*6/8 شرقي -8/19 غربي*
في انجيل متى(28:16 ) ورد القول" ان من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الانسان آتيا في ملكوته". وفي انجيل مرقص 9:1 القول المقابل هو " ان من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتر يروا ملكوت الله قد أتى بقوة". مباشرة بعد هذا القول صار الكلام عن صعود الرب يسوع بتلاميذه الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا, الى جبل عال منفردين ليصلي (لو 28:9 ). كان ذلك, فيما يبدو, بعد ستة أيام من تفوه الرب يسوع بالكلام في شأن مجيء ابن الانسان في ملكوته. أي جبل عال يكون هذا؟ نصوصنا الليتورجية تسمية " ثابور" في الجليل . هذا بدءا من القرن الثالث للميلاد . بعض الدارسين يميل الى اعتبار حرمون الجبل المقصود. حرمون ربما كان أوفق لا سيما والسياق الانجيلي يدعمه. ففي انجيل متى , الاصحاح 16 , جاء يسوع الى نواحي قيصرية فيليبس وهذه قريبة من حرمون. ولعل صفة " الجبل العالي" تنطبق على حرمون أكثر مما تنطبق على ثابور. جدير بالاشارة أن المنبع الرئيسي لنهر الأردن هو جبل حرمون.
لم كان التجلي؟ في قيصرية فيليبس أخذ الرب يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب الى أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم(مت21:16). هذا كان مباشرة قبل الصعود الى الجبل, ثم بعده مباشرة, فيما كان يسوع وتلاميذه الثلاثة نازلين من الجبل, كلمهم عن قيامة ابن الانسان من الأموات. التجلي كان لاظهار ابن الانسان في مجده حتى متى رآه التلاميذ مسلما الى اليهود, معلقا على الصليب, في آلامه, لا يعثرون. اعتراف بطرس في قيصرية فيليبس عن يسوع أنه " المسيح ابن الله الحي" (مت16:16) لم يكن كافيا, رغم أن الآب السماوي هو الذي أعلن له ذلك (مت 17:16). فبطرس لما تكلم الرب يسوع على موته العتيد وقيامته عثر وانتهر يسوع:" حاشاك يا رب!". بطرس, اذا, مقدم الرسل, كان بحاجة الى تثبيت. كذلك كان يعقوب الذي صار أول رسول يموت من أجل المعلم (أع2:12) . أما يوحنا الحبيب فهو انجيلي المجد الالهي بامتياز.
صعد بهم يسوع الى الجبل علامة للارتقاء الروحي من فضيلة الى فضيلة حتى الى المحبة التي بها تكون معاينة اللاهوت , والاقامة في النور غير المخلوق. ذلك الصعود كان خلاصة حياة السيد الذي اتشح بضعف البشرة وشق لنا الطريق الى الآب السماوي معلما ايانا أن السكون هو أم الصلاة وأن الصلاة هي كاشفة مجد الله لنا.
" وجهه متغيرة (لو19:9)." وتغيرت هيءة قدامهم وأضاء وجهه كالشمس"(مت2:17). وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدا كالثلج لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك"(مر3:9). هكذا أبان كلمة الله المتجسد البهاء الطبيعي للمجد الالهي الكائن له في ذاته , وحفظه اثر التجسد, مخبوءا تحت برقع الجسد. والحق أنه من اللحظة التي تم الحبل بها بالكلمة في حشا العذراء, اتحد , الها, بطبيعتنا البشرية, وأضحى المجد الالهي, في شخصه , مجد الجسد المتخذ أيضا. لذا ما أظهره يسوع لتلاميذه في الجبل ان هو سوى اعلان صارخ لتأله الطبيعة البشرية فيه, وكذا اتحاد الجسد بالبهاء الالهي.
وجه موسى, لما تألق, في الزمن القديم, أتاه المجد من الخارج بعد الكشف في جبل سيناء (راجع خر29:34). أما وجه مسيح الرب فاستبان , في الجبل, مصدرا للنور, للحياة الالهية المباحة للناس. وشمل النور ثيابه أيضا, اشارة للعالم الخارجي ونتاج حيويته والحضارة البشرية.
لم يكن تجلي الرب يسوع, وفق ما أكده القديس يوحنا الدمشقي, باتخاذ ما لم يكن بل باظهار ما كان, فاتحا عيون التلاميذ وجاعلا اياهم , بعد عمى, مبصرين. فتح يسوع أعين تلاميذه ليتسنى لهم, في نظرة متجلية, بقوة الروح القدس , أن يعاينوا النور الالهي متحدا , بما لا يقبل الفكاك بجسده. هذا يتضمن أنهم كانوا, هم أنفسهم, في الحقيقة, متجلين. وبالصلاة, كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس, قيد لهم أن يعاينوا ويعرفوا أي تغيير صار لطبيعتنا بفعل اتحادها بالكلمة.
وكما الشمس للحسيات كذلك الله للروحيات ( القديس غريغوريوس اللاهوتي). لذا أفاد الانجيليون أن وجه الاله-الانسان, وهو " النور الذي يضيء كل انسان آت الى العالم(يو 9:1), كان مضيئا لامعا كالشمس. لكن كان هذا النور أسمى , بغير قياس , من كل نور محسوس. واذ لم يحتمل التلاميذ ألقه, الذي لا يدنى منه, سقطوا أرضا.
هذا النور غير المادي, غير المخلوق, الآتي من خارج الزمن , كان هو اياه ملكوت الله الوافد لقوة الروح القدس, وقد ما كان السيد قد وعد به تلاميذه. هذا الذي عاينه التلاميذ لحظة , سوف يصير الميراث الدائم للمختارين في الملكوت, متى جاء المسيح جديدا, متلألئافي كل مجده. بلى بهذا المجد السني سنلقاه عائدا, في النور الذي التمع في ثابور, وتدفق من القبر يوم الفصح. هذا اياه سيكتنف نفوس المختارين وأجسادهم, ليجعلهم, هم أيضا, متلألئين كالشمس." حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم"(مت 43:13)." نور هو الله ونور معاينته (القديس سمعان اللاهوتي الجديد). كما كان التلاميذ شهودا للنور في الجبل, كذلك عاين العديد من القديسين الله في النور. غير أن النور لم يكن موضع تأمل لهم وحسب , بل هو, أيضا , النعمة المؤلهة التي تتيح لهم أن يعاينوا الله في خط قول مرنم المزامير أنه " بنورك نعاين النور" (مز 10:35).
في حضن هذه المعاينة المجيدة تراءى عن جانبي السيد كل من موسى وايليا, قمتي العهد القديم, ممثلين للناموس والأنبياء يشهدان له أنه معلم الأحياء والأموات. وقد تحدثا اليه, في النور, " عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكلمه في أورشليم"(لو 31:9), أي عن آلامه , فانه بالألم والصليب كان هذا المجد مزمعا أن يعطى للناس.
واذ استبان الرسل وكأنهم خرجوا عن طورهم, بعدما فتنهم التأمل في النور الالهي, كانوا كأنهم مثقلون بالنعاس. اذ ذاك قال بطرس" وهو لا يعلم ما يقول . يا معلم, جيد أن نكون ههنا. فلنصغ ثلاث مظال. لك واحدة ولموسى واحدة ولايليا واحدة"(لو 33:9). فما كان من المعلم سوى أن حول تلميذه عن هذه الرغبة البشرية في الاكتفاء من النور بمباهجة الأرضية وأبان للثلاثة مظلة أسمى لتحتضن مجده. فان سحابة مضيئة جاءت فظللتهم وانذاع صوت الآب في كنف السحابة شاهدا للمخلص:" هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت .له اسمعوا". تلك السحابةكانت علامة لنعمة روح التبني. وكما في معمودية السيد في الأردن, شهد صوت الآب للابن مبينا أن الأقانيم الثلاثة للثالوث القدوس, الواحد أبدا, تتعاضد لخلاص الانسان.
نور الله الذي أتاح للتلاميذ , بدءا, أن يعاينوا المسيح بلغهم حالا سامية على المعاينة والمعرفة البشرية لما تلألأ بأكثر قوة. واذ خرجوا من كل ما يرى بالعين المجردة, ومن ذواتهم أيضا, دخلوا في الظلمة الفائقة على النور التي جعلها الله خباء له ( مز 11:17). ولما انغلق باب حواسهم اقتبلوا كشف سر الثالوث الذي يعلو على كل اثبات.
واذ كان التلاميذ, بعد, غير مهيئين لاعلان مثل هذه الأسرار , حيث لم يعبروا, بعد, بامتحان الصليب, انتابتهم مخافة شديدة. لكنهم لما رفعوا رؤوسهم عاينوا يسوع وحده, وقد استرد هيأته العادية, ودنا منهم وطمأنهم. ثم لما نزلوا من الجبل أوصاهم أن يلزموا الصمت في شأن ما عاينوا الى أن يقوم ابن الانسان من بين الأموات.
العيد, اليوم, بامتياز, اذا, عيد تأليه طبيعتنا البشرية, وشركة جسدنا القابل للفساد في الخيرات الأبدية التي تسمو على الطبيعة. حتى قبل أن يتمم الرب خلاصنا بآلامه أبان أن الغرض من مجيئه الى العالم هو, بالضبط, أن يقود الانسان الى معاينة مجده الالهي. وهذا هو السبب في أن عيد التجلي كان له موقعه الفد بين الرهبان الذين جعلوا حياتهم سعيا وراء هذا النور.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات