الله هو حياتنا

يخطّط الناس، في كلّ زمان ومكان، لينجحوا في حياتهم. غير أنّ هذا الخير، الذي يريده الله لنا، لا يمنع السؤال: أين يضع الناسُ، ولا سيّما المؤمنين، إلهَهم فيما يخطّطون ويطمحون؟ أي هل يعتقدون، فعلاً، أنّه مخلّصهم الوحيد؟ أي، باختصار، هل يحسنون انتماءهم إلى حياة الكنيسة، ويهتمّون باسترشاد الأقوياء فيها؟

جلّ المسيحيّين يؤمنون بالله، ويقولون إنّ اتّكالهم إنّما هو عليه. ولكنّك، مراقبًا، ترى أنّ معظمهم يأخذهم تفكير فرديّ. الفرديّة هي مرض العصر، ومرض كلّ العصور. فمن النادر أن تسمع، مثلاً، أنّ إنسانًا، أمام أيّ قرار يهمّه، سأل ذاته: ماذا يريد الله (منّي)؟ هذا سؤال يعتقد بعضنا أنّه ضدّهم شخصيًّا، أو ضدّ ما يتوقون إليه من نجاح. هم يعتقدون أنّهم أدرى بمصالحهم. ويرسمون حياتهم بما يوافق اعتقادهم. وهذا يـثـبته أنّ الكثـيـرين، بـعـيدين عـن حياة الجماعة، عادوا لايفكّرون بمنطق كنسيّ.

ربّما لا يضرّ الله أنّ الذين يهملون "فكـر مسيحـه" (1كورنثوس2: 16) يضعـونـه وكنيستـه جانبـًا. فالله إله الحرّيّة المطلقة، أو كما يقول المغبوط أغسطينـوس: إنّه "ينحني إكرامًا وإجـلالاً لحرّيّتنا". لكنـّه، بالتـأكيد، لا يرضى بأن ينتسـب إليه شخـص، ويقبـل منـه ما يتصـوّر أنّه يوافـقـه، ويرفض ما لا رغبة له فيه. أن تقـول إنّك مؤمـن يعني، حكمًا، أن تأتي من كلمة الله، وتربـط حياتك بالجماعـة التي تسعى إلى أن تحاكـي طاعتها طاعـة أبـرار التاريخ. هناك أمثلة، لا تُعدّ ولا تُحصى، تبيّن أنّ الله لا ينفـكّ يقتحم تاريخنا، ليعبـّد لنا دروب حياة ترضيه. اترك، يا إبراهيـم، بيتـك وعشيرتـك، وتعال معي (عبرانيّين 11: 8- 10). يا موسى، اتـرك قصر فرعون، و"آثر الشقـاء مع شعبي" (عبرانيّين 11: 23- 26). وأنتِ، يا مريم، أريدك، عذراء، أن تكوني هيكلاً لابني الوحيد (لوقا 1: 26- 38). وأنت، يا شاول (بولس في ما بعد)، كـفّ عن اضطهـادي، فأنا اخترتك "أداة لي، لتكون مسؤولاً عن اسمي" (أعمال 9: 1- 16). هؤلاء، وكثيرون غيرهم، خصوصيّتهم المشتركـة أنّهم، أحرارًا، قبلوا تدخّـل الله، وأطاعـوا قـراره، ورتّبـوا حياتهم عليه.

لستُ أرمي على واقعنا ما ليس فيه إن قلتُ إنّ ثمّة أشخاصًا يرون، في هذه الوقائع الحيّة، مجرّد أمثلة "خاصّة". فمن التفاهة أن نعتقد أنّ المسيحيّين، ولا سيّما الذين يهملون برّ الحياة الكنسيّة، يعتقد معظمهم أنّ الله يريدهم له. فالله، عند الكثيرين، أراد من أراد. واقتناعهم الثابت أنّهم خارج مخطّطه! وتراهم يحيون هكذا. ويلقى الله منهم ردود فعلهم. يقرّرون. وإن فشلوا، يلقون تبعة تصرّفهم على من ينتظر أن يحتكموا إليه (الله). لا يتعلّم الناس من أخطائهم، ولا من أخطاء غيرهم، أو من برّ غيرهم المذكور والظاهر عيانًا. يطمحون. ولا يتصوّرون، إن لم يحسنوا التصرّف، أنّ ثمّة خطيـئة كانـت رابـضة وراء أبوابهم (تكوين 4: 7). يا الله، كم الناس مساكين! كلّ حقّك المدوّن في كتبك، والمحفـوظ في جماعتـك، وُضع بـيـن أيـديـنا وأمام أعيـننا. ونحن لا نقرأ، ولا نذكر، ولا نريد أن نرى. ويا الله، كم أنت مسكين! لقد تركت لنا ما يحيينا. ونحن، فيما نهمل وديعتك، نشنّ عليك أقصى الحروب، ونقذف عليك أشنع التهم!

مَن وهبنـا حياتنا، يبقى كفيلاً بنا. هذه هـي قناعـة المـؤمنين المتّكلين على الله حقـًّا. هل غير هذا تعني "لتكن مشيئتك" (متّى 6: 10)؟ نحن، مؤمنين، دعوتنا أن نصدّق الله في كلّ أمـر، ونطمئنّ إلى إرادتـه دائمًا. هؤلاء القدّيسون، الحاضـرون معنا أبدًا، إنّما سُجّلـت أخبارهم، لنُماثلهـم "بشجاعـة مقدّسـة" (السلّم إلى الله 26: 126). الإيمان شجاعـة. ولربّمـا الشجاعة خير صفة من صفـات الإيمان. وهذه ليست تفلّتـًا، أو تفـاخرًا فارغـًا بما نرتكبـه من إثم (وهـذا شائـع في العالم كثيرًا)، بل أن تثبت قلوبنـا بمحبّة الله، ونؤمن، فيما نركـن إليه في كلّ أمر، بأنّه "يستطيع، بقوّته العاملة فينا، أن يبلغ ما يفوق كثيرًا كلّ ما نسأله أو نتصوّره" (أفسس 3: 20). وهذا مستحيل إدراكه إن لم نستند إلى إخوتنا في الجماعة.

سرّ نجاحنا الحقّ، في حياتنا، هو التزامنا كنيسة الله. وهذا أمر يفترض أن نخرج، بسرعة، من حال الغربة التي تبيّنها أنّنا بعيدون عن كنيستنا، أو أنّنا نتصرّف كضيوف فيها. نأتي، ونخرج كما أتينا، أو لا نأتي بتاتًا، أو نأتي في ظروف اجتماعيّة تعنينا. نرى المؤمنين إخوتنا، ونادرًا ما نسلّم عليهم، ونكلّمهم. نحن، أفرادًا مبعثرين، نعتقد أنّنا كاملون في كلّ شيء. وهذه هي، في العمق، مشكلتنا الكبرى. خلاصنا أمامنا. خلاصنا الجماعة الكنسيّة التي انتسبنا إليها في معموديّتنا. لا يجوز أن نهمل الواعين في الجماعة الذين ورثوا قوّة القدّيسين وحكمتهم. هؤلاء لنا سند وعضد. ما دمنا بعيدين، فستبقى رياح الأرض تتجاذبنا. ما دمنا بعيدين، فستظلّ حياتنا معرّضة لهزّات ونكبات، وقراراتنا فارغة من مضمونها الحقيقيّ.

كيف نعتقد أنّ الله، الحاضر في كنيسته، هو حياتنا؟ كيف نجعل كنيستنا المكان الذي نطرح فيه هواجسنا ومشاكلنا وأفكارنا كلّها؟ كيف نؤمن بأنّ نقاءنا وسلامنا ونجاحنا رهن بكشف كلّ ما يخطر ببالنا لإخوتنا الواعين في الجماعة؟ كيف نثق بأنّ قوّتنا قائمة في زمالتهم وملازمتهم؟ كيف نلغي الحواجز التي تحول دون قربنا منهم؟ كيف نستعيد انتماءنا إليهم؟ كيف نحيا وإيّاهم؟ وكيف يصبحون حياتنا؟ أسئلة، إن فكّرنا في الإجابة عنها كما يليق بالله، قادرة على أن تقرّر هدف حياتنا التي الله يرغب في نجاحها حقًّا.