لنفرح باستضافة السيد

الأودية الأخيرة من قانون السَحَر ليوم الخميس العظيم المقدَّس, والتي ترتَّل في قداس ذلك اليوم أيضاً, هي ذاتها الأودية الأخيرة من قانون صلاة النوم لليوم الثالث قبل الميلاد.
"هلمّ أيُّها المؤمنون
لنتمتَّع بوليمة سيديَّة
ومائدة غير مائتة
في مكان عليّة
متعلِّمين بعقول سامية
أقولاً فائقة من الكلمة الذي إيَّاه نعظِّم"
الطروباريات التي تلي ترتيل هذه الأودية, هي تماماً, مثل تلك التي ترتَّل في تذكار العشاء السري للرب يوم الخميس العظيم. وتعاد ههنا, في الميلاد, ولكن بتعديلات طفيفة لتتناسب والاحتفال بميلاد السيّد.
"إنَّ هيردوس الرديء توقَّد غيظاً
وقال لمجوس الحكماء
امضُوا وافحصوا عن الملك المولود الآن
وإن وجدتموه أعلموني
لأنَّه بعزم فاتك كان مُضمراً قتله
فارثِ لنفوسنا أيها المسيح الإله وخلّصنا"

"لا يكونّن أحد عادم الشكر
ولا حسوداً شريراً
من الذين يقدِّمون الآن لله قرابين مقبولة
أعني عرَّف الفضائل عوضاً عن الذهب واللبان والمر
مرتِّلين للمسيح المولود
ارثِ لنفوسنا أيها المسيح الإله وخلصنا" (خدمة صلاة النوم ليوم 23كانون الأول).

تشرح هذه النصوص, على غرار باقي نصوص زمن الميلاد الليتورجيّة الأخرى, هوية يسوع المسيح وغاية مجيئه إلينا. إنَّه ابن الله الأزلي. حكمة الله وقوّته وكلمته غير المخلوقة (انظر يو 1:1, 1كو24:1). إنه خالق الكل, الذي به وفيه ولأجله خُلقت كل الأشياء (انظر يو1 :2-3, عب1 :2-3, 1كو8:6, كول1 :15-20). صار إنساناً بدون أي تغيير في ألوهيَّته, وصار كائناً بشريَّاً: يسوع الناصريّ. لذا فهو "شخص واحد في طبيعتين" على حد تعبير الكنيسة عبر عصور من الجدال المؤلم.
كابن الله الوحيد المولود, يسوع المسيح شخص إلهي بطبيعة إلهية من الله الآب ذاته. وكما تقول الترتيلة صار إنساناً حقيقياً "بالجوهر وليس بالتخيُّل" (تذكر هذه الجملة بتعليم بعض المسيحييّن الأوائل الكاذب الذي يقول إن المسيح لم يكن إنساناً حقيقيّاً وإنَّما اتخذ مظهر إنسان. دُعيت تلك الهرطقة بـ "الدوستيّة" نسبة للكملة اليونانية "يبه" أو "يظهر".
لهذا هو, بحسب التحديد العقائدي لمجمع خلقيدونية, المعروف عند الأرثوذكس بالمجمع المسكوني الرابع, إله حقَّاً وإنسان حقَّاً. ما من انفصال أو انقسام أبداً ومن أي نوع بين لاهوته وناسوته. وما من اختلاط بين "طبيعتين" مختلفتين جذريَّاً, ولا تغيُّر لأيّ واحدة منهما مهما كان أساسيَّاً. إنه إلهي بطبيعة إلهية كالتي للآب والروح القدس. وهو إنسان بطبيعة أي إنسان عاش وسيعيش على هذه الأرض. (يقول تحديد المجمع المسكوني الرابع العقائديّ أن يسوع المسيح "إله كامل وإنسان كامل". كائن "من الجوهر ذاته الذي للآب بما يخصُّ ألوهته" و "من الجوهر ذاته الذي للإنسان بما يخص بشريته". ويصف "الاتحاد" بين لاهوت المسيخ وناسوته بـ "الاتحاد الأقنوميّ" في "شخص" أو "أقنوم" ابن الله. ويحدِّد كيف أن هذا "الاتحاد" يحدث باستعمال أربع صفات سلبيّة: بغير انفصال, بغير اختلاط, بغير تشوّش).
إنها لطريقة مدهشة أن نعبِّر عن سبب إرسال الله ابنه الوحيد إلى العالم كإنسان بالقول إنَّه أتى لكي "يمتعنا بوليمة سيديَّة " بالاشتراك في "مائدة غير مائتة". لقد ظهر الرب على الأرض لكي "يقيم مائدة" في برّية هذا العالم لكي يغذينا بالخبز الحي, الخبز الذي ينزل من السماء, خبز الحياة الذي هو المسيح نفسه. لقد أتى ليغذينا بجسده هو ودمه هو.
"فقال لهم يسوع أنا هو خبز الحياة.من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطشأبدا.ولكني قلت لكم إنكم قدرأيتموني ولستم تؤمنون.كل ما يعطيني الآبفإليّ يقبل ومن يقبل إليّ لا أخرجه خارجا.لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني.وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني: أن كل ما أعطاني لا أتلف منهشيئا بل أقيمه في اليوم الأخير.لأن هذه هيمشيئة الذي أرسلني: أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه فياليوم الأخير" (يو35:6).
...............
"أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء.إن أكل احد من هذا الخبز يحيا إلىالأبد.والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم" (يو51:6).

"فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليسلكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشربدمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير.لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حيّ بالآب فمن يأكلني فهو يحيا بي.هذا هو الخبز الذي نزل من السماء. ليس كما أكلآباؤكم المنّ وماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد" (يو53:6).
يصف الكتاب المقدس مملكة الله التي يحقّقها الماسيّا بالوليمة. ويشبّهها يسوع نفسه في بعض أمثاله بعشاء احتفالي (انظر كمثال, مت22: 1-13, 25: 1-13, لو14: 1-24, 15: 11-32). ويخبر تلاميذه في عشاء الفصح الأخير أنَّهم سوف يجلسون على مائدة , يأكلون ويشربون ملكوت الله.
"أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي. وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً. لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسٍ تدينون أسباط إسرائيلالاثني عشر" (لو22: 28-30) انظر أيضاً (مت8: 11-12).
يذكر القديس يوحنا في سفر الرؤيا تعليم الرب هذا ويؤكده. فهو يخبر عن "عشاء عرس الحمل" الذي يتحقق في نهاية الأزمة, ويسمى المدعوّون إلى ضيافة الله هذه مبارَكين.
"وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة: هللويا. فإنه قد ملكالرب الإله القادر على كل شيء. لنفرحونتهلل ونعطه المجد! لأن عرس الخروف قد جاء, وامرأته هيأت نفسها . وأُعطيت أن تلبس برَّاً نقيَّاً بهيَّاً, لان البرّ هو تبرُّرات القدّيسين.


وقال لي: اكتب: طوبى للمدعوين إلى عشاء عرس الخروف. وقال هذه هيأقوال الله الصادقة" (رؤ19: 6-9).

منقول من كتاب "الفصح الشتوي" تعريب المطران سابا اسبر