قضاء وقدر!
هذا هو النصيب!
هذا هو المكـتـوب!
هل تؤمن بالقضاء والقدر؟
إن مفهوم القدر المكتوب والقضاء الأزلي الإلهي المحدد مسبقاً، يعني أن الله (مسبقاً) قد حدد مستقبل كل الأمور وكل البشر. وليس للإنسان بالنهاية الدور الأساسي في تحديد مصيره بل ينحصر دوره في تحقيق المُقدر له.
إن هذا الإيمان بمسبق كتابة الله لأقدار البشر يرفع عن الإنسان مسألة هامة جداً، وهي مسؤولية الشر في الدنيا. فإن أي حدث شرير يعود سببه إما إلى الإنسان أو إلى الله، في حال أردنا أن نحلل الأمور منطقياً! ولما كان صلاح الله، في الأديان، بديهيّة لا يجب المساس بها، فإن مسؤولية الشر تعود إلى الإنسان. وهنا إذا أراد الإنسان أن يرفع المسؤولية عنه لا بد له أن يعيد هذه المسؤولية إلى قوة مجهولة (القضاء والقدر) أو إلى حكمة إلهية مجهولة (حكمة الله الخيرة)، ويسلم أمره متحرراً من المسؤولية تجاه أي ألم أو شر في واقع الحياة.
فلماذا مات هذا أو ذاك لسبب أو آخر، هكذا والآن؟ إنه القدر! بينما قد تختفي وراءذلك أسباب كالإهمال والجهل والشرور الأخلاقية البشرية التي يجب أن تحمل مسؤولياتهاليس إرادة الله المسبقة إنما إرادة الإنسان الحرة. إذن إن مفهوم القضاء والقدر هومقولة قديمة فلسفية ثم دينية، وهو أسهل أسلوب لرفع مسؤولية الإنسان تجاه الشرور في الدنيا.
إن مفهوم القضاء والقدر لا يخالف تعليم الكتاب المقدس فقط، وإنما يخالف المنطق أيضاً. فإذا كانت الأمور كلها مكتوبة مسبقاً، هذا يعني أنه لا يحق أن نمدح إنساناًعلى فضيلة ولا أن نحاسب آخر على رذيلة. فمن يعمل الصالحات هو مسيّر وليس مخيّراً ولا فضل له بذلك، ومن يقترف الطالحات هو مسيّر وغير مخيّر ولا ذنب له بذلك. إن مبدأالقضاء والقدر يخالف الخبرة البشرية في تأسيس المحاكم ووضع مبادئ العقوباتوالمكافآت. فالناس بالعمق لا يؤمنون بالقضاء والقدر. لأنهم بالواقع ينظمونمجتمعاتهم على مبدأ الثواب والعقاب.
وماذا يفيد أن ترعى إنساناً أو أن تعتني به مادام مستقبله مرسوماً وقدره مكتوباً؟ فإن تعبت أو لم تتعب فالقدر محقق. لذلك إن مفهوم القضاء والقدر يخالف أيضاً الخبرةالبشرية في التربية وبناء المدارس والتعليم والتطبيب وكل محاولة للخير في كلالمجالات. المنطق البشري لا يتصرف بناء على الإيمان بالقضاء والقدر، أي علىاعتبارات أننا مسيّرون وغير مخيّرين. على العكس كل أنظمة الحياة الاجتماعية تقومعلى أسس مبنية على حرية الإنسان ومسؤوليته تجاه الحياة بخيرها وشرورها.
إن الإيمان بالقدر المكتوب يعود إلى ميل الدين إلى ضمانة أمرين: الأول هو (قدرة الله الكلية). أي أن كل شي يتم بإرادته ولا شي يغلب قدرته. والأمر الثاني هو (معرفة الله الكلية). فلا شيء يتم ويجهله الله، وكل شيء بعلمه وإرادته.
هل تضع حريّة الإنسان هذه "قدرةَ الله الكليّة" في موضع الشك؟ للوهلة الأولى، الجواب هو نعم. لكن قدرة الله الكليّة بحسب الإيمان المسيحي تتحقق في المخطط الإلهي ليس برفع حرية الإنسان حين تعارضها، وإنما بزيادة العطاء الإلهي والتدخل في التاريخ البشري وتدريب الإنسان إلى حين يعمل هذا الأخير إرادة الله بخياره الحر. فالله كلي القدرة نعم، ولكنه يريد ألا يتجاوز حرية الإنسان، وإذا كان يريد الصلاح فهو لا يحققه دون مشاركة الإنسان الحرة. لذلك يضع الله صلاحه - بإرادته رهناً بموافقة الإنسان، على أن قدرته الكلية ستتحقق اسختولوجياً في المنتهى.
ولدينا نحن من الخبرة الإنسانيّة صور توضح لنا ذلك. فمن السهل لواحد منا أن ينظر إلى ابنه ويقول عنه مثلاً، هذا سيصير موسيقاراً بارعاً، فهو هنا يسبق ويقرأ. وقد يعتني بابنه في هذا المجال، وقد ينجح، لا لأنه يخلق من ابنه موسيقاراً بالعنف ويجبله هكذا وكأنه دمية أو مجرد مادة صماء، وإنما لأن نظرته كانت مُصيبة؛ وقد لا ينجح! وإن كنا نحن كبشر بحكمتنا البسيطة نصيب مرات ونخفق مرات أخرى، فإن الله بحكمته المطلقة يقرأ دائماً حقيقة المستقبل.
كل الآيات الواردة في الكتاب المقدس، وخاصة عند بولس الرسول، التي تشير إلى مسبق اختيار الله أو إلى "سجل الحياة"، أو أنه "لا أحد يأتي إلى الابن إلا الذي اجتذبه (مسبقاً) الآب" وسواها من صور وآيات، كلها تندرج تحت مفهوم "مسبق رؤية الله" للأمور، وليس تحت مفهوم "مسبق كتابته للأقدار". يسمح الله بوقوع الأخطاء البشرية رغم أنه لا يريدها. كيف يرفعها؟ بتدريب الإنسان والعناية به.
إن "قدرة الله الكلية" والصالحة، ومسبق "معرفته الكلية" للأمور، ولكن أيضاً بالوقت ذاته احترامه "للحرية البشرية" والحفاظ عليها، هي حقائق تجعلنا نحن المسيحيين ننظر إلى المستقبل بتفاؤل وأمان ولكن أيضاً بمسؤولية واعية.
من كتاب السائحان بين الأرض والسماء
المطران بولس يازجي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)
.gif)


المفضلات