"لقد بدأت الآن أفهم"
(مز)
لا يعرفون أن يعينوا أنفسهم، وإن أعنتهم لا يقبلون ما تعرضه عليهم.
ما هم عليه هم عليه. هذا هُم!
وهذا حال البعض ممن يحسب نفسه في حظيرة الرّب راعياً كان أم مؤمن.
لهم عن أنفسهم تصوّر مغلوط ويجعلون لذواتهم مقاصد ملتوية.
لا يشعرون لا بالرضى ولا بالإشباع،
لا إن حقّقوا ما تشتهيه نفوسهم ولا إن فشلوا.
ويتوقّعون منك أن تعينهم على ما يرغبون.
فإن لم تيسِّره لهم انتابهم القلق واعتورهم الإحباط وشعروا بالمهانة وانصرفوا عنك بحجّة أنك لا تفهمهم.
أنت، في عيونهم، إذ ذاك، من يُلام!
أنت خائنٌ وخائنةٌ في طاعة بنات فكرهم النتنة.
هذه المأساة بإزاء أنفسهم وغيرهم في الكثير من الأحيان.
لا تصوُّرهم عن أنفسهم مطابق لواقعهم ولا تصوّرهم لكيفية علاقة الآخرين بهم يجعلهم على علاقة سويّة سليمة بالكنيسة , جسد الرّب.
تعطيهم ما يريدون فتخون ضميرك والأمانة وتؤذيهم،
تحتجب فينجرحون ويتبرّمون ويحردون.
تحتار كيف تعاملهم!
الناس مدمنون أفكاراً ومواقف وتصرّفات يلتقطونها من هنا وهناك، تبثّها فيهم روح الخبيث, ويماهون أنفسهم بها،أي يعتبرونها إياهم، أنها هُم.
ضنينون بفرادتهم وفردانيتهم، أي بكونهم أفراداً ذوي مزايا خاصة بهم،
فيما ينسخون نماذج سلوكية يستمددونها من قوم لهم هالة زيف يعتمدون الرفض والتفلّت والغريب أسلوباً لبثّ أفكارهم والتأثير في الآخرين، لا سيم الجيل الطالع من خراف السيّد.
يقطعون ما بين أبناء الرّب الضعفاء باسم الحريّات الفردية.
تعبيرهم عن حرّيتهم أنهم يطلقون العنان لأنفسهم ليفعلوا ما يخطر ببالهم ولا يرتضون عما تشتهيه نفوسهم بديلاً.
لا رادع يردعهم بعدُ
يتبججون المحبّة وينسفون درجات سلم الخلاص! ولا ريب لهم من الوقفة أمام منبر المخلص.
رياءٌ بآية مجردة عارية يشطبون الكتاب المقدس بكامله! ولا مبالاة تزحزح ضميراً. ضمير الإيمان المفقود فيهم.
كاللصوص سرقوا كلمة قدس الأقداس المكتوبة من خدرالكنيسة الطاهر! وادّعوا حقوق الملكية.
هيهات.. فالآه ثم الآه.. شتان بينهم وتلك البارة صاحبة "الفلسين"! هي أغنت خزانة الرّب وهم نهبوا الخزانة عن بكرة أبيها.
بأنفاسهم التي تفوح منها رائحة التنين وعهر فكره, خلسة, ما برحوا يجيِّشون الضغينة ضد المحبة الإلهية.
يصدّون بها البررة عن خدمة مذبحه المقدس, ححقيقتهم بانت كقادةٍ للشيطان وفرساناً من خاصيته, كأبناء الجبانة يهربون من مواجهة فحول الرّب المستقيمي الرأي والعمل
فيمسكون بخناق صغار خراف الإله! كي تصبح لهم فريسة مشلولة تغثي مذعورة يسلخوها في خضم من الخطيئة.
جاهروا بالحرابة على الكنيسة وسلكوا بما كان بالأمس إثماً ووقاحة ويفاخرون، على نحو ما سبق أن قيل في إشعياء:
"نَظَرُ وجوههم يشهد عليهم وهم يخبرون بخطيئتهم كسدوم. لا يخفونها. ويل لنفوسهم لأنهم يصنعون لأنفسهم شرّاً"
(إش 3).
مسكينة أنت أيتها الحرّية!
كم من الموبقات تُرتكَب باسمك!
لا ليست الحرّية، يا قوم، أن تختاروا ما تشاؤون!
الحرية في الرديء مدخل إلى العبودية.
الحرّية الحق أن تختاروا الصلاح.
أولئك الناس، بعامة، يختارون ما يغويهم، ما يثير أحشاءهم، وهذا من أهوائهم. لذا الصالح لديهم هو ما يوافق رغباتهم.
وهذا يطرح السؤال:
كيف تعرف أن الصالح صالح؟
تعرف إن كنت، في عمق قلبك، مستعداً لأن تتخلى عما تشتهيه نفسك ابتغاء ما هو لمنفعتك؟
أكثر ما تشتهيه نفسك لا ينفعك.
وكيف تعرف ما هو لمنفعتك؟
حين لا تعود عينك في شيء لا في مال ولا في مجد
ولا في كرامة ولا في سلطة ولا في طعام ولا في لباس
ولا في علمٍ تدركه وتخزنه علفاً يتعفن في طيات دماغك المظلمة.
حين تتحرّر من تسلّط كل شيء عليك، من داخل نفسك ومن خارجها.
حين يصبح سيّان عندك أن تقتني أمراً أو لا تقتنيه.
حين تصير مستعداً لأن تتنازل أمام ضميرك،
عن كل شيء مقابل معرفة الحق والصلاح،
مقابل معرفة الله ويسوع الذي تعتبر نفسك من خاصته.
حين تمسي على هذه الدرجة من الحرّية الداخلية،
ساعتذاك تعرف، تلاحظ، تنتبه،
تلتقط الصالح والنافع كما تلتقت الآذانُ المرهفةُ السماعَ الأصواتَ الناعمة الدقيقة،
أو الأعينُ الصافيةُ الرائعةُ الأنوارَ الخفرة النفّاذة.
قبل ذلك تتعلّم من القدّيسين وتطيع ما يقولونه لك.
خارج هذا المسرى، كل شيء تقرأه في خلفيّة جيشان أهواء النفس فيك.
يقولون: الصالح شيء نسبي، ماهو صالح للواحد قد لا يكون صالحاً للآخر. هذا صحيح.
لكن الصالحَ صالحٌ لا باعتبار ما يروي غليل الهوى في النفس بل باعتبار ما يعالج هذا الهوى،
باعتبار ما يبعث السلام العميق في النفس،
باعتبار ما يحرّك القلب إلى الحب والرحمة والعطف واللطف وكل فضيلة.
لذا الصالح، لدى الإنسان الحرّ، بحرّية القلب،
هو شعاع من نور الله يلتقي عينك الداخلية وينفذ إليها متى شفّت كما ينفذ نور الشمس إلى كل شفّاف.
المهم ألا تكونَ العينُ على كثافة عتمةٍ، ألا تكونَ غيومُ الأهواء ملبّدة في مجال الكيان لديك.
إثر ذلك، يصبح، من باب تحصيل الحاصل، للقلب أن يبصر لأن الخليقة، بأسرها بيسوع، يتدفّق فيها نور التجلّي بلا توقّف (القدّيس غريغوريوس بالاماس).
ليست المشكلة أن النور لا يُعطى. نحن في النور أبداً.
المشكلة أن العين لا تشاء أن تنفتح.
"إفّثا". "أتريد أن تبصر؟" "أَبصِرْ!"
بعد ذلك يظنّون أن الله ظالم وكلَّ مآسي الإنسان مردّها هو، لأنه القادر على كل شيء، ولا يفعل شيئاً.
هو القادر على كل شيء؟
لا شكّ في ذلك!
لكنه لا يقدر أن يفتح العيون إن لم يشاؤوا.
هذا حدٌّ جعله الله لما خلق الإنسانَ ولا يتخطّاه أَن يعمل مع الإنسان لا عنه.
ولو كان الله ليعتمد على قدرته في تعامله مع الإنسان وحسب لكان يؤذيه ولا ينفعه.
اقتدار الله لا ينفع الإنسان إلا أن يشاء.
احتجاب الله، متى احتجب، رحمةٌ حتى لا يستشري الإثم وحتى تكون له فرصة أن يتوب.
"فرجع إلى نفسه وقال...أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت إلى السماء وقدّامك، ولست مستحقاً بعد أن أُدعَى لك ابناً. اجعلني كأحد أجراك"
(لو 15).
الخيرات، في معرض الإثم، تجعل الإثم يتفاقم.
إن ترك الرب الإله الإنسان للضيق والحرمان فلأنه يحبّه لا لأنه لا يحبه، طالما القول الإلهي هو:
"آثامكم عكست هذه وخطاياكم منعت الخير عنكم"
(إر 5).
لا يحرم الله إنساناً ولا يمسك خيراته عنه إلا إذا كان له في ذلك خير.
المحبة لا تأتي بدفق البركات وحسب بل بالحرمان منها أيضاً وفق الحاجة.
هذا يكتمل بذاك والله خير العارفين.
هذه قصّتنا مع الله.
يصرخ الإنسان المقيم في خطاياه آلهةً على صورة ما يشتهي
ويقبع الإلهُ الحي الحقيقي في الصمت أدنى من الإنسان إلى نفسه إلى أن يخرج الإنسان من وثنياته،
من عبادة الآلهة خادمة أهوئه.
فإن خرج وصرخ بتوبة:
"أغثني يا رب!"
جاءه، للتوّ، صوت يقول له:
"هاءنذا."
"أيتها البائسة والسكرى وليس بالخمر، اسمعي.
هكذا قال سيِّدك الرب وإلهك...
هاءنذا قد أخذت من يدك كأسَ الترنّح...
لا تعودين تشربينها في ما بعد...
قالوا لنفسكِ إنحني لنعبر فوضعتِ كالأرض ظهرَك وكالزقاق للعابرين"
(إش 51).
"توبوا إليّ أتي إليكم، يقول الرب".
ربي أسألك
ملاك سلام آمناً مرشداً حافظاً نفوس بررتك
وأن تغدق نعماً سماوية لأبتي وقرة عيني
وساعدي
الحاضر لنصرتي في مسيرتي الدنيوية وفي سعيي نحو الملكوت السماوي
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
أيا مخلصي وإلهي أنا قلتُ
لأجلِكَ سَعيي وَاجتهادي وَخِدمَتي
أرفق اللهم بنفسٍ تتوق لرؤيا نورك يا أبا الأنوار
أميــــن.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
.gif)

المفضلات