رؤيا متفائلة لموازين الله (*)الأب متى المسكين
- ما هي رؤيا الإنسان المسيحي تجاه موازين الله التي يسوس بها العالم؟
- هل الألم والمرض والموت والحروب والزلازل والنكبات الطبيعية الأخرى تتعارض مع رحمة الله؟
- هل يصح أن ننظر إلى هذه النكبات على أنها علامات غضب أو انتقام إلهي من الإنسان؟
- ما صلة رحمة الله بالإنسان الذي يُستهدف للألم والموت؟ وبالأشخاص الذين حُرموا من رعاية عائلهم حين يموت؟
- ما السبيل إلى الانفكاك من الواقع المؤلم؟
- "التذمُّر من الحرمان"، و"الرغبة في المزيد" وأثرها على تمزُّق الإنسان، والآلام وصدمات الحياة ودورها في اكتشاف الإنسان عظمة خلوده.
- رؤيا الخلود من وراء الألم!
+ + +
تعديل لمفهوم الرحمة:
كثيراً ما نخلط بين الرحمة في نظر الناس ورحمة الله، ذلك لأن أعمال الله مع الإنسان تتراءى لنا كأنها صفاته مع أنها الأسلوب الذي يتفق مع طبيعتنا المتغيِّرة المستهدفة للنكوص والتقدُّم.
والرحمة التي يعرفها الناس عن الله، أصبح لها في أذهانهم مقياسٌ أساسه شعورهم بالرحمة كما يقيسها الإنسان من نحو الآخر، مع أن هذا المقياس البشري من الضعف والمحدودية بدرجة لا يصح ولا يليق أن نحصر به رحمة الله الخاصة به.
ولكن لا مفر من استخدام هذا القياس مبدئياً لإدراك الرحمة عموماً. فهو الوسيلة الحسية الوحيدة التي يمكن أن يتذوقها عامة الناس. ولكن يلزم لِمَن يريد أن يتفهَّم أحكام الله الخاصة من جهة الرحمة أن يسمو من الإدراك الحسي إلى الإدراك العقلي، حتى ندرك الرحمة الإلهية الفائقة غير المحدودة!
ونحن لا نستطيع أن نقتحم اللانهائية بفكرنا المحدود لنتفهم أمورها التي لا تُحَدُّ كما نقيس أبعاد الأجسام المادية؛ بل كل ما يستطيع أن يسعفنا به العقل، هو أن يصل بنا عن طريق الإحساسات والقياسات المادية إلى حافة عالم المادة، ويتركنا نواجه اللانهائية لنتحسس الحقيقة من خلف الواقع بوجداننا الروحي.
نحن نرى أن رحمة الإنسان تتعارض مع قتل الإنسان، وبهذا يتكون في ذهننا صورة محدودة للرحمة. ولكن نحن نعلم أيضاً أن المجتمع يوقع حكم القتل على الإنسان المجرم، ولا أحد يحتج بأن ذلك يتنافى مع إحساسات الرحمة، وبهذا تتفكك الحدود التي وضعناها سابقاً للرحمة، وتمتد الرحمة عن طريق آخر غير الإحساس المادي تتحكم فيها قياسات منطقية عقلية.
فإذا كان الإنسان يمكن أن يجيز القتل ولا يتعارض ذلك مع الرحمة، فأيُّ اتساع يمكن أن نتصوَّره عن الرحمة في معاملات الله لنا التي تفوق قياسات العقل والمنطق؟
كذلك نحن لا نجهل أن من صميم عمل الرحمة عند الإنسان أن لا يَدَع حيواناً جريحاً أو مريضاً يتألم ألماً مبرِّحاً معروف أنه سيؤدِّي به إلى موت، بل يُعجِّل بموته رحمة به. فإن كانت رحمة الإنسان تجيز قتل الحيوان ولا يتعارض ذلك مع مشاعره الرقيقة، إذ يسمو الحس العقلي والمنطقي على الإحساس الجسدي الشعوري؛ فكيف نغلق تفكيرنا عن رحمة الله معنا ومع الخليقة في دائرة الإحساسات الجسدية المحدودة؟
فإذا كانت الرحمة حسب القياس البشري يمكن أن تتسع لتشمل أعمالاً ليست في الأصل من اختصاصها، بل أحياناً ضدها وعكسها؛ فجديرٌ بنا إذا تحدثنا عن رحمة الله أو تفكَّرنا في غاياتها أن لا نقف عند حدود تعارُضها مع إحساساتنا الجسدية والعقلية؛ كأن رحمة الله أخطأت هدفها أو جنحت عن سبيل المنطق السرِّي فنجزع!
ولا يليق بنا أن نتغاضى عن الأمر الحادث في عدم مبالاة، لأن ذلك حريٌّ أن يبلغ بصاحبه إلى موات الشعور والعاطفة؛ بل ولا يليق أيضاً أن نُخضع مثل هذا التعارُض وننسبه للقَدَر أو نؤَوِّله إلى رحمة الله تعسُّفاً دون أن نتفهم لياقته لوجداننا، لأن ذلك حريٌّ أيضاً أن يبلغ بصاحبه إلى تكوين فكرة مُبهمة عن الله قابلة للتشويش والخلط. إنما اللائق حقاً أن نرهف الإحساس الوجداني من كل نواحيه حتى يتفهَّم الإنسان ويتذوَّق رحمة الله في كل ما يحدث حوله مهما كانت صور تعارُضه مع الإحساسات الجسدية أو منطق البشر.
ومن الأمور الشائعة لدى التفكير البشري أن يؤخذ الألم والمرض والموت والحروب والزلازل والنكبات الطبيعية الأخرى مأخذاً يتعارَض مع رحمة الله، أو على الأقل لا يتمشَّى معها فتختفي صورة الرحمة الإلهية من ذهن الإنسان، ويُنظر إلى أعمال الله كأنها علامات غضب أو انتقام منه، مع أننا لو تفهَّمنا الأمر بروحنا ووجداننا، ما وجدنا أي تعارُض مع الرحمة في أي حادث يحدث تحت الشمس.
فلو تأملنا في الموت الذي هو تحصيل الألم النهائي بكل صوره العديدة والمتعددة التي لا تدخل تحت حصر، سواء بأمراض فجائية أو مستعصية أو حوادث أو حروب أو زلازل أو مجاعات، نرى أن الأثر المباشر الذي يُحدِثه الموت يقع على شقَّين:
الشق الأول: الإنسان الذي يُستهدف للألم والموت،
الشق الثاني: الأشخاص الذين حُرموا من رعاية الميت.
الشق الأول:
فالإنسان الذي يُستهدف للموت لا يعتبر الموت بالنسبة له حادثاً غريباً، فهو لابد أن يجوز الموت في حياته، وها هي ساعته قد جاءت، فلا عجب ولا دهشة في ذلك؛ بل إن حياته الماضية كلها لا تحمل من الجد والحق بقدر ما تحمله هذه الساعة. ومهما كانت صورة ذلك الموت شديدة وعنيفة، ومهما كانت نوازع الألم التي تلازمها، فكلها في اعتبار المائت نفسه لا قيمة لها. ولكن شدَّتها وبشاعتها تظل عالقة في أذهان الذين عادوه وهو على فراش الموت.
من هنا أصبح الموت في نظر الأحياء حالة مُرعبة مُفزعة، مع أنها لا تزيد في حقيقتها عن مثل حالة مريض متألِّم يقف ألمه فجأة بعامل مخدِّر. فإن كان المرض لا يُرعبنا، فأجدر بذلك الموت ذاته. فنحن لو تبسَّطنا في اعتبارات الموت بالنسبة للمائت لوجدنا أن الموت يدخل في دائرة الرحمة خصوصاً إذا كان يسبقه ألم.
الشق الثاني:
أما الأشخاص الذين حُرموا من رعاية عائلهم بموته، فهنا تنبري لهم رحمة الله واضحة سافرة، فيُنصِّب الله نفسه أباً لهم بكل معنى الأُبوَّة من حنان وحَدَب ورعاية، ويزيد الله على الأُبوَّة عبئاً آخر يُحمِّله لنفسه، وهو أنه يكون قاضياً لهم "أبو اليتامى وقاضي الأرامل" (مز 68: 5)، "اترك أيتامك أنا أُحييهم، وأراملك عليَّ ليتوكَّلن" (إر 49: 11). ويا لها من كلمة تحمل معاني وأسراراً عميقة؛ بل واختبارات وحقائق ملموسة. فإن كان يقع على مثل هؤلاء نوعٌ من الجهد الزائد للقيام بأعواز المعيشة، فذلك سيكون حتماً تحت عناية الله الخاصة ورعايته المباشرة.
وهكذا يتضح أن نصيب هؤلاء الأشخاص من الرحمة قد ازداد بموت عائلهم!!
فإن كان الموت يظهر كحادثة أليمة مجرَّدة تحمل في ظاهرها معنىً خاطئاً من معاني الترك والإهمال من جانب الله، فذلك بسبب قصورنا في فحص قضيتها، إذ أن جوهرها يحمل حقيقة عكسية تماماً وهي تحمُّل الله لمسئولية ذلك البيت نفسه. وخلاصة القول إن الله الذي يُميت ويُحيي قد ضَمِنَ لنا بشخصه أنه لن يتخلَّى عن رحمته قط لإنسان يسعى في إثرها، وقد تكفَّل بنفسه حفظ حقوقنا في الأعواز الجسدية والروحية، حتى ولو فقدنا عائلنا الوحيد.
وكم من نوابغ العالم فقدوا عائلهم وهم في الطفولة، فكان هذا الحرمان حافزاً لتنشيط ملكات الفهم والإحساس عندهم، فنبغوا في كل علم وفن. وما هذا إلاَّ نوع من التعويض الإلهي، ويظهر كأنه قرينة طبيعية، مع أنه في حقيقته عمل إلهي متناسق. وحتى إذا لم يوفَّق اليتيم إلى بلوغ درجة المتوسط في الحياة كنتيجة مباشرة لفقد أبيه فلا يمكن أن نسوق اللوم جزافاً على جانب الله، لأن الله قد سبق وأودع البشرية عواطف الحنان والحَدَب على المعوزين مع وصية خاصة باليتيم والأرملة. وهذا يُعتبر رصيداً هائلاً مُذْخراً في جانب هؤلاء المساكين.
وهكذا إن كان الموت يحمل، في ناحية، صورةً من الحرمان واقعة على الذين فقدوا عائلهم؛ فهو يحمل صورة خيِّرة، من ناحية أخرى، هي تنشيط غرائز العطف والمحبة في البشرية لممارسة الرحمة المنسكبة في قلوبهم بروح الله من نحو المحتاجين لتكميل جسد البشرية.
إذن، فالله لا يكفُّ عن توفير الرحمة وإعلان حنان أبوَّته بشتَّى الطرق حسب منطق الخليقة وترتيب نواميسها الحكيمة النافعة واللائقة والمستعدة لكل خير. والذي تنفتح بصيرته يُدرك مقدار الغِنَى الذي أجزله الله في الطبيعة البشرية، بحيث أن قيام نقص فردي أو أي طارئ سلبي يُقابله احتياطات هائلة مذخرة في الطبيعة البشرية وفي الخليقة بوجه عام لتعويضه، والذي يلزمنا هو التعرُّف على مواهبنا أولاً ثم تنشيطها وتنسيقها واستخدامها لصالح أعواز الإنسان سواء كانت فردية أو جماعية أو دولية أو عالمية.
تعديل لمفهوم الآلام التعسفية:
إن إحساسنا بالألم هو جزء هام من مَلَكة الإحساسات البشرية المتسعة التي يحيا بها الإنسان في هذا الكون العجيب الهائل.
وليس هناك ما يفصل الإحساسات الجسدية عن الإحساسات النفسية، بل هما مزيج مؤتلف ائتلافاً يؤهِّلنا للاشتراك اشتراكاً فعلياً في هذا الوجود حولنا الذي هو مزيج أيضاً من مادة وروح! فأجسادنا تدب على الأرض كجزء منها تشترك معها في كل ما لها وما عليها، تخضع لكل قوانين العالم الكوني، ويسري عليها كل ما يسري على المادة من قوانين الجاذبية والحركة والحرارة والضغط والتغيير، لأن أجسادنا هي في الواقع حفنة من تراب الأرض تنتقل عليها بقوة النفس الحية المتحدة بها.
وأجسادنا تحس بعالم المادة وقوانينها، لا إحساس الإدراك العقلي فقط، ولكن بانسجام تُحتِّمه طبيعة المادة الواحدة فهي منها!
أما أرواحنا فهي أيضاً تُكوِّن جزءاً هاماً من الوجود الروحي الحي تحس به إحساساً غامضاً ولكنه قوي، وذلك عن طريق إحساسها بذاتها، لأن شعورها بكيانها ووجودها هو اشتراك فعلي في الوجود العام.
وطالما نحن أحياء في الجسد فلن نستطيع أن نفصل بين مشاعر الجسد ومشاعر النفس من حيث الإحساس بالوجود العام. لأن أُلفة الحياة البشرية بين الجسد والروح توطَّدت حتى يستطيع الإنسان أن ينسجم في هذا العالم الكوني الروحي دون أن تنقسم جبلته على ذاتها. وائتلاف هذه الإحساسات الجسدية والروحية معاً في جبلة الإنسان جعلته مخلوقاً متميِّزاً عن باقي المخلوقات، فلا هو حيوان محض بليد الإحساس فاقد الوجدان محدود المشاعر في إطار جسد حي وحسب، ولا هو روح محض مترفِّع الإحساس منطلق المشاعر في قُوَى الروح بلا حدود. ولكنه ائتلاف عجيب بين إحساس حيواني بليد وإحساس روحي مترفِّع، فهو يمتلك أطراف المشاعر من أدناها في الجسد إلى أعلاها في الروح. هذا الائتلاف الفريد من نوعه جعل الإنسان يمتاز بأحاسيس راقية، ولكنها تزداد رقة كلما سما الإنسان بروحه، وهي بمجموعها عميقة تمتد حتى أصول الغرائز الحيوانية، وسامية تُلِمُّ بما وراء الطبيعة، شيء لا مثيل له في أي خليقة أخرى!
الإنسان مُطالَب بالتسامي:
ولم يكن ائتلاف مشاعر الروح بمشاعر الجسد مسألة جزافية، ولكن واضحٌ الهدف الذي يكمن وراء ذلك. فالإنسان مُطالَب بأن يسمو بغرائزه وأحاسيسه الجسدية الطبيعية إلى المستوى الروحي الذي يُمكِّنه من أن يحفظ درجة خلقته البشرية فوق مستوى الحيوان!! فلا هو مُطالَبٌ أن يسمو فوق أحاسيس الجسد إطلاقاً ليكون في درجة الملائكة، ولا هو مسموح له أن ينحط إلى مستوى أحاسيس الحيوان ضارباً الصفح عن إمكانياته الروحية.
-------------------------
ملحوظة : للمقال بقية على هذا اللينك...عذرا" لم تتسع الصفحة له كله
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm030502.htm

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)

المفضلات