في هذا الأحد، الخامس من الصوم، نكمّل تذكار أمنا البارّة مريم المصرية. فكما إفتتحنا فترة التريودي بمثل الفريسّي والعشّار، ومن ثمّ بمثل الابن الشاطر، وكلاهما نداء ملّح من الرب لنا كي نتوب، هكذا ننهيها بالنموذج الأكثر حدة وسطوعاً في تكميله لحياة التوبة.
فهذه القديسة بعد أن كانت الأكثر غرقاً وانغماساً في حياة الشهوة والخطيئة، صارت، بعد أن تابت، الأكثر ندماً وجهاداً وصلاة وتخشعاً ودموعاً، ماكثة في البريّة القاحلة سبعاً وأربعين سنة.
ولأن هذا الأحد أيضاً، هو الأخير، قبل الدخول في أسبوع آلام السيّد المؤدّي الى قيامته، نقرأ الفصل الإنجيلي المتعلق بصعود يسوع الأخير لأورشليم قبل أن يحكم عليه بالموت. ها هو يذهب الى هناك بملء إرادته الإلهية من أجل خلاص البشر، وهو يعرف تماماً ما الذي يجري خطوة بعد خطوة. لهذا إبتدأ يقول لتلاميذه عمّا سيحدث له: "هوذا نحن صاعدون الى أورشليم وابن البشر سيُسلم الى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه الى الأمم فيهزأون به ويبصقون عليه ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم".
إثر ذلك يدنو إليه يعقوب ويوحنا إبنا زبدى قائلين: "يا معلم نريد أن تصنع لنا مهما طلبنا فقال لهما ماذا تريدان أن أصنع لكما. قالا له أعطنا أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك". وهنا إذا سألنا لماذا طلب إبنا زبدى هذا الطلب من معلّمهما، فغالباً الجواب هو لسببين:
1- لم يكن تصور الأخوين واضحاً بعد -كما بقية التلاميذ- حول حقيقة ملكوت الله وعلاقته بملكوت المسيح، ولا عن ماهية المواعيد التي تحدث عنها أنبياء العهد القديم، وتحققت في العهد الجديد. جلّ ما فهماه عندما سمعا الربّ يسوع يتحدث عن تسليمه للأمم وعن قتله ومن ثمّ قيامته، أنه قد حان وقت تمجيده كملك أرضي على إسرائيل. ولا سيما أنهم يظنون
-كما يقول لوقا الإنجيلي- "أن ملكوت الله عتيد أن يظهر في الحال" (لو11:19). ولذلك طلبا أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره في مجده.
2- لم يكونا قد عرفا بعد سر صليب المسيح الخلاصي، ولا فهما قصد الرب عندما قال لهم: "من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني". ولهذا أجابهما "إنكما لا تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا". فالكأس هو مرارة الألم، والصبغة هي معمودية الدمّ. وهما فعلاً سيشربان مرارة الألم ويصطبغان بدم الاستشهاد، عندما سيرسلهما ليشهدا له مع التلاميذ الآخرين. ومع هذا فلن يُجلس السيد عن يمينه وعن يساره في مجده الذين يطلبون منه ذلك، بل الذين أعدّ لهم. فمجده أعدّ للذين سيتبعونه حاملين صليبهم وراءه، أي للذين ينكرون ذواتهم مثله من أجل خلاص الآخرين وخدمتهم. وهو تماماً ما عبّر عنه رسول الأمم بولس بعدما تجلّت له قوة الصليب وحكمته: "صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه". (2تي11:2)، أو: "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه" (رو17:8). وهنا نجد من المفيد أن ننقل ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقاً عمّا طلبه التلميذان من الرب: "لا يضطّربنّ أحد من أن حالة التلميذين الروحية كانت ضعيفة للغاية، لأن صلب الرب لم يكن قد تمّ بعد، كما أن نعمة الروح القدس لم تكن بعد قد أعطيت. إلاّ أنك إن أردت أن تتعرّف الى فضيلتهما فابحث عنهما بعد هذه الأحداث، وسوف تجدهما فوق كل هوى وشهوة. لذلك يظهر الرب نواقصهما لكي ترى بالتالي كيف أصبحا بقوة نعمة الله".
على ضوء ما قيل أعلاه يمكننا أن نفهم سبب غضب التلاميذ الآخرين على يعقوب ويوحنا. فهؤلاء العشرة لم يكونوا هم أيضاً عارفين حينها، لا لملكوت المسيح، ولا لسر صلبه، ولا لمعنى حمل الصليب وراءه. وكانوا راغبين مثل يعقوب ويوحنا بالمجد والسلطان الذي سعى إليه رؤساء الأمم وعظائمهم. لا بل وحتى –كما يخبر لوقا الإنجيلي- "كانت بينهم أيضاً مشاجرة من منهم يُظنّ أنه يكون الأكبر" (لو24:22). من هنا جاء قول الرب كي يساعد الجميع –ونحن معهم- على الشفاء من مرض الأنانية والكبرياء المتأصل، وحبّ الرئاسة والمجد الباطل، ويعرّفهم على الطريقة الصحيح التي توصل فعلاً، لا الى مجد زائل، بل الى مجد الأبدي السماوي لملكوت الله نفسه: "قد علمتم أن الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم يتسلطون عليهم. وأما أنتم فلا يكون فيكم هكذا. ولكن من أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن لكم خادماً. ومن أراد أن يكون فيكم أوّل فليكن للجميع عبداً. فإن ابن البشر لم يات ليُخدَم بل ليَخدِم وليبذل نفسه فداء عن كثيرين".
أيها الأحباء:
في المرحلة الأخيرة من صومنا، واقترابنا من أسبوع الآلام، ها نحن صاعدون أيضاً الى أورشليم مع ربّنا ومعلمنا وأبينا السماوي. فعسى أن يشفينا نحن أيضاً من أمراضنا الروحية الكثيرة، ويؤهلنا، نحن غير المستحقين، لملكوته السماوي، له المجد وحده الى أبد الدهور. آمين.
(الأب د.جورج عطية)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات