ضرورة الآلام الخلاصية

تمثل آلام المخلص بالنسبة للفكر البشري محتجبًا بشكل فائق . تظهر آلامه كضرورة إلهية إنسانية في التدبير الإلهي لخلاص العالم . فإذا كان المنطق الإنساني يتصدى لهذه الضرورة فإن منطق المخلص الإلهي - الإنساني بآن حاضر فيها كليًا .

فالرب يسوع لم يشدد على أمر وأكده بقوة أكثر من ضرورة آلامه والحاجة إليها . فحال عرف تلاميذُه ابن الله بكشف إلهي قادهم هوللتو إلى سرآلامه العظيم التي كان مقبلاً إليه : " منذ ذاك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب لأورشليم ويتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة ويُقتل وفي اليوم الثالث يقوم " .

اختيار المخلص الموت على الصليب كان ضرورة في تدبيره لخلاص الجنس البشري , الآلام على الصليب كانت الوسيلة ليمنح المخلص الحياة الأبدية للبشر . هذا ماعناه المخلص بقوله : " كما أن موسى رفع الحية في البرية كذلك ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يو 3 : 14 - 15 )
فبأي تصميم تحدث المخلص عن آلامه وضرورتها لأجل خلاص العالم !!! فهذا يمكننا أن نلمسه بشكل خاص من كلمات الإنجيلي مرقس التي تلي إعلان المخلص السابق : " وقال القول علانية " ( مر 8 : 32 ) ولكن الفكر البشري على الرغم من تصميم المخلص ووضوحه بشأن ضرورة آلامه لايسعُه استيعاب الأمر



تعثر الفكرالبشري أمام ضرورة آلام المخلص

لقد تعثر أكبر الرسل أمام سموّ هذا السر : " فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلاً : " حاشاك يارب ! لا يكون لك هذا ! " ( متى 16: 22 , مر 8 : 32 ) فإن ما جرى يُظهر بمالايقبل الشك أن المنطق البشري لا يمكنه استيعاب ضرورة الآلام ويتابع الإنجيلي قوله : " فالتفت يسوع وقال لبطرس : اذهب عني يا شيطان , أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس "

يشكل جواب المخلص هذا الدفاع الأكثر وضوحًا عن ضرورة آلامه لأجل البشر , لذا نرى الرب الوديع يسمي تلميذه ( شيطانًا ) وهو نفسه قد غبّطه قبلاً لأن الآب السماوي جعله أهلاً لكشف شخص المخلّص الإله - الإنسان : " طوبى لك يا بطرس سمعان بن يونا " ( متى 16 : 16 - 17 ) . إنه أمر شيطاني أن ينقذ المخلّصُ العالمَ بدون أن يتألم فيحُول الأمر بين المخلص وآلامه ويبعده بالتالي عن الصليب والقيامة .

لم يقل المسيح الشيطان يتحدث بلسانك بل " اذهب عني يا شيطان " لأن هذا بالظبط ما كان يرمي له الشيطان - ألا يتألم المسيح أبدًا - لذلك انتهر المسيح بطرس بشدّة لأنه كان يعلم أن هذا الأمر كان المبعث الأكبر لإثارة مخاوف التلاميذ وقلقهم . لذا كشف لهم أفكارهم الداخلية : " أفكارك ليست أفكارالله بل أفكار البشر " ( متى 16 : 23 ) .

وكان المسيح يقول لبطرس : أنت تظن أنه من العار أن أتألم ولكني أقول لك إن الحيلولة دون أن أتألم أمرٌ من الشيطان كما يفسر الآية الذهبي الفم ( عظة في متى )
أما ثيوفيلكيوس يقول : بعد أن اعترف التلاميذ بأن يسوع هو فعلاً المسيح كشف لهم المخلص أيضًا سر الصليب ولكن بشكل جزئي لأنهم لم يفهموا أقواله ولا أدركوا معنى أن يقوم من الأموات بل افتكروا أنه من الأسلم له ألا يتألم قط ( في شرح إنجيل متى ) .

لما كان المخلص صاعدًا إلى آلامه لأجل البشر بدا أنه يقود حياته كلها نحو هذه القمة : " لأجل هذا أتيتُ إلى هذه الساعة " ( يو 12 : 27 ) . كل طرق حياة المخلص تقود إلى آلامه الخلاصية على الصليب في أورشليم . لقد أبرز المخلص هذا الأمر لتلاميذه مباشرة بعد التحلي , بعد أن أراهم مجده الإلهي . كان يرغب أن يجذب انتباههم ويقودهم إلى هدا السر : " ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يُسلم إلى رؤساء الكهنة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزؤوا به ويجلدوه ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم " ( متى 20 : 17 - 19 ) .

كان هذا بالنسبة لذهن إنسان لم يتجدد ويُخلق من جديد يبدو غير منطقي أو مفهوم أو ذي جدوى . لذا يعقّب الإنجيل أن التلاميذ لم يفقهوا شيئًا : " أما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا وكان هذاالأمر مخفى عنهم ولم يعلموا ما قيل " ( لو 18 : 34 ) .

المطران سلوان موسي