العصر الذي ولد فيه المسيح
عندما ولد المسيح كيف كانت أحوال العالم؟ من كان يحكم؟ وما نظام الحكم؟ وكيف كان الناس يعيشون مع معتقداتهم؟ وما أبرز الديانات الموجودة؟ وكيف كانت أخلاقياتهم؟ يجيب كتاب "العصر الذي ولد فيه المسيح" بأسلوب بسيط وشيق ومتميز عن هذه الأسئلة، ويقدم وجبة معرفية دسمة عن الظروف التي ولد فيها المسيح والبيئة الفكرية والثقافية والسياسية والإقتصادية التي كانت سائدة في هذا الوقت إضافة إلى عرض لأهم الأحداث البارزة والشخصيات التي صنعتها, الكتاب يعرض لصراع القصر ضد الحظيرة والذي كتب فيه النصر إلى الحظيرة، فقد إنتصرت المسيحية في مهدها وهي تواجه الجيوش الرومانية الجرارة، ومكر اليهود، وفلسفة اليونانيين.
الكتاب من إصدارات "دار أنجليوس" عام 2008 للمؤلف ملاك لوقا، وهو صحفي وكاتب معروف قام بتأليف عشرات الكتب الدينية والتي تقدم الفكر المسيحي بأسلوب يجمع ما بين البعد الديني وموضوعية البحث العلمي.
يبدأ الكاتب مقدمة كتابه بالتأكيد بأن المسيحية برزت إلى عالم الوجود مارداً جباراً وقوة هائلة تجرف الناس بالآلوف وتصارع جميع القوة, أسرت كل فكر إلى طاعة المسيح، فتضاءلت أمامها أورشليم بهيكلها الضخم وتصاغرت روما، وتسامت المسيحية التي لم تأت بتعاليم محددة بل بمسيح معلم كما أنها لم تولد أتية لمجرد إتباع لبرنامج خاص يحلل ويحرم بل أتية برب يقود تابعيه إلى حياة القداسة.
"يسوع ومعاصيره من اليهود" كان عنوان الباب الأول حيث يصف الكاتب الملك هيرودس بأنه لم يكن ملكاًَ عادياًَ بل كان أقصى العتاة الجبارين الذين إرتقوا العرش فقد سفك دماء كثيرة أما من بقى على قيد الحياة ذاق أشد أنواع العذابات، وكان من الطبيعي في ظل حكم ملك جبار أن تقل الخير وتدهور الأحول الإقتصادية لبلده فقد سقط الشعب فريسة الجوع والفقر والإنحلال، وهذا هيئة بيئة تنتظر المسيا لكنها تريد ملك أرضي وليس مسيح مخلص.
"فيلون" هو الرجل الثاني من حيث الأهمية لليهود كمعاصر للمسيح، وكان يجسد الفكر اليهودي المثقف باليونانية وقد عبر عن حالة اليهود في عصر المسيح خلال مؤلفاته وعظات وتأملات ومنها الحالة السياسية حيث دخل القائد الروماني "بومبي" أورشليم عام 63 قبل الميلاد وصار اليهود خاضعين للرومان, وهذا العامل ساهم في إنتظار اليهود للمسيا المنتظر لكن بمفهوم مادي بحت قادهم إلى التطلع إلى منقذ سياسي يعيد مملكة داود على مستوى مجد العالم فاليهود لم يقبلوا المسيح إلهاًَ إنما كانوا يريدون ملكاً أرضياً.
لم يكن العصر الذي ولد فيه المسيح عصراًَ ذهبياًَ بل عصر دم ودموع, عصر قسوة ووحشية, هكذا وصف "جورج سارتن" العصر الروماني، يتحدث الكاتب في الباب الثاني عن الخليفة الرومانية التي أحاطت بواقعة ميلاد المسيح، وهنا يشير المؤلف إلى تيارين فكرين لدراسة الفكر الروماني الأول يرتدي نظارة سوداء يرى ما هو رديء وحالك السواد إذ يخيم على العالم حينئذ ظلام الفكر وإنحلال الخلق وتهور الأمن والأمان, أما التيار الثاني فيرى كل ما هو ممتاز خلقياًَ وإن هذه الفترة قد شهدت تقدماًَ في كافة المجالات ولكن رأى ملاك لوقا أن الرومان لديهم جانب كبير من الشجاعة والعظمة والكبرياء والقوة لكنها عظمة كانت تخفي تحتها فساد قسوة سائدة فالحياة العائلية كانت لا تطاق وإنتشر الرق.
آلهة كثيرة كانت تزاحم البشر في كل شيء وتطل عليهم أينما وجدوا، يواجهونها رعباً او نفاقاً او حباً, آلهة لحراسة المنزل وآخرى تراقب الداخل والخارج, وآخرى للماء والأكل, وثالثة للحماية, وأخر للسلام وخامس للحرب.
الآله المجرد المطلق في مواجهة الآلاف من آلهة الأرض، إله يفتدي البشر في مواجهة آلهة تقبل الذبائح البشرية لترضى, كانت المسيحية في مواجهة الوثنية العاتية الممثلة في الإمبروطورية الرومانية التي كانت أكبر قوة عسكرية في العالم، المعركة تبدو غير متكافئة معركة السيف مع الصليب والقوة المادية مع المثاليات الأدبية الروحية، كان القصد من هذه المعركة إبادة المسيحية لكن صارت دماء الشهداء بذار الكنيسة.
عندما نشأت المسيحية كان هاك إرتباط وثيق بين الدين والدولة كان الإثنين شيئاًَ واحداًَ كان كل الشعب يعبد آلهة وكل إله يحكم شعبه كانت الدولة تتدخل في نطاق الضمير وتعاقب كل من خرج على الشعائر والعبادة لكن يسوع علم أنه مملكته ليس من هذا العالم، لقد فصل الديانة عن الحكومة فلم يعد الدين أرضياًَ، لقد صنع الرب يسوع معروفاًَ "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" لقد كان قيصر يطالب كل رعاياه بالخضوع الكامل بالفعل والإرادة وأي مقاومة له تعتبر عصياناًَ وأي خروجاًَ عن الأمور تعتبر كفراً لكن المسيح جاء معطي للبشر كامل الحرية في إختيار المعتقد الذي يؤمنون به دون إتهام بكفر او حكم بالموت.
نعود إلى "العصر الذي ولد فيه المسيح" حيث هناك خلفية يونانية أثرت في البيئة التي ولد فيها المخلص، ومن المعروف أن الثقافة والفلسفة اليونانية كانت ذائعة الصيت لكن جاء المسيح ليحاجج هذه الفلسفة بأخرى تعمل على خلاص الإنسان، هنا يمكن التفرقة بين الحب اليوناني والمحبة المسيحية، الحب اليوناني يستند إلى التمركز حول الذات ويقوم على التهور والإندفاع والإنفعال العنيف في حين أن المحبة المسيحية تستند إلى التضحية بالذات وتتمركز حول فلسفة الإيثار, ونحن نعرف كيف طلب المسيح من أتباعه أن يقدموا ذواتهم للآخرين وكيف جعل المحبة قاعدة عامة لا يقيدها شرط ولا يحدها حد.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات