اول ما وردت في الرواية الثانية لخلق العالم حيث يقول: "ولذلك يترك الرجل اباه وامه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا" (تكوين 2: 24). هذه الآية يستخدمها الرب يسوع في شجبه للطلاق ويستتبعها بقوله: "فلا يكونان اثنين بعد ذلك، بل جسد واحد. فما جمعه الله فلا يفرقه الانسان" (مرقس 10 :7-9). وهذا يكرره متى (19 :4-6)، ويذكّر بهذا بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثس (6: 16) وفي رسالته الى اهل افسس (5 :31). اننا اذاً امام تقليد مستمر في كنيسة القرن الاول.
هذا التراث الرسولي يدل بوضوح اولا على ان الزوجة واحدة وعلى ان الارتباط بها ناتج ليس فقط من عهد بشري بينهما ولكنه يدل على عهد من الله ان يدعم هو هذه الوحدة بالنعمة. ما معنى "جسدا واحدا"؟ هذه عبارة عبرية تعني الكيان الواحد القائم في سر الله اولا. واذا سمينا الزواج سرا كنسيا فهذا يعني انه موطد في ضمير الله. سر كنسي ليس سوى انعكاس لسر العلاقة القائمة بين المسيح وكنيسته. وكما ان المسيح مات من اجل الكنيسة وصار بذلك عريسا لها هكذا يحب الزوج زوجته وبهذا يوطدان الارتباط.
وكما تقوّي الكنيسة صفة كونها عروسا بالطاعة للسيد، يقوي الزوج والزوجة وحدتهما بطاعة احدهما للآخر. انهما بكلام الرب واحد ولكن تتقوى الوحدة طوال الحياة، وعند الذهبي الفم تبقى هذه موحدة في الملكوت وان لم يكن لها فيه تعبير جنسي.
الوحدة بين الرجل والمرأة في الرباط الزوجي متنامية. هي معرضة للأخطار بسبب الخطيئة والأنانية وانطواء الواحد على نفسه واعتزاله للآخر فيصيران اثنين كما كانا في العزوبة. الجهاد الزوجي لا ينحصر بالبقاء على الزوجية وتجنب الفسخ او الطلاق، وتلك هي الكارثة، ولكن الجهاد يفرض دوام التقارب بينهما بحيث يواجهان معا المشكلات اليومية والعناد والغضب والإهمال وفتور المحبة. لسان حال كل منهما اني انا للآخر ومع الآخر في ضعفاته وهزالته وهشاشته ولا سيما ان كلا من الفريقين يكتشف عند الآخر عيوبا ما كان يعلم بها وهو يفهم ان عليه ان يلازم شخصا لم يبلغ الكمال. الزواج في واقعه اجتماع خاطئَين والمسيرة الى الوحدة حصيلة مسيرة كل منهما الى التوبة. فعلى قدر ما يزداد النور فيّ وفي الآخر يسهل الاتحاد. ولهذا كان الزواج قبل كل شيء مسعى الى الفضائل وسهرا على النفس لكيلا تسيء الى الآخر بل تجمّله وتفتح له ابواب الرجاء.
كثيرا ما تكون الوحدة الزوجية ظاهرية لا حقيقة فيها اذ يعتاد الواحد الآخر و"يطنّش" فيسكت، فيتعايشان بلا انسجام وبلا سعي الى التفاهم العميق. والمرأة في الشرق هي ضحية هذا الوضع في اكثر المرات لأنها تريد البقاء في البيت الزوجي وان تحفظ اولادها. و"يتمرجل" الرجل عليها ويهينها لأنه هو المعيل والأقوى جسديا. وهذا معيب جدا.
المسعى هو الى وحدة تأتي من القلب، والقلب ينسكب الله فيه ليحيا. والاولاد لا ينمون الا في ظل الحب الزوجي الصادق الشفاف. هذا يتطلب تواضعا دائما وتعزيز الآخر على حساب الانغلاق والتسلط. ان يصيرا جسدا واحدا حتى آخر رمقة من الوجود هذا هو السر العظيم. الزواج إكليله ليس يوم انعقاده ولكن على دروب العمر وعتبات الملكوت.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات