[frame="2 70"]
[read]
رؤية لاهوتية متجددة للسياسة في لبنان [1]
الأب فادي فاضل

[/read]

[/frame]
[frame="1 95"]
يتمحور موضوع الدراسة حول ثلاث كلمات – مفاتيح تحدد في الوقت عينه نمط عيشنا كمواطنين في نواة هذه الامة الفسيفساء: رجال الدين، والحوار، والمجتمع التعددي.
اذا كان الحوار الذي يعنى به رجال الدين، او بالاحرى يقومون باحيائه، يرمي الى هدف معين الا وهو ارساء السلام والتسامح، فضروري ايضاح اساس هذا الحوار وآليته الجوهرية من اجل تحقيق الهدف المنشود تحقيقاً سليماً ودائماً.
لماذا وكيف نتحاور؟ أليس شأن السياسيين السعي الى الحوار وارساء السلام؟ ألم يقل يسوع المسيح: "اعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". (مرقس 12/17)؟ ألم يذكر البابا بينيديكتوس السادس عشر في خلال زيارته الاخيرة الى فرنسا في 16 ايلول/ سبتمبر بتعليم يسوع المذكور، بالحديث عن اشكالية العلاقة بين الحقل السياسي والحقل الديني؟
ومن اجل تدعيم عمل رجال الدين في تعزيز الحوار، من المفيد اولاً ان نفسر المعنى اللاهوتي للتمييز الذي اراد المسيح تبيانه بين قيصر والله، وثانياً ان نعيد التفكير في الدور الخاص الذي تضطلع به الكنيسة في المجتمع التعددي اللبناني لنستفيض في ما يلي بعرض الآليات العملية الآيلة الى وضع عمل رجال الدين على اسس متينة وصحيحة في ضوء الكتاب المقدس.



1 – التمييز والاندماج

أ – من الواضح ان يسوع قصد التمييز بين قيصر والله، بيد انه لا يوجد انفصال زمني بما ان ملكوت الله يعنينا منذ الآن، ولا يوجد تضارب زمني بين ملكوت قيصر وملكوت الله المزعوم "لما بعد الموت". فالفعلان مصرّفان بصيغة الحاضر (اعطوا...!). في الواقع، يواجه يسوع فخاً. ايجب دفع الضريبة الى قيصر؟ يجيب الفريسيون والمتزمتون بالنفي، اما الصديقيون، فيجيبون نعم. ولكن يسوع يأبى الوقوع في الفخ، فلاحظوا السخرية في جوابه. فإذا تذكرنا رأي يسوع في مال (الظلم)، يمكننا فهم رده وتصنيفه على انه "حرّ" حرية عميقة قياساً على "جدية" مخاطبيه.
ب – يحلل اوسكار كولمان هذه الآية على النحو الآتي:
"تستطيع الدولة ان تطالب بما لها على ارضها: اي الضريبة. ولكن يسوع لا يضعها في الخانة نفسها والله، لان اعطاء ما لله لله هو تكريس الذات كل الذات له، كل في دينه".
المال ملك الامبراطور، فهو غاية في السذاجة ليحفر عليه صورته! ولكن المال ليس على صورة الله، انما الانسان خلق على صورة الله ومثاله، انه الانسان الحي، الانسان الحر، الانسان القادر على الخلق كما الله الخالق. لذا، فالفرق جسيم بين قدرة قيصر، المرتكزة على المال، وعظمة الله، التي يشهد لها الانسان الحر. الا ان الدولة غير مطلقة ولكن يمكنها جباية الضريبة وعلينا ان نسددها، وان كانت الدولة رومانية وثنية ولم يكن لها كل الحق في السيطرة على فلسطين.
في سياق آخر، دعا يسوع بطرس ليدفع الضريبة (متى 17/25)، ولكن في الوقت عينه، على الانسان ان يكرس نفسه لله من دون سواه، فيجب الا تمنح الدولة سوى حقها ولا شيء سواه. يستطيع المسيحي إذاً ان يعترف بكيان الدولة وبأهمية حقوقها الواقعية ولكن من دون الانحطاط الى مستوى العبودية او العبادة.
ج – فلنتخط الآن المعنى المباشر لنحاول استنباط المعنى المبطن المحتمل لهذا المقطع من الانجيل، من دون ان ننسى المشاكل المنبثقة عن السلطات السياسية والسلطات الدينية. قال يسوع: "قيصر.../ و... الله"، ولم يقل "الدولة/ والكنيسة". وبالتالي، فلم يبين تعليمه الروابط بين المجتمع السياسي والمجتمع الكنسي. وثمة معادلة اخرى قد تظهر بالطريقة نفسها التي تطرح فيها مشكلة الايمان/ السياسة. فيحدث على جاري العادة ان نستبدل مصطلحي الايمان/ السياسة بالمصطلحات الآتية: روحي/ زمني، او إلهي/ ارضي، او مسيحي/ انساني".
غير ان هذه المصطلحات خطيرة لدرجة انها تطرح معادلات خاطئة.
- مقابلة الروحي بالزمني تعني اعتبار الروحي لا يمارس في الزمن او ان لا معنى روحيا للزمن.
- مقابلة الالهي بالارضي تعني القول ان الحياة الارضية لا تمت بصلة الى الالهي او ان الله "في مكان آخر" وغائب عن كل ما يجري على الارض.
- وفي الوقت عينه فان مقابلة المسيحي بالانساني تعني ان المسيحي ليس انسانا وقد تعني وجود "الانسان" بالمعنى الحقيقي في مكان ما من دون "بعد" أو "معنى" ديني او مسيحي. ولعل هذه المقابلة الاكثر شيوعا في مجتمعنا منذ عشرين سنة: كم مرة تردد على مسامعنا "تصرف تصرف انسان قبل ان تكون مسيحيا"؟
في الواقع، ليست الكلمات جامدة اذ انها تحمل في طياتها جاذبية معينة، وقد تؤدي المشاكل المطروحة من خلال مقابلات غير ملائمة الى حلول واهية، ليس الا. وقد تؤثر هذه الحلول على موضوعنا الذي يطرح خطرا دائما في مقابلة الايمان والسياسة، قل ان المؤمنين لم "يمارسوا" السياسة ولم يكونوا مواطنين بعد – لا بل قل ان السياسة ممكنة التعريف – بالنسبة الى مؤمنين – من دون الرجوع الى الايمان.
د – الاندماج
للإفلات من هذا الالتباس، يجب الآن تحديد احتمالات الاندماج الايجابي للمسؤوليات السياسية بالمسؤوليات المسيحية.
لهذا الغرض، يجب تناول تعليم الانجيل انطلاقاً من النظرة اليهودية، أي من التيوقراطية.
وفي المقابل، عندما يعترف يسوع بكيان لقيصر ("أعطوا ما لقيصر لقيصر")، فهو يشرّع باباً ايجابياً للسياسة. حيث لم تكن السياسة بحد ذاتها، أو حيث كانت رديئة، يترك يسوع المجال أمام سيادة قيصر على بضعة نشاطات إنسانية (تنبثق عن استعمال الضريبة = المال العام)، علماً أن الانسان لا يمكنه ان يعبد سوى الله.
يشكّل قيصر جزءاً من العالم الأرضي، الانساني، أي إنه جزء من عالم المخلوقات التي يشاطرها الكرامة والهشاشة (راجع سفر التكوين).
وفي الوقت عينه، يرفض يسوع عبادة قيصر (الذي قد يصبح الله) وبالتالي ينقض التيوقراطية اليهودية حيث قيصر هو "الشيطان".
وبما أن قيصر كائن بشري، فيطرح يسوع الروابط بين الايمان والسياسة بطريقة مغايرة ويفتح باب الاستقلالية النسبية للسياسة داخل العالم الانساني. فالعقلانية (rationnalite) السياسية إذاً خير مجال، وبالطريقة عينها، لحظنا إمكانية بلورة عقلانية قضائية من خلال فصل الوريثين الخصمين.
يمكننا اختصار المفاهيم المختلفة التي أوردناها على النحو الآتي:
- في الموقف الروماني، الدين والمرجع السياسي "واحد" لا يتجزأ من خلال عبادة "قيصر".
- موقف الصدّيقيين الذي يقضي بعدم انسجام السياسة والدين، حالهما حال الزيت والماء وبمشاطرتهما قلب الانسان. "نذهب الى الهيكل ولكن نتعاون مع الرومانيين".
- الموقف التيوقراطي الذي يقضي بأنه لا مجال للسياسة وبأن ملكوت الله هو الوحيد المعترف به وهو أشبه بأرض فلسطين، ولكنه يبقى سجين المنافسة مع ملكوت قيصر الذي يرغب في وضع حد له.
- موقف يسوع الذي يقضي بأن ملكوت الله "مشرّع" وجامع ويؤثر في كل واقع سياسي كما وفي كل الوقائع الانسانية.
بحسب هذا التفسير، إذا أوجد يسوع المسؤولية السياسية، فهو لا يتحملها تمام التحمل اذ يجعلها نشاطاً انسانياً. على الانسان ان ينقب عن مسؤوليته، وهو دوماً على يقين بأنه مدعو لان يحترم متطلبات الانجيل الاخلاقية.


2 – الالتزام في العمل السياسي في ضوء الايمان المسيحي

غالباً ما يتردد على مسامعنا السؤال الآتي: لم لا يفرض البطريرك الماروني على المسيحيين طريقة تصرف سياسية موحدة؟ يتضمن النص حول "الثوابت المارونية" (1) في قسمه التطبيقي، على سبيل المثال، مشروع حل سياسي لمشكلة انسداد الأفق السياسية العام الماضي، ولكن لا يمكننا ان نغض الطرف عن أهمية دور الكنيسة المارونية في خلال فترة الوصاية السورية، ولا سيما بين عام 2000 و2005. ففي الحالات الشديدة الخطورة التي تتعلق بجوهر ووجود مجتمع سياسي أو ديني، يمكننا ان نفهم لا بل ان نرحب بتدخل مماثل، بيد انه يستحيل ان نجعل منها قاعدة تدخل عادية. وفي هذا الاطار، يذكر المجمع ان "الكنيسة لا تملك صلاحية معينة في ما يتعلق بهيكلية المجتمع السياسي"(2). أما البابا يوحنا بولس الثاني، فبعد ان دعا الكنيسة الى احترام الاستقلالية الشرعية للنظام الديموقراطي، فقد أوضح أنها "تفتقر الى الصفة اللازمة لتعبّر عن تفضيلها هذا الحل المؤسساتي او ذلك الحل الدستوري"(3). في هاتين التوصيتين، يتعلق الأمر بالكنيسة بحد ذاتها. يمكننا القول أيضاً انهما ستكونان اكثر واقعية في ما يتعلق بالسلطة الكنسية.
أ – يمكن اللجوء الى حلّين في هذا المجال: إلغاء الطائفية الفئوية (déconfessionnalisation) وعدم تدخل رجال الدين (décléricalisation) في السياسة اللبنانية.

[/frame]

يتبع جزء ثانٍ

1 – Synode des évêques maronites, "Les constantes maronites", publié dans le quotidien Annahar (en arabe), 7/12/06
2 – Compendium, op.cit, n. 424
3 – Jean-Paul II, Centesimusamus, 1991, n. 47.

[read](محاضرة القيت في دار الفتوى بدعوة من الحكومة الاندونيسية في 13 تشرين الأول 2008.بروفسور في القانون العام امين عام الجامعة الأنطونية.) [/read]