الدكتور جميل صليبا
المفكر والمربي العربي المعاصر
خلال بحثي عن جذور الأديب الألماني العالمي رفيق شامي ( سهيل فاضل ) السوري الأصل والمولد والهوى ( 1 ) تعرفت على الأستاذ الياس انطون نصر الله ابن معلولا ومؤرخها في عصرنا الحديث والذي قام مشكوراً بإهدائي نسخة من كتابه عن الراحل الكبير الدكتور الأستاذ جميل صليبا .
جذبتني صفحات الكتاب الذي راجعته وكتبت مقدمته الأسـتاذة الدكـتورة ملكة أبيض , و شكل ملحق الكتاب بكل جدارة كتاباً آخر يشكر مؤلفه على جهده إذ أشار إلى آثار الدكتور الراحل جميل صليبا المكتوبة والمجالات التي تناولتها من عربية وأجنبية ,وذكر أيضا المراجع التي اعتمد عليها لتأليف الكتاب من كتب عربية ومترجمة بالإضافة إلى الأبحاث التي نشرها الراحل الخالد في المجلات والمواضيع التي تناولتها , كما نوه بالمقابلات التي قام بها والأحاديث التي نقلها بكل أمانة ,وخير ماذكره هو ملف الدكتور جميل صليبا الشخصي المحفوظ لدى مجمع اللغة العربية بدمشق , وكذلك الملف الشخصي المحفوظ لدى كلية التربية في جامعة دمشق , وسجلات مكتبة كلية التربية في جامعة دمشق .
وقد تناول الكتاب في فصول أربعة مسيرة الدكتور جميل صليبا وعطاءاته , ففي الفصل الأول تحدث الكتاب عن حياته ونشأته ودراسته وعمله في وزارة المعارف ونشاطه في كلية التربية وفي مجمع اللغة العربية وفي اليونسكو .
فعن ولادته ودراسته يذكر : " ولد جميل بن حبيب الخوري داود صليبا في 7 شباط من عام 1902 في قرية القرعون من قضاء البقاع الغربي من محافظة البقاع , وكان والده يعمل متعهداً ومعمارياً , وانتقل إلى دمشق مع أسرته للعمل في شق طريق دمشق ـ درعا , والتحق جميل صليبا بمدارس الآسية ومن ثم بالمكتب السلطاني العثماني وتابع في عام 1918 دراسته في مكتب عنبر وحصل على شهادة الدراسة الثانوية منه عام 1921, وأوفدته وزارة المعارف السورية إلى باريس لمتابعة تحصيله العالي , وأدخل صليبا في فرع الفلسفة من كلية الآداب في جامعة السوربون , وبالإضافة إلى تمكنه وإتقانه للفرنسية حصل على دبلوم التربية من معهد علم النفس في عام 1923 , وعلى درجة الإجازة في الآداب / فرع الفلسفة في عام 1924 , وعلى درجة الإجازة في الحقوق في عام 1926 , وقدم إلى جامعة باريس أطروحة الدكتوراه عام 1926 وكانت بعنوان :" دراسة في ميتافيزيقية ابن سينا " ,وفي عام 1927 قدم أطروحته المكملة بعنوان : " نظرية المعرفة على مذهب المدرسة الاجتماعية الفرنسية " , ومنحته جامعة السوربون درجة الدكتوراه في الآداب ـ قسم الفلسفة , وكان أول عربي سوري يحمل هذه الشهادة في العلوم الإنسانية .
وبعد عودته للوطن عين مدرساً لمادة الفلسفة في مكتب عنبر , وكلف بعدها بتدريس هذه المادة في مدارس الآسية والتي عين فيها مديراً عاما عام 1930 حيث قام بتعريب المادة التي كان يدرسها , وفي الآسية خصص قاعة للمخبر وعمل على تطويره وتوفير الأجهزة اللازمة وكما أســس خزانة للكتب لتوفير المراجع المناسبة للمدرسين والطلاب " .
وكذلك عرض في الفصل الثاني ولخص أهم آثار الدكتور صليبا التي ألفها في الفلسفة والمنطق وعلم النفس والتربية والأدب , وأيضاً ذكر ولخص كتبه المحققة والمترجمة وأعماله في التعريف والنقد والرسائل الجامعية التي أشرف عليها .
وتحدث الفصل الثالث عن المنطلقات الأساسية عند الدكتور صليبا وانعكاساتها التربوية فمن إدراكه لمفهوم الإله بقوله " وجود الله المهيمن على الدهر والنور المحيط بالظلمات , والعقل الهادي إلى الرشاد , كل ذلك سيولد في قلوبنا عزاء واطمئناناً , ويقلب سخطنا إلى رضا , وقسوتنا إلى رحمة " . وأما عن العروبة فقد كان ماضي العرب وتراثهم وحاضر العرب وواقعهم والمستقبل الذي يطمحون إليه مصدراً للدكتور صليبا فهم " فكرة وعمل وعقيدة وأمل , تجمع بين الاستمداد من الماضي , والاقتباس من الحاضر , والنزوع إلى المستقبل , لا بل هي حقيقة متجددة , وإيمان وجداني , ووثوق عقلي , وتقدمية ديمقراطية " .
وأدرك صليبا أهمية اللغة العربية في حياة العرب القومية وحارب كل مواقف التشكيك فيها إذ قال " وإذا كان هنالك لغات تهبط بالفكر من السماء إلى الأرض , أو تزحف به على وجه الطبيعة , فإن اللغة العربية ترفع الفكر من الأرض إلى السماء وتحلق به في الأعالي بأجنحة قوية لأنها من أغنى اللغات وأوسعها اشتقاقاً وأدقها تعبيراً " .
وأما سمات المواطن العربي الصالح فيرسمها صليبا بقوله " إن المواطن العربي لايكون صالحاً إلا إذا كان إنساناً صالحاً , ينبغي له أن يكون عالماً عاملاً, قوي الإرادة حسن الأخلاق شديد التفكير , متفائلاً بالخير , متمسكاً بمبادئ الحق , مؤمناً بالمثل العليا , مدركاً لحقوقه وواجباته , مشبعاً بروح التضامن والتعاون , عاملاً للمصلحة العامة ... " .
وأما الديمقراطية فحسب الدكتور صليبا هي " سيادة الشعب , والمساواة , والعدل , والحرية , والكرامة الإنسانية , فلا مساواة بلا حرية , ولا حرية بلا مساواة , ولا سيادة للشعب إذا منع أفراده من التمتع بحرياتهم الطبيعية والقانونية " .
وأما الحرية والواجب فهما مفهومان متلازمان عند الدكتور صليبا إذ يقول " ومن شروط الحرية أن تكون منظمة في حدود القانون , فلا تنقلب إلى فوضى اجتماعية وأن تكون مصحوبة بعدل اجتماعي فإذا شط أحد الأفراد في حريته , منع غيره من التمتع بحقه , فلابد للمجتمع إذاً من وازع مشترك وهذا الوازع هو القانون " .
وأما مفهوم صليبا للتربية فقد حدد وظائفها كالتالي : فمن وظيفة فردية إلى وظيفة اجتماعية إلى وظيفة اقتصادية إلى وظيفة قومية إلى وظيفة إنسانية .
وعلى خلاف الكثير من المفكرين والمربين العرب فقد أوصى الدكتور صليبا بتدريس اللغة الأجنبية في المدارس الابتدائية , وكما أوصى بضرورة تدريس لغتين أجنبيتين في التعليم الثانوي .
وتحدث الفصل الرابع عن موقع الفكر التربوي عند الدكتور صليبا , وعن المحور الرئيسي لفكره من الأصالة والمعاصرة , وكذلك عن أثره في الثقافة والتربية العربية المعاصرة .
ماذا بوسعي أن أنقل عن كتاب الأستاذ الياس نصر الله في إيفاء حق الواجب بالراحل الخالد الدكتور جميل صليبا ,والكتاب بحر تعددت شواطئه , وصفحاته رمال توزعت حباتها كدرر في موانيء العالم .
فمن حفل التأبين الأربعيني الذي أقيم على مدرج جامعة دمشق في 20 / 12 / 1976 حيث تقاطرت النخبة من مفكري شعبنا ومثقفيه لتشارك أمتها في خسارة هذا الرجل وتعداد مناقبه , إذ قال الدكتور المرحوم محمد الفاضل بوصفه رئيس جامعة دمشق : " يتيح لنا الاحتفال بذكرى الراحل الكبير جميل صليبا أن نتكلم عن رمز جامع , يجدر بنا نحن الذين عاصـرناه أن نتعمق فيه , ونستخلص دلالاته , ويجدر بأجيالنا الطالعة على وجه الخصوص أن تستـهديه وتسـترشد به " , وقال الأستاذ حافظ الجمالي أيضاً : " فإن ودّعنا الدكتور صليبا اليوم , فلكي نزفه إلى هذا العالم الجديد , عالم الذين لايموتون ... ذلك أن قفزة عقلية من عدة قرون حضارية هي التي تحققت على يد هذا المعلم الكبير " , وقال الأستاذ الدكتور المرحوم قسطنطين زريق " لقد كان الدكتور صليبا في أعماله التربوية , التعليمية , والإدارية , من صنعة الرجال , وما أكثر ماصنع وما أجداه , وما أجل عطاءه في هذا المجال " . .
وكما لايجب أن أنسى ذكر بعض المجلات التي شارك في إصدارها والكتابة فيها فمن مجلة " المعلمين والمعلمات " إلى مجلة " الثقافة " ومجلة " التربية والتعليم " ومجلة "الطليعة" ومجلة " كلية التربية " ومجلة " المعلم العربي " ومجلة " الحديث " الحلبية ومجلة " الطريق " البيروتية ومجلة " العربي " الكويتية ومجلة " الإنسانية " الدمشقية ومجلة " النعمة " الأرثوذكسية الدمشقية ومجلة " المجمع العلمي العربي " .
ومن الجدير بالذكر كمية الكتب التي ألفها وترجمـها والمحاضـرات التي ألقاهـا , والمناصب التي استلمها والرسائل الجامعية التي أشرف عليها , والتي كانت وراء شهرته كمفكر قومي مخلص والتي دفعت مجمع اللغة العربية بدمشق لانتخابه عضواً عاملاً فيه عام 1942 , وإلى انتخابه في 24/ 11 / 1943 عضـواً في لجـنته الإداريـة وحتى تقديمه لاستقالته عام 1964, وحسب الدكتور الخطيب أفاد المجمع منه " مفكراً عربياً بارزاً له وزنه , كما استفاد هو من المجمع فركز معلوماته تركيزاً جعله في مصاف العلماء " , وأراد المجمع العلمي العربي تكريمه , فرشحه لنيل الجائزة التقديرية للعلوم الاجتماعية في عام 1960 , وكرمته وزارة التعليم العالي وكلية التربية بإطلاق اسمه على إحدى القاعات , كما كرمه مجلس محافظة مدينة دمشق ـ بناء على اقتراح مجمع اللغة العربية ـ بإطلاق اسمه على أحد شوارع المدينة , وكما أطلقت وزارة التربية اسمه على إحدى ثانويات دمشق .
وأود أن أذكر كذلك البعض ممن كتبوا عن الدكتور صليبا ومنهم الأديبة مهاة فرح الخوري التي كتبت مقالاً في جريدة الثورة السورية بتاريخ 5 / 9 / 1974 تحت عنوان " قراءة في معجم الدكتور صليبا " , وكذلك مقالاً نشرته في العدد 4195 لعام 1976 وكان تحت عنوان " عاطفة ووفاء " , والأديب عيسى فتوح الذي كتب في عددي مجلة المعرفة 225 ـ 226 لعام 1980 مقالاً تحت عنوان " المفكر العربي جميل صليبا " كما كتب عنه الأستاذ الياس نصر الله عدة مقالات نشرت في المجلات الأدبية.
هذا وقد شيعت دمشق راحلها الكبير في السادس عشر من شهر تشرين الأول عام 1976 حيث نقل إليها من بيروت التي وافته فيها المنية في الثاني عشر من هذا الشهر .
رحمك الله أيها الرجل وشكر وعرفان أمتك العربية يرافقوك حتى يوم الحساب والقيامة .
اليان جرجي خباز
1 ـ راجع موقع أورثوذكس أون لاين بتاريخ 30 / 7 / 2009

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات