لم اعثر في الكتاب المقدس على ذكرٍ واحد للقمار. ربما لأنه لم يكن معروفًا آنذاك. غير ان آباء الكنيسة مثل القديس يوحنا الذهبي الفم تكلموا ضده. وقد أفرد له الاديب الروسي دوستويفسكي كتابًا عنوانه "المقامر" نجد فيه تحليلاً لنفسيته ووصفًا للأذى الذي يتركه في النفس. ناس يضحون بأوقات لهم غالية وبالسهر على بيوتهم لينصرفوا إلى القمار ويصبح هذا التعاطي عندهم شغلهم الشاغل يلهيهم عن مسؤولياتهم. ولعل هذا الهوى من افتك الأهواء. والهوى في المفهوم الأرثوذكسي ذلك الانفعال العميق الذي هو في أساس الخطيئة. في الهوى يفقد الإنسان حريته الداخلية ويرى نفسه منجذبًا الى شيء ضار ولا يملك العودة عنه اذا تأصل.
اعرف الاعتراض عند القائل: "أنا العب للتسلية". الجواب العقلي: لماذا لا تتسلى بشيء آخر مفيد. التسلية للجسد أو الروح، البناءة التي لا اضاعة فيها للوقت ولمال اؤتمنت عليه ائتمانًا لمصلحة الجميع. فاذا كنت فقيرًا فكيف تخسره أو كنت ميسورًا وبذلته لاصدقائك الميسورين أفما كان الأجدى ان تحسن به للفقراء؟
لا شك أن القمار يربي عند صاحبه شهوة الربح بطريقة رخيصة ويزيد تعلقه بالمال "ومحبة المال أصل كل الشرور" كما يقول بولس الرسول. تربح وتشتهي ما فيه المزيد أو تخسر وتستمر ابتغاء الكسب. محور قلبك المال. ولعلنا اذا دققنا في مشاعر المقامر يكون الشعور الأعمق حب المغامرة اي المقامرة من اجل نفسها. انجذاب لا يقف عند حد. ما اقبحه منظر ان تدخل الى بيت وترى أهله وأصدقاءهم حول الطاولة الخضراء يهملونك إذا جئتهم بغتة ولا يرون فائدة في تبادل الحديث وإياك وقد بادت عندهم القدرة على الحديث وقد زال عندهم شغف الحديث. نفوسهم مستعبدة لهذا الورق الذي يرمونه. يفرحون لهذا التافه أو يحزنون ويتشنجون ويقررون العودة إلى هذه الدوامة التي لا تنتهي. يهربون إلى الأمام ويؤمنون بالحظ. كلمة ليس لها موضع في القاموس المسيحي. كلمة لا تعني شيئًا.
لماذا هذا الإصرار عند المعلمين الروحيين على شجب الميسر؟ عندنا نحن ان المال شيء يمكن ان تجعله عظيمًا، شيء يجب ان تستعمله إنسانياً لأنه تعبير عن العلاقة بين البشر. فهناك سببان لا ثالث لهما لانتقال المال من يد الى يد. اولهما العمل وثانيهما الإحسان. "فإن "العامل يستحق أجرته" ويعيش ممن يعمل له. اما الإحسان فعلاقة القلب بالقلب. انت تعطي المحتاج لأنه أخوك، لأنه حبيب الله وله حق عليك فأنت تعيله وتعيل ذويه. أنت مسؤول عن إعطائه الفرح.
بادر إلى العطاء تزدد تعلقًا بالعطاء فتشفى نفسك من هدر أموالك بالقمار ومن هدر عاطفتك فيه. لا مهرب من هذه الرذيلة إلا إذا حولت عشقك لها إلى محبة الفقراء. بدل عاطفة بعاطفة. قل لنفسك إذا انعم الله علي بمال فهذا لي وللمحتاجين إليه. أنا وإياهم عائلة الله. أما إذا قامرت فلا يبقى للفقير مكانة حقيقية في نفسك. هذه المئات أو الألوف أو الملايين من الليرات التي ترميها على طاولة القمار هي حق للفقير مكتسب. "بدد، أعطى المساكين فيدوم بره إلى الأبد". أنت تبدد على غير المساكين فليس لك في ذلك بر.
قرر الإقلاع عن هذه الآفة اذا اقتنعت بهذا الكلام. فبدء الخلاص القرار. "مَن اراد ان يكون لي تلميذًا فلينكر نفسه". المقامر لا ينكر نفسه.انه خاسرها في لعب يأخذ منه قواه. فاذا قررت حقًا ودعوت الله لينجيك فأخبر شركاءك في هذا العيب انك قطعت معهم هذه العلاقة. قد يتطلب هذا منك شجاعة. الحياة كلها موقف وبعد الموقف الفعل. ولكن فعل الانقطاع يأتي من زخم الصلاة الحارة. اسأل الرب ان يجعلك تتحسس للضعاف، للمرضى، للأولاد الذين يعجز ذووهم عن دفع اقساطهم. فإذا جعلت السيد فاديك من هذا الذي يفتك فيك، ان آمنت بأنك قادر على النهوض سيأتي النهوض وتقيم في فرح العطاء.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس



المفضلات