" وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ : " فَمَاذَا نَفْعَلُ ؟ " . فَأَجَابَ : " مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هَكَذَا " ( لوقا 3 : 10 ، 11 ) . واضح أن جماعة السائلين هنا هم من طبقة فقيرة ، أغناهم يملك ثوبين ، وطعامه بالكاد يكفى فقيراً آخر يشاركه فقره . ويلاحظ أن كلمة ثوب هى ما يستر اللحم تحت الملابس الخارجية . والذي يملك ثوبين هو بالكاد يكفي حاله ، فهنا النداء دعوة للشركة فى الفقر تُلَمِّح من بعيد على محبة العطاء للفقير أو على الوجه الصحيح " للأفقر " . هنا الإرهاصة الأُولى لروح المسيحية . وكذلك فى أمر الطعام ، فرغيف المحبة يُشبع جائعَين ويفيض : " بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي وَلاَ يَزِيدُ الرَّبُّ مَعَهَا تَعَباً " ( أمثال 10 : 22 ) . لذلك قلنا إننا فى المعمدان نقف على عتبة الإنجيل . هى خطوة خطاها المعمدان باستحياء نحو رؤية حياة الشركة فى المسيحية مع تخلُّص تدريجى من أحكام الناموس الملزمة . وفى النهاية تفوح من تعاليم المعمدان أول رائحة المحبة التي ستجرف البشرية فى تيار البذل المهيب لتتوافق مع : " لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ " ( يوحنا 3 : 16 ) . " وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضاً لِيَعْتَمِدُوا وَسَأَلُوهُ : " يَا مُعَلِّمُ مَاذَا نَفْعَلُ ؟ " . فَأَجَابَ : " لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ " ( لوقا 3 : 12 ، 13 ) . هنا يضع المعمدان أول خطوط معنى العدل القائم على الرحمة والذى ينبع أصلاً من المحبة . هنا ضفَّر المعمدان خيطاً ملوناً من الأخلاق فخرجت خامته شديدة المتانة شديدة الإبداع ، وبهذا النسيج البهيج فُهمت العدالة فى المسيحية على مستوى الدولة ، ولكن على مستوى الفردية المسيحية مالت كفَّة العدالة نحو محاباة الفقير والمحتاج ، فأصبح العدل عند الإنسان المسيحى قد يقنعه بإعطاء ما عنده على نمط عدالة المسيح الذى افتقر وهو غنى ليُغنى المُعْدَم ، لأن فى هذا ترتاح المحبة . " وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضاً : " وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ ؟ " فَأجَابَ : " لاَ تَظْلِمُوا أَحَداً وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ " ( لوقا 3 : 14 ) . هنا المعمدان واجههم بعيوب أدائهم لمهنتهم من استخدام القوة والظلم في سلب أموال الناس بالقوة والعنف . أمَّا المقصود بـ " لا تشوا بأحد " فهو : " ابتزاز المال تحت تهديد " ، وبالنهاية تكون سرقة مغطاة . وهذا المعنى يكشف الوصية المكمِّلة أن يكتفوا بعلائفهم أي أجورهم الممنوحة لهم بالحلال ، أو على وجه الأصح ما هو مفروض أن يأخذوه بالحق . القديس أمبروسيوس يقول : تتركز وصيته لمن سأله ، فى الرحمة والمحبة لجميع من سأله ، والرحمة فضيلة عامة يجب أن يعمل بها الكل ، ويمارسها كل إنسان فيما يعمله ، فلا يستثنى منها الفريسى ولا الجندى ولا الفلاح ولا ربة البيت ولا الغنى ولا الفقير ولا أى إنسان ، إذ الجميع مدعوون أن يُعطوا من ليس معهم ، لأن الرحمة هى كمال الفضائل . حقاً كان قديسنا نارياً فى خدمته ، لا يخاف أحداً ، ولا يُجامل أحداً لا يعرف فى حياته سوى الحق وطريق الله .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات