النعمة الإلهية غير مخلوقة
من المعروف من ناحية أولى أن الله غير محدود ، لا بداية له ولا نهاية ، غير مدرك غير منظور ولا ملموس ، لا حد له ولا حصر ، لا مثيل له يسمو على كل زمان ومكان ، منـزّه عن كل صفة وأمر ، هذا التعريف عن الله نقول له اللاهوت التنـزيهي .
ومن ناحية ثانية نجد أن الكنيسة تدعونا للاتحاد بالله . فالسؤال الذي يطرح نفسه ، كيف للمخلوق أن يتحد بالخالق المنـزه في جوهره عن كل شيء ؟
الجواب واضح وبسيط في روحانيتنا الأرثوذكسية . فهي تكلمنا عن النعمة الإلهية الأزلية ، الغير مخلوقة والمجانية في آن . معلنةً أن هذه النعمة هي تماما ما رآها الرسل القديسون في حادثة التجلي على الجبل ، أي نور الله غير المخلوق . مشددة على قول القديس غريغوريوس بالاماس " إن المشارك للنعمة الإلهية يصير هو نفسه إلىحد ما نور . إذ يتحد مع النور ، وبفضله يرى بوضوح ما لا يمكن أن يراه الذين ليس عندهم هذه النعمة ".
المتحد بالنعمة الإلهية غير المخلوقة ، يتجاوز ليس فقط الحواس البشرية بل كل ما يمكن أن يدركه العقل . لأن أنقياء القلوب يعاينون الله الساكن فيهم كنور .
إذن عندما نتحد بالله نتحد ونلبس الأفعال الغير المخلوقة التي من لدن الرب ، طبعا ليس أفعال الجوهر ، فيشع نوره غير المخلوق فينا . إذ نصبح بشفافية تعكس النور الإلهي غير المخلوق . وتصبح أفعالنا ذات صفة إلهية، صادرة من لدن الله . والغريب في الأمر أن الأخوة في الغرب ، خلال القرن الرابع عشر قالوا : أن النعمة الإلهيَـة هي نعمة مخلوقة وغير مجانية ، قائلين أن النور الإلهي هو نور مخلوق ، والأفعال الإلهية للإنسان المتحد بالله ( أي الذي في حالة الاستنارة ) هي أيضا مخلوقة .
هذا شيء غريب للغاية لأننا :
أولا : إن كانت النعمة المرسلة ليست من طبيعة الله الخاصة ، نكون قد وقعنا في فخ عدم التأله ، إذ ليس لنا صلة مباشرة مع الله ، ومن المستحيل أن تكون .
ثانيا : إذا كانت النعمة غير مخلوقة ، كيف يمكن للمخلوق أن يقدَس المخلوق . لا بل أبعد من ذلك كيف يمكن لهذه النعمة المخلوقة( كما قال الأخوة في الغرب في القرن الرابع عشر ) ، إن لم تكن الله نفسه في قواه غير المخلوقة وليس في جوهره أن تقدس الأشياء ، أو تجعل من الخبز والخمر مثلا جسد ودم السيد . فكيف يمكن للدون أن يقدس الكل ؟ هذا ما لا يمكن قبوله والمسير به .
نسبح في الليتورجيا قائلين " بنورك نعاين النور " . بنورك أي النور الصادر من لدنك ، الذي نناله باتحادنا بك .
نعاين النور أي نعاينك . وكيف يعاين الله من ليس في الله . بنورك أي بالنور الإلهي الغير مخلوق أي بك . بنورك نعاين النور ، أي بك نعاينك .