله فادرة كل حين على أن تغفر وتتجاوز عن زلات الاخرين مهما تعاظمت ، وذلك لان نفس إمتلأت من نار الحب الإلهي هى نفس أنطفا فيها كل ميل للشر والتعدي ومخالفة وصية الإنجيل .
+ فى التسامح إنتصار على الذات وميول النفس الباطلة ، فى التسامح إنكار لمشيئة الإنسان العتيق وأفكاره التى تهلك وتدمر الحياة ، فى التسامح رفض للسلوك بناموس الجسد وقبول تام لناموس المسيح وإرادته ، فى التسامح صلب للرغبات الإنسانية التى تتجه نحو الانتقام والتشفي ، فى التسامح إجهاض لكل شماته وآنانية وما تقدر النفس على فعله فى المستقبل مجازاة عن الشر الذى لحق بها قديماً .
+ إن التسامح هو القرار الذى يجب أن تتخذه طالما كنت ترغب فى الحياة مع المسيح وفى سلام دائم وفرح لا ينقطع ، وان لم تتخذه بعد سوف لا ترى فى الحياة تجديد وقوة على الوصول نحو الهدف ، لانه أما أن نقبل إرداة الله فنصل إلى ما نرغبه لنفوسنا من بركات و أمجاد وأما أن نرفض كل مبادىء المسيحية ونحصد هلاك وندامة آبدية ، وعليك ان تختار وتقرر الآن لان الله لا يرغم احد على السلوك بفكر معين وحياة بعينها ، فالقرار لك وحدك .
+ من الممكن أن تغفر وتسامح لأجل مصلحة شخصية ورغبات زمنية تسعى إليها ، ولكن ليس هذا هو التسامح من المنظور المسيحي وبحسب إنجيل المسيح ، لان التسامح الحقيقي يكون بدافع الحب الصادق والحب الصادق مبنى على البذل ، لا من أجل المصلحة ورغبات النفس غير الروحية .
+ التسامح ليس هو الآداة التى تسلبنا الحق والدفاع عنه ، ولا الطريق نحو الحياة فى حزن يدوم وتعاسة لا تنتهى ، إنما هو الوسيلة التى تظهر المسيحيين كأبناء للنور يحملون فى داخلهم روح القوة والغلبة والقدرة على إنكار ذواتهم فى سبيل إرضاء الله وراحة الاخرين ، اما الذين لم يروا فى التسامح إلا الضعف والخسارة والمذلة فهؤلاء هم الجسدانيون الذين كثرت آلهتهم فى الحياة وبعدت عنهم أزمنة المسرة والفرج التى من قبل الرب ، وكلمة الرب تخبرنا أن كل عابد للوثن ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله" (أف5: 5 )
+ التسامح باعتباره من ثمار السلوك بالمحبة هو عمل يخدم السعي فى نشر ملكوت المسيح والكرارزة بالإنجيل ، ليس فقط لان فى التسامح يحقق الإنسان المزيد من الوصايا الإنجيلية التى تذكية للخدمة ونوال مواهب الروح القدس فى الخدمة وإنما ، وإضافة على هذا التحقيق ، فأن النعمة اللتى تعطى للإنسان جزاء سلوكة بنقاوة قلب وكمال تخدم نجاحه فى الكرازة ونشر ملكوت المسيح ، ومن هنا نعرف كيف يساهم التسامح فى نجاح وقوة إنتشار ملكوت الله .
+ التسامح ليس إنهزاما فى الحياة وانكسارا أمام جبروت الاخرين وعدوانهم ، بل هو انتصار يحتاج إحرازه لمزيد من التغصب والصمت وإنكار الذات ، لذا فالذى يصفح عن زلات الاخرين أقوى بكثير من الذى ينتقم وإن رد الصفعة للعدو مرات ومرات ، ومن ثم فإن سلوكنا فى طريق التسامح يحتاج لمعونة إلهية أعظم من سلطان الإنسان الذى يكون بمقدوره الانتقام والمجازة .
+ كلما أظهر الإنسان تسامحا وغفرانا فى الحياة كلما بشر بعمل المسيح وخلاصة ، إذ يذكرنا التسامح دائما بغفران الله الذى اعطاه لنا بشخص إبنه الحبيب المسيح يسوع ، ويكون من ثم سلوكنا فى طريق التسامح هو سلوك حقيقى فى طريق التبشير والكرازة بخلاص المسيح وفدائه ، لاجل هذا فالتسامح أعظم من أقوى عظة يسمعها الإنسان وأعظم من أقوى كتاب روحي يقرأه ، ومن أختبر الحياة فى ظل التسامح والتجاوز عن أخطاء الاخرين وضعفاتهم هو الذى يقدر على برهان وإثبات ذلك ، كما انه هو الأصلح فى خدمة التبشير والكرازة .
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات