الموسيقى الكنسية البيزنطية
الشماس إغناطيوس (الحوشي)
« الموسيقى هي صوتُ الخالقِ المقيمِ في وسَطِ العالم »
(البطريرك باسيليوس الثالث)
لقد اهتمَّت الكنيسةُ منذُ نشأَتِها بالموسيقى، لأنَّها أدركَتْ العامِلَ التربَويَّ والتهذيبيَّ لهذا الفن، وتأثيرَهُ في الإنسان. فإذا كانت الموسيقى بشكلٍ عامٍ تهدِّئُ النَّفسَ وتُروِّحُ عَنها ضِيقَتَهَا مُبعِدَةً الشَّيطانَ، فإنَّ الموسيقى الكنسيَّةَ لا تَكْتَفي بتَحْقِيقِ ذلك وَحَسبْ، وإنَّما تَقودُ أيضاً إلى الله. وهذا هو هدفُها الرئيسيُّ، الأمرُ الذي يجبُ إدراكُهُ بوَعيٍ وعدمُ إِهمالِه.
الموسيقى الكنسيةُ البيزنطيةُ، هي ليست مجرَّدَ تعبيرٍ عن عواطفَ ومشاعرَ عالميَّةٍ وأرضيَّةٍ، ولكنها ابنةُ الشوقِ، الذي لا يهدأُ، إلى ما يفوقُ الإحساسَ. هي ثمرةُ عبادةٍ داخليةٍ صحيحةٍ، تُعبِّرُ عن تمجيدِنا وشُكرنا لله، عن تضرُّعِنا إليه ومحبَّتنا له. النبعُ الذي تستقي منه، هو الإيمانُ الصادقُ بأن العنصرَ الروحيَّ يفوقُ على العنصرِ الماديِّ، وأنَّ الجوهرَ هو أهمُّ من الشكلِ، وأنَّ العمقَ يغلِبُ على المظهرِ، لهذا فنحنُ لا نستَمتِعُ بها كموسيقى بحدِّ ذاتها، مجردةٍ عن مضمونها العباديِّ، ولكنْ نشعرُ بها لغةً تعبِّرُ عمَّا في القلبِ من مشاعرَ وأحاسيس. تَستلهمُ أَلحانَها من المعاني السرِّيةِ لكَلِماتِ النصُوصِ العباديَّةِ والمزاميرِ المرتَّلةِ، فتعبِّرُ بذلك عن فحوى العبادةِ، وتفتَحُ طُرقاً تُقرِّبُ الملموسَ من غيرِ الملموسِ، والمنظورَ من اللامنظورِ، والزائلَ من الأبديِّ.
الموسيقى الكنسيةُ البيزنطيةُ، ليست هي مجردَ فنٍّ يبحثُ في كَيفيَّةِ أداءِ التراكيبِ الموسيقيَّةِ المتنوعةِ وتحليلِها، ولكنَّها ترتبطُ جذرياً بالنصِّ الذي تعبِّرُ عنه، وتُعطيهِ لحناً مُضفيةً عليهِ جماليَّةً برّاقةً. لهذا بالضبط، نجدُ في القوانينِ الكنسيةِ كما في التقليد ما يَتَطلَّبُ من المرتِّلينَ تجنُّبَ الصَّخبِ والتصنُّعِ، والاستعراضِ الفنيِّ للمقدِراتِ الصوتيَّةِ، الأمرُ الذي لا يمتُّ بصِلةٍ لروحِ الكنيسةِ، الروحِ الذي يرغبُ في أنْ يكونَ الترتيلُ وَقوراً خُشوعياً واعياً، ضِمنَ إطارِ تقوى اللهِ وخوفِهِ، ليساعِدَ بالتالي على بعثِ مشاعرِ التَّقوى والخشوعِ في الآخرين، فيُنقِّيهم، ويملأُ نفوسَهُم ونفوسَ المرتِّلينَ فرحاً روحياً، ويرفَعُها إلى السَّماء.
من جهة أخرى، تلعبُ الموسيقى الكنسيةُ البيزنطيةُ دوراً هاماً في زرعِ وتعزيزِ الإيمانِ في وُجدانِ الكَنيسة. فبالرغمِ من أنَّ الشَّعبَ الأُرثوذُكسيَّ المؤمنَ لا يَعي بدقَّةٍ إيمانَهُ الحقيقيَّ، لكنَّهُ مع ذلك يشعُرُ بالأُرثوذُكسيةِ ويحيَاها، ليسَ فقط في العبادةِ الإلهيَّةِ، في الأيقوناتِ، في الطُّقوسِ، في التسابيحِ الكنسَّيةِ (التي يَصعُبُ أحياناً إدراكُ معانيها بدقَّةٍ) وحسبْ، بل وفي التَّرانيمِ الكنسيَّةِ أيضاً، أي في التراتيلِ، التي تُجسِّدُ العَقَائِدَ القويمَةَ، والتقليدَ الكنسيَّ في داخِلِهِ. وهكذا يترابطُ المضمونُ معَ الشكلِ، والرُّوحُ مع التعبيرِ، فيَضمَنُ الواحِدُ وُجودَ الآخرِ، بحيثُ تلتَحمُ الموسيقى بشكلٍ لا ينفَصلُ بالعناصِرِ العباديَّة الأُرثوذُكسيَّةِ الأُخرى.
ما هي أَنواعُ الموسيقى التي استخدمَتْها المسيحيَّةُ في بداياتِها؟
لا تَتوفرُ مَعلُوماتٌ صريحةٌ وواضحَةٌ للإجابةِ على هذا السؤالِ ، ولكنْ من المعلوماتِ القليلةِ المتوفِّرَةِ ولاسيَّما في كُتُبِ العهدِ الجديد، نعلَمُ أنَّ المسيحيينَ الأَوائلَ، في صلاتِهمِ المُشتَرَكةِ، وعبادَتِهم، كانوا يُسبِّحُونَ الربَّ ”بمزاميرَ وتسابيحَ وأَناشيدَ رُوحيَّةٍ“ (أف 5: 18-20). ما هي هذهِ المزاميرُ والتَّسابيحُ والأناشيدُ الرُّوحيةُ؟ يُحدِّدُ القديسُ غريغوريوسُ النيصصيُّ لغوياً معانِيَ المصطلحاتِ الواردةِ في عبارةِ الرَّسولِ بولسَ، بأنَّ كلمةَ مزامير «ψαλμοί»، تُستَخدمُ للدلالَةِ على الألحانِ النَّاتِجةِ عن العَزفِ على آلةٍ مُوسيقيةٍ، وأنَّ كَلمةَ تسبيح «ὕμνος»، تَعنيْ تقديمَ المَديحِ للهِ على الخَيراتِ التي يَمنحُنا إيَّاها، وأما كلمةُ نشيد «ῳδή» فتعني إطلاقَ الصَّوتِ من الفَمِ بالكلامِ واللَّحنِ معاً، ثم يُضيفُ بأنَّ مدلولاتِ هذهِ المصطلحاتِ صارتْ تَختلِطُ فيما بينها بحيثُ أنَّ كلمةَ مزمُورٍ صارت تُستخدَمُ للدَّلالةِ على التسبيحِ، وكلمةَ تسبيحٍ للدلالةِ على المزمورِ، وأنَّ كلمةَ تسبيحٍ صارَتْ تُطلَقُ على النَّشيدِ وبالعكسِ، وهكذا.
ومهما يَكُنْ من أَمرِ المُصطَلحاتِ، فمنَ المعرُوفِ أنَّ مزاميرَ داوودَ كانت تُرتَّلُ بمرافَقةِ آلاتٍ مُوسيقيَّةٍ، وأنَّ مَقاطِعَ من العَهدِ القديمِ كانت تُستخدَمُ كتسابيحَ في مجامِعِ اليهودِ، مثلَ نشيدِ مُوسى، وتسبحةِ دبُّورة، وتسبحةِ الفتيةِ الثَّلاثةِ وتسابيحَ أُخرى، مما يَقُودُ إلى الاعتقادِ بأنَّ الكنيسةَ التي نَشأَتْ في وسطٍ يَهوديٍّ واستخدمَتْ مزاميرَ داوودَ والتسابيحَ الكتابيةَ في صلواتِها وعبادتِها قد استَخدَمَتْ أيضاً الألحانَ اليَهُوديَّةَ نفسَها، خاصةً إذا أَخذنا بعَينِ الاعتبارِ أنَّها كانت مُضطَهَدَةً خلالَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولى منْ تاريخِهَا، ويَصعُبُ عليها أَنْ تَزدهِرَ فنياً وتُطوِّرَ مُوسيقاها الخاصَّةِ.
أما طَريقَةُ الإنشادِ لدى اليَهُودِ فكانَتْ كالتَّالي: كان واحدٌ من المُرتِّلينَ، أو مجموعةٌ مِنهُم، يُنشدُونَ معاً أبياتَ المزمورِ، وعندَ نِهايةِ كُلِّ بيتٍ كان الشَّعبُ يُكرِّرُ العبارَةَ الأخيرَةَ منهُ، وهذا يُسمَّى الترتيلُ بالإصغاء، «καθ’ὑπακοή» لأن الشَّعبَ كانَ يُصْغِيْ إلى كَلِمَاتِ المزمُورِ ثُمَّ يُكرِّرُ ترنيمَ ما ينشِدُهُ المرتِّلُونَ بعدَ سَماعِهِ. أحياناً كانت العِبارةُ المرتَّلةُ من الشَّعبِ تشمَلُ شَطراً كاملاً من البيتِ الشعريِّ، حتى أنَّها كانت تأخذُ شَكلاً ثابتاً مثل: ”لأنَّ إلى الأَبدِ رحمتَهُ، آليلوييا“ أو ”لأنَّ اللهَ معَنا“ أو”نُسبِّحُ ونُباركُ ونَرفعُ إلى مدى الدُّهور“، وأحياناً أُخرى كانتْ تقتَصرُ على كلِمةٍ واحدةٍ مثلَ: ”آليلوييا“ أو” آمين“.
ومع مُرورِ الوقتِ، بدأَتِ المسيحيةُ تنفَصلُ شيئاً فشيئاً عن اليهوديَّةِ مُدركةً بأنَّ تسابيحَ العهدِ القديمِ لم تَعُدْ وحدَها كافيةً لتُعبِّرَ عن كُلِّ مشاعرِ المسيحيِّينَ ومُتطلَّباتِهِمِ العباديَّةَ، وأنَّها عاجِزةٌ عن التَّجاوبِ بشكلً كامِلٍ مع مضمُونِ الإيمانِ الجديدِ، وخاصةً أنَّ مواضيعَ جديدةً تُميِّزُ أحداثَ وشخصيَّاتِ وتعليمَ العهدِ الجديدِ ظهرَتْ إلى الوجُود، مثلَ حَدَثِ الصَّلْبِ الخلاصيِّ العظيمِ، وشخصِ والدةِ الإلهِ العَذراءَ مريمَ التي فيها تَمَّ العَجَبُ الفائقُ الطبيعَةِ، عَجَبُ ولادَةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ، وكذلكَ التعليمِ الصَّريحِ والواضحِ عن الثالُوثِ القُدُّوسِ. ولا ننسى أيضاً ظُهورَ الشُّهَداءِ القدِّيسينَ الذينَ قدَّمُوا ذواتَهُم وأهرقُوا دِماءَهُم محبَّة بالربِّ، ودفاعاً عن كَنيستِهِ المُقَدَّسَةِ، في عصرٍ كانتْ فيهِ تُواجِهُ الوثنيَّةَ وعِبادَةَ الشيطان. لهذا أَخذَتْ تُضافُ رويداً رويداً تسابيحُ جديدةٌ تلبِّي حاجةَ العبادةِ والإيمانِ المسيحيين. وحيثُ أنَّ الثَّقافَةَ اليُونانيَّةَ هي التي كانَتْ سائدَةً في ذلك العصرِ بعُلُومِها المُختَلِفَةِ، كالفلسفَةِ والخطابَةِ والشِّعرِ والموسيقى، فقد جاءَتْ هذهِ التَّسابيحُ الجديدةُ بغالبيَّتِها يونانيةَ الإنشاءِ، مضبوطَةً شِعريَّاً على أوزانِ الأشعارِ اليُونانيَّةِ ومُوسِيقَاهَا المُتنوِّعَةِ، ولاسيَّما أنَّ آباءَ الكنيسةِ الذينَ صاغُوا الإيمانَ كانوا مالِكينَ اللُّغَةَ اليُونانيَّةَ وآدابَها بشكلٍ ممتاز.
كيف كانت الكنيسة ترتل في القرون الأولى؟
خلاَلَ القُرونِ الأَربعةِ الأُولى، كانَ النَّمَطُ السَّائدُ هو التَّرتيلُ الجماعيُّ «τὸ ἀπὸ κοινοῦ ψάλλειν» حيثُ يَشترِكُ جميعُ المُؤمنينَ الحاضرينَ في التَّرتيل.
1- بعضُ المصادِرِ يَذكُرُ أنَّهُ في الكَنيسَةِ الأُولى كانَتْ تُوجَدُ عادةُ الترتيلِ بجوقتين «τὸ ψάλλειν εἰς δύο χορούς» . ويَعْزُو البعضُ سَبَبَ انتشارِ هذا التقليدِ في التَّرتيلِ إلى حاجَةِ الكَنِيسَة لمُواجَهَةِ الهرطَقَةِ الآريوسيَّةِ التي كانت تنشُرُ تعاليمَهَا بنَفسِ الطَّريقَةِ. فيذكُرُ ثيوذوريتُوسْ وصوزومِنوس في تاريخَيْهِما، أنَّ كاهنَينِ منْ أَنطاكِيةَ أدخلا إلى أنطاكيَة كما وإلى القِسْطَنطينيَّة طريقةَ الترتيلِ بِجَوقتَينِ لغايَةٍ عَمَليَّةٍ، وهي أَنْ يفصِلُوا المسيحيينَ عن الآريوسيَّةِ، التي كانتْ قَدْ سَبَقَتْ فاستخدَمَتْ هذا النَّهْجَ في التَّرتيلِ مُروِّجَةً من خلالِهِ تعاليمَها المنحرفَة.
2- نظامٌ آخرُ في التَّرتِيلِ كانَ مَعرُوفاً أيضاً، وهو الترتيلُ بالتبادل «τὸ κατ’ἀντιφωνίαν ψάλλειν» حيثُ كانَ يُمكِنُ لكُلِّ واحدٍ منَ المُؤمِنينَ، بِحَسَبِ مُؤَهِّلاتِهِ المُوسيقِيَّةِ، أَنْ ينتَصِبَ أَثنَاءَ إقامَةِ الاجتِمَاعِ اللِّيتُورجِيِّ، فَيُرَتِّلَ أو يُكَرِّرَ ترتيلَ واحدٍ أو أَكثَرَ منَ التَّراتيلِ التي كانَتْ تُرتِّلُها الكَنيسَةُ، والتي غالِباً ما تَكُونُ أَحَدَ مزاميرِ العَهْدِ القَديم. وهذا هو بِحَسَبِ الشَّهاداتِ التاريخِيَّةِ النَّهجُ الأقدمُ، وكانَ مُنتَشِراً في مناطِقِ سوريا وعلى الأخصِّ في أَنطاكِيَة. يُخبرُنا المؤرِّخُ سُقراط بأنَّ القدِّيسَ إغناطيوسَ حامِلَ الإلهِ هو الذي وَضَعَ طَريقَةَ الإنشادِ بالتَّبادُلِ فيقُول: ”إنَّ إِغناطِيُوسَ الأُسقُفَ الثَّالِثَ على أَنطاكِيَةَ بعد بطرُسَ، قد رأى في رُؤيا مَلائِكَةً يُسبِّحُونَ الثَّالُوثَ القُدُّوسَ بتَرانِيمَ مُتَبادَلَة، وسلَّمَ هذِهِ الطَّريقَةَ في التَّرتِيلِ إلى الكَنيسَةِ في أَنطَاكِيَةَ، ومنها انتَقَلَ هذا التَّقليدُ إلى كَافَّةِ الكنائِس“. ويُؤَكِّدُ القدِّيسُ فُوتيوسُ الكَبير (القرن التاسع) هذِهِ المَعلُومَةَ فيقُول: ”إغناطيوسُ حاملُ الإلهِ هُوَ أوَّلُ مَنْ وَضَعَ طَريقةَ الإنشَادِ بالتَّبادُل“. وقَدْ عَمَّ استخدامُهُ مِنْ قِبَلِ الآريوسيينَ في الكَنيسَةِ الشَّرقِيَّةِ، ولكنَّهُمْ انحَرَفوا إلى إِعطَائِهِ طابَعاً مسرحياً استعراضياً مُصطَنَعاً مُبعِداً الشَّعبَ المُؤمِنَ عن جَوْهَرِ العِبَادَة. ورُغمَ ذلكَ فَقَدْ تَبنَّاهُ الآباءُ القدِّيسُونَ وصَارَ ينتَشِرُ في الكَنائِسِ الأُرثوذُكسِيَّة. ويُذكَرُ أنَّ باسيليوسَ الكبيرَ قدْ واجَهَ مُعَارَضَةً شديدَةً مِنْ قِبَلِ رَعِيَّتِهِ في قيصَريَّةَ الجَديدَةَ، عندَما حاوَلَ إدخَالَهُ إلَيها بَعدَ أَنْ كَانَتْ مُتَمَسِّكَةً بِما سَلَّمَهُ إليها أُسقُفُها السَّابِقُ غريغوريُوس صانعُ العَجائب مِنْ نِظامٍ في التَّرتِيل. وهكَذا اضطُرَّ مِراراً وتَكراراً، أَنْ يُدافِعَ عن عَمَلِهِ مُقابِلَ الاتِّهامات التي كَانَتْ تُوَجَّهُ إِليهِ مِنْ أَنَّهُ مُحَدِّثٌ ومُبتَدعٌ، مُؤكِّداً أَنَّ الأَمرَ ليسَ هُوَ فَرضُ التَّحديثِ على الكَنيسَةِ ولكنْ وَضْعُ كُلِّ ما مِنْ شَأنِهِ أَنْ يَخدُمَ الكَنيسَةَ ومُتطلَّباتِ العِبَادَةِ فَوقَ أَيِّ هَدَفٍ آخر.
3- الترتيلُ بالإصغاءِ «τὸ καθ’ὑπακοήν ψάλλειν» والذي سَبَقَ أَنْ ذَكَرناهُ آنفاً، كانَ مُستَخدَماً أَيضاً وكانَ يَتِمُّ بِأَنْ يَتلُو الشمَّاسُ أو القارِئُ بِتَلحِينٍ أَحَدَ المزامِيرِ فَيُجيبُهُ الشَّعبُ مُردِّداً أَحدَ أَبياتِ المَزمُور. وهذا ما أَدخَلَهُ القِدِّيسُ أَثَناسِيُوسُ الكَبيرُ إلى كَنيسَةِ الإسكَندَريَّة، بَعدَ أَنْ كانَ قَد سَبَقَ وفَرَضَ التَّرتِيلَ البَسيطَ على كَنائِسِ الإسكَندريَّةِ، وذلك لأَنَّهُ كما يَروي هُوَ نَفْسُهُ في مُؤَلَّفِهِ «حول الهرب» ”وأما أنا الزَّعيمَ الجاهِلَ، فلئَلا أَترُكَ شَعبي في هذا الاضْطِراب، وبالأَوْلى لكَيْ لا أُجازِفَ بِهِ، جَلَستُ على العَرشِ وصِرتُ أَحُثُّ الشمَّاسَ مِنْ جِهَةٍ على أَنْ يَقرَأَ المزمُورَ، والشَّعبَ مِنْ جِهَةٍ أُخرى على أَنْ يُجِيبَ مُرَدِّداً العِبَارَةَ: لأنَّ إلى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. وهكذا انصَرَفَ الجَميعُ“. الاضطرابُ والمجازَفَةُ اللَّذانِ كانَ يَتكَلَّمُ عَنهُمَا أَثَنَاسِيوس، يُشيرانِ إلى الحِصَارِ الذي أَقَامَهُ جُنُودُ الإسكَندَريَّةِ الآريوسيونَ حَوْلَ الكَنيسَةِ، حَيْثُ كانَ الشَّعبُ المُؤمِنُ مُجْتَمِعاً، والأُسقُفُ يُقِيمُ الخِدمَةَ الإلهيَّةَ. فالجنودُ كانوا يَملِكُونَ أَمراً باعتقَالِ أُسقُفِ المَدينَةِ، و إذا حَدَثَ أَنْ واجَهوا مِنهُ مُعارَضَةً ما، كانَ لَدَيهِمِ الإذنُ بِإِحداثِ مَجْزَرَةٍ حتَّى وَلَوْ داخِلَ الكَنيسَةِ. وَلكِنَّ الأُسقُفَ القِدِّيسَ إذْ قَدْ أَدرَكَ خُطُورَةَ المَوقِفِ، لجأَ إلى هذا الحَلِّ، وهُوَ أَنْ يَرَتَّلَ بِالطَريقَةِ التي اعْتَادَ الجُنُودُ الآريوسيُّونَ على ممارستها في عبادتهم، فَكَانَتْ النَّتيجَةُ أَنْ تَخَشَّعَتْ قُلُوبُهُم لدى استِمَاعِهِم لِلتراتيل، فانصَرَفُوا مُحَرِّرينَ الكَنِيسَةَ مِنَ الحِصَار.
4- مِنَ الطُّرُقِ التي استُخْدِمَتْ في التَّرتيلِ أَيضاً كانَ تَنْظِيمُ جَوقَاتٍ نِسائِيَّةٍ التي سَمَحَ بِهَا القِدِّيسُ أَفرامُ السُّوريُّ، واضْطُرَّ أَنْ يَفْرِضَهَا في كَنيسَةِ إديسا، ليُحَارِبَ بَعضَ النَّزَعَاتِ الهُرطوقِيَّةِ الظَّاهِرَةِ هُناكَ والميَّالَةِ إلى الغْنُوسِيَّةِ. لذلِكَ فَقَدْ اتَّخَذَ بَعضَ الإجراءاتِ ذاتَ الطَّابَعِ الليتُورجيِّ، حَيْثُ سَمَحَ بتأليفِ بَعضِ التَّسابيحِ والأَنَاشِيدِ الكَنسَيَّةِ، وَمِنَ المَعرُوف أَنَّهُ هُوَ نفسُهُ كانَ شَاعِراً، وأَنَّهُ كَتَبَ الكَثيرَ مِنَ الأَشعَارِ الكَنَسِيَّة.
نقلاً عن: http://www.pyrgou.org

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات