الكتاب المقدس: أهميته...اهتمام الكنيسة به...عمله فيكبقلم قداسة البابا شنودة الثالث
مبارك هو الرب الإله,الذي تنازل فكلمنا,نحن التراب والرماد. ومبارك هو لأنه أمر أنبياءه القديسين أن يسجلوا لنا كلامه,فبقي محفوظا لنا في الكتاب المقدس منفعة لنفوسنا ونورا لطريقنا.
الكتاب المقدس هو كتاب الكتب أو هو الكتاب...
فعندما يقال (الكتاب) فقط,إنما يقصد به كتاب الله,كلامه الذي يتحدث به إلينا.الذي نطق به روح الله القدس في أفواه أنبيائه القديسين, 'لأنه لم تأت نبوءة قط بمشيئة إنسان,بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس' (2بط1:21).لذلك فإننا في قانون الإيمان,نقول عن الروح القدس 'الناطق في الأنبياء'. وكما يقول الرسول 'كل الكتاب هو موحي به من الله,ونافع للتعليم والتوبيخ,للتقويم والتأديب الذي في البر' (2تي3:16).
الكتاب المقدس هو رسالة مقدمة إليك من الله,ومن ذا الذي لا يفرح برسالة الله؟!
القديس أنطونيوس الكبير وصلته رسالة ذات يوم من الإمبراطور قسطنطين.ففرح تلاميذه جدا,ولكن القديس ترك الرسالة جانبا,فتعجب تلاميذه,وتحمسوا لقراءة الرسالة. فقال لهم 'لماذا تفرحون يا أولادي هكذا لرسالة وصلتنا من إنسان؟ وهوذا الله قد أرسل لنا رسائل كثيرة في الإنجيل المقدس,ونحن لا نقابلها بمثل هذا الفرح والحماس!!' ثم بعد ذلك قرأ خطاب الإمبراطور وأرسل إليه يباركه.
وأنت: إن وصلك خطاب من إنسان عزيز عليك,ألا تفرح به,وتقرؤه مرات...ألا يليق بك أن تفعل هكذا برسالة تصل إليك من الله...
رسالة الله المرسلة إليك,التي نطق بها الروح,وتكلم بها الأنبياء مسوقين بالروح,هي كلمة مملوءة روحا,نفهمها بالروح ونحياها هي كما قال الرب:
'الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة' (يو6:63) إنه غذاء لأرواحنا تتغذي به فيكون لها حياة...
وكا قال الرب في سفر التثنية (تث8:3) وردده السيد المسيح 'ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله' (مت4:4).لأن الخبز هو طعام الجسد. والإنسان ليس مجرد جسد,بل له روح. والروح تتغذي بكلام الله الذي هو في كتابه.
ففي الكتاب المقدس غذاؤنا اليومي,لأننا نحيا 'بكل كلمة تخرج من فم الله'. إنه خبز الحياة,وغذاء الروح.
ولعله بعض ما تقصده عبارة 'خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم'.
إن رجل الله يفرح بالكتاب, 'في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهارا وليلا' (مز1) وعبارة 'مسرته' تعني أن وصايا الله ليست عبئا عليه,وليست ثقيلة,وليست فرضا,إنما هي سبب فرحه.
وعلاقته بالكتاب دائمة ومستمرة,يلهج فيه النهار والليل...
ولا تظن أن هذه قيلت للرهبان وللعبادة فقط,بل للجميع. قالها الرب لقائد جيش مثقل بالمسئوليات,يقود مئات الآلاف من الشعب...ففي وصية الرب ليشوع بن نون خليفة موسي,يقول له الرب:
'لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك,بل تلهج فيه نهارا وليلا لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه.لأنك حينئذ تصلح طريقك,وحينئذ تفلح' (يش1:8).
تصوروا قائدا مشغولا جدا كيشوع,وعليه كل مسئوليات الحكم الضخمة. ومع ذلك يقول له الرب 'لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك'!!....
ليس هذا الكلام موجها إلي يشوع وحده,بل إلي كل واحد منا.ولذلك يقول المزمور الأول عن الرجل البار إنه 'في ناموس الرب مسرته,وفي ناموسه يلهج نهارا وليلا' (مز1:2).
داود النبي كان ملكا وقائدا ورب أسرة كبيرة وصاحب مسئوليات خطيرة.ومع ذلك يقول 'ناموسك هو تلاوتي' 'شريعتك هي لهجي'. ويتحدث عن علاقته بناموس الله وشريعته فيقول 'سراج لرجلي كلامك,ونور لسبيلي','فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة' 'كلامك ألذ من العسل والشهد في فمي'...
من أين كان لداود وقت يتلو فيه في كلام الله النهار والليل وتصبح كلمات الله هي درسه وتلاوته ولهجه؟!
إن آباءنا القديسين كانوا يحفظون كثيرا من أسفار الكتاب عن ظهر قلب,وكان الكتاب يظهر في حياتهم.ياليتنا نقيم مسابقات لحفظ آيات الكتاب.أتذكر أني قلت مرة للناس:
'احفظوا الإنجيل,يحفظكم الإنجيل.احفظوا المزامير,تحفظكم المزامير'. وفي حفظ الآيات يمكن أن نرردها في داخلنا,ونتأمل معانيها وأعماقها في كل مكان,في البيت,وفي العمل,وفي الطريق,ووسط الناس.وهكذا نصادق الكتاب وكلماته,وتكون لنا نعم الرفيق...
حفظ الآيات وترديدها وتأملها فضيلة,والعمل بها فضيلة أعظم...
ولذلك قال السيد المسيح 'من يسمع كلامي ويعمل به يشبه إنسانا بني بيته علي الصخر'. ويقول الكاهن في أوشية الإنجيل 'فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة'...
عبارة 'فلنستحق' هنا,لها معني عميق,لأنه من نحن حقا,حتي نستحق أن نسمع كلام الله ونؤتمن علي وصاياه؟!
أحب أن أري أناجيلكم الخاصة وقد ظهر عليها الاستعمال.تظهر قديمة ومخططة,وواضحة قراءتكم فيها واستعمالكم لها...كلها ذكريات وتأملات,دخلت العقل والقلب وأصبحت جزءا من الحياة.
اقرأوا وتأملوا.اخلطوا الكتاب بأرواحكم,وادخلوا إلي أعماقه.
لا تكتفوا بالمعني القاموسي.وبالتأمل ستجدون الآية الواحدة,وكأنها بحر واسع لا حدود له,كما قال داود
'لكل كمال رأيت منتهي,أما وصاياك فواسعة جدا'.
قال هذا داود,في وقت لم تكن أمامه سوي تسعة أسفار تقريبا,ونحن معنا الكتاب كله بما في ذلك العهد الجديد وجميع الأنبياء. وكل كلمة فيه مملوءة من العمل وكنز للتأمل.
الكتاب المقدس ليس فقط مصدر تأمل,إنما أيضا مصدر عزاء.
في كل حالة من حالات الإنسان النفسية,يجد في آيات الكتاب ما يريح قلبه ويشبعه.
في حزنه يجد كلمة عزاء,وفي فرحه يجد فيه بهجته,وفي ضيقه يجد حلا,وفي مشاكله يجد فيه سلاما,وفي يأسه يجد آيات عن الرجاء...
الكتاب المقدس,كلماته مؤثرة.قد تقرأ بعضها وتقول لله 'لا شك يارب أنك قلت هذا الكلام من أجلي'.
لذلك خذ كلمات الله كأنها رسالة شخصية موجهة إليك.
إليك أنت بالذات,و 'من له أذنان للسمع فليسمع,ما يقوله الروح القدس للكنائس'. من أجلك أنت بالذات نطق الروح علي أفواه الأنبياء...
إنها رسالة أرسلها إليك أنت,وليس إلي أهل رومية أو أهل كورنثوس.عندما أرسل الإمبراطور قسطنطين رسالة إلي القديس أنطونيوس,فرح أولاده. فقال لهم 'إن الله -ملك الملوك- قد أرسل إلينا كثيرا من الرسائل,فلماذا لم تفرحوا بها هكذا...
الكتاب المقدس ليس مجرد رسالة عزاء,إنما أيضا سلاح: كل خطية,يمكن أن تضع أمامها وصية,فتجد أنها قد ضعفت أمامك,وأخذت أنت من الوصية قوة...ما أقوي كلمة الرب,حتي إن لفظها طفل صغير.
'كلمة الله حية وفعالة,وأمضي من سيف ذي حدين' (عب4:12).
الشيطان في التجربة علي الجبل,لم يستطع أن يحتمل كلمة الله,ولم يستطع أن يرد علي شئ منها...
وكلمة الرب شاهدة علينا في اليوم الأخير,إن لم ننفذها.
لو لم نعرف,لكان لنا عذر.ولكن أي عذر لنا,وهو ذا كلام الله أمامنا يوضح لنا كل شي؟! وكلام الله لم يكن مطلقا لمجرد المعرفة,وإنما للحياة...لذلك فلنعمل به.
إن كلمة الرب ستطاردنا في كل مكان نذهب إليه,ترن في آذاننا,وتتعب ضمائرنا إن لم نعمل بها.ولن تجدينا مطلقا تبريرات العقل الخاضع لشهوات النفس...
وفي نفس الوقت فإن كلمة الله في أفواهنا هي دليل علي روحياتنا وعلي انتمائنا الديني.
هناك أشخاص يتحدثون,لتمتلئ أحاديثهم بكلام العالم وهناك من يتحدث,فتظهر في كلامه لغة الكتاب.من كثرة ترديده لألفاظ الكتاب,اعتاد أسلوبه,وتأثر بلغته,لذلك 'لا يبرح سفر الشريعة من فمه'. وكل من يسمعه,يقول له 'لغتك تظهرك' (مت26:73).
فلنعود أطفالنا استخدام آيات الكتاب,بأن يقولوا آية علي كل ما يرونه: كتاب,شجرة,قلم,أر ض,باب,مائدة...كل ما يقع تحت بصرهم...
الطفل الذي يتعود هذا,تدخل لغة الكتاب في ألفاظه وحياته.لذلك لا يعرف لغة الخطاة,ولغة العالم,ولا يخطئ.
قال داود 'خبأت كلامك في قلبي,لكي لا أخطئ إليك'.
إن الكلام يجب أن يوضع في القلب,في مركز العاطفة والحب والمشاعر,وليس فقط في الفم,أو في العقل في موضع المعرفة فقط.وحينما يكون كلام الله في القلب,حينئذ لا نخطئ,لأن وصية الله امتزجت بعواطفنا...ما أجمل قول الإنجيل عن مريم العذراء إنها 'كانت تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها'.
من ضمن الأشخاص الذين أخطأوا لأنهم خبأوا كلام الله في عقولهم وليس في قلوبهم,أمنا حواء: سألتها الحية عن وصية الله,فأجابت بحفظ وتدقيق شديد,وفي نفس المناسبة كسرت الوصية وأخطأت.
أقرأوا الكتاب المقدس...وثقوا أنكم في كل قراءته ستجدون شيئا جديدا.فكلمات الله غنية ودسمة,وهي ينبوع للتأملات لا ينضب لذلك نري داود النبي إذ اختبر هذه الحقيقة يقول:
'لكل كمال رأيت منتهي,أما وصاياك فواسعة جدا' (مز118).
أي أن كل كمال له حدود.أما وصايا الله فلا حدود لعمقها.فكما أن الله غير محدود,كذلك عمق كلماته غير محدودة.مهما تأملتها,تجد أن التأملات تفتح أمامك آفاقا لا تحد...هي جديدة باستمرار,جديدة في ذهنك وعلي فهمك.لهذا قال النبي 'وجدت كلامك كالشهد فأكلته
وفي ذلك يقول داود النبي 'ناموس الرب كامل,يرد النفس شهادات الرب صادقة,تصير الجاهل حكيما.وصية الرب مستقيمة,تفرح القلب.أمر الرب طاهر ينير العينين.أحكام الرب حق,عادلة كلها.أشهي من الذهب والإبريز الكثير الثمن.وأحلي من العسل وقطر الشهاد' (مز19).
ثق أن كل كلمة تقرأها من الكتاب سيكون لها تأثيرها فيك وقوتها وفاعليتها دون شرح ودون وعظ.
يسكفي أن تذكر كلمة الله,لكي يقتنع الإنسان بدون نقاش وبلا جهد كثير.يكفي أن تذكر كلمة الله,لكي يشعر الإنسان بحضور الله في الوسط وبنعمة خاصة.وهذه الكلمة تنير له الطريق.
إن الروح القدس الذي أوحي بالكلمة,هو يعطي قوة لتنفيذها.ولنتذكر أن الشعب لما سمعوا الكلمة في يوم الخمسين,قيل عنهم إنهم 'نخسوا في قلوبهم' (أع2:37).
وقال القديس بولس لتلميذه تيموثاؤس 'وأنت منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكميك للخلاص' (2تي3:15)...يجد فيها الإنسان الإرشاد الإلهي,كما قال داود النبي 'سراج لرجلي كلامك,ونور لسبيلي' بل قال أكثر من هذا:
'لو لم تكن شريعتك هي تلاوتي,لهلكت حينئذ في مذلتي' (مز119) لهذا كله نلاحظ أن كنيستنا القبطية قد اهتمت بالكتاب المقدس اهتماما كبيرا جدا.
اهتمام الكنيسة بالكتاب
إن الكنيسة المقدسة تهتم بالكتاب المقدس,ففي كل قداس نقرأ فصلا من الإنجيل في رفع بخور عشية,وفصلا في رفع بخور باكر وفصلا ثالثا هو إنجيل القداس.
وإلي جوار قراءة الإنجيل مرات في كل قداس,توجد قراءات أخري من رسائل بولس,ومن الرسائل الجامعة 'الكاثوليكون',ومن سفر أعمال الرسل 'الأبركسيس', إلي جوار مقتطفات من المزامير تسبق قراءة الأناجيل.
وعندما تقرأ الكنيسة الإنجيل أثناء القداس الإلهي يقف شماسان بالشموع إشارة إلي أن هذا إشارة إلي أن هذا الإنجيل هو سراج أرجلنا ونور لسبيلنا وأن كلمة الرب مضيئة تنير العينين.
وقبل قراءة الإنجيل تصلي الكنيسة أوشية 'طلبة' تسمي أوشية الإنجيل يقول فيها الكاهن للرب 'فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة بطلبات قديسيك'.أي أن مجرد سماعنا للإنجيل يحتاج إلي استحقاق ويحتاج إلي صلاة,وإلي طلبات القديسين.والشعب يسمع وهو واقف.بينما يصرخ الشماس صائحا 'قفوا بخوف من الله,وأنصتوا لسماع الإنجيل المقدس'...
يقف الشعب كله في خشوع.ورئيس الكهنة يرفع تاجه من علي رأسه احتراما لكلمة الله.ويقبل الشعب الإنجيل محبة له.ويكون الأب قد حمل الإنجيل علي رأسه ودار به حول المذبح,إشارة إلي انتشار الإنجيل في المسكونة كلها...
كما أن عظات الكنيسة كلها مبنية علي آيات من الكتاب المقدس وكذلك كل مناهج التعليم الديني...
ومع اهتمام الكنيسة بالتقليد,,إلا أن كل الأمور الواردة فيه,لا يمكن أن تتعارض مع شئ من الكتاب,بل تثبتها آيات الكتاب المقدس.كما أن مجرد الاعتقاد بالتقليد,وبالتسليم الرسولي أمر يثبته الكتب المقدس أيضا.
وتري الإنجيل ثابتا في صلواتنا اليومية...
في الصلوات السبع 'صلوات الأجبية',التي يصليها المؤمن كل يوم,والتي تصليها الكنيسة في قداساتها وفي اجتماعاتها: تشمل عددا كبيرا من المزامير,وهي جزء من الكتاب.في فصل من الإنجيل في كل ساعة ومقدمة من رسالة بولس الرسول إلي أفسس في صلاة باكر.وهكذا فإن من يداوم علي صلوات الأجبية,سيحفظ بالضرورة فصولا من الأناجيل وعديدا من المزامير.
وفي كل سر من أسرار الكنيسة فصول من الأنجيل...
ففي صلاة القنديل 'مسحة المرضي مثلا' تقرأ سبعة فصول من الإنجيل خلال سبع صلوات.وفي صلاة تقديس المياه في المعمودية تقرأ فصول من الكتاب.وحتي صلاة القداس الإلهي تعتمد غالبيتها علي آيات من الإنجيل كذلك في صلاة التحليل تذكر آيات منإنجيل يوحنا (20:22, 23)...
ونفس الوضع بالنسبة إلي الصلوات الطقسية...
فصول عديدة من الكتاب بعهديه في طقس اللقان,وفي تدشين الكنائس وفي مباركة المنازل الجديدة,وفي سيامة الرهبان أو الراهبات.
وفي لية أبو غالمسيس يقرأ سفر الرؤيا كله,مع عدد كبير من التسابيح وبخاصة من العهد القديم.وما أكثر فصول الكتاب من العهدين التي تقرأ خلال أسبوع الآلام والعهد القديم نقرأ منه أيضا في الصوم الكبير وفي صوم يونان,وفي كل ساعات البصخة المقدسة.وهو أساس لكثير من قطع الأبصلمودية.
هل يوجد اهتمام بالكتاب المقدس أكثر من هذا؟!
وفي سيامة الآباء البطاركة والأساقفة,يوضع الكتاب المقدس فوق رؤوسهم,ليلتزموا بتعليمه.
بقي أن أحدثك عن فائدة قراءة الكتاب المقدس في حياتك.بل أيضا كيف تقرأ الكتاب,وما هي علاقتك به.
المصدر :جريدة وطنى
المفضلات