ما بين القداسة و الإستشهاد و....
سبايدرمان
ملحوظة: الكلمات القليلة القادمة تعبر فقط عن رأيى الشخصى و لا تعبر عن أى رأى رسمى لأى كنيسة !
اليوم، و أثناء الحديث عن سيرة الشهيدة بربارة مع فتيات ثانوى أثناء إجتماع الفرقة سألتهم سؤالاً: "لنتخيل أن الشهيدة بربارة تعيش معنا فى القرن الواحد و العشرين، فبما أنها من عائلة ثرية فبالتأكيد سيكون بمتناول يدها "لابتوب" من أحدث نوعية و ربما جهاز موبايل آى فون و ...و لما لا يكون لديها حساب على الفيسبوك حتى؟"فقاطعتنى أحد الفتيات قائلة: "كيف؟ إن السبب فى قداسة هؤلاء الأشخاص فى الماضى هو عدم توفر هذه الإمكانيات لهم، و بالتالى فهم لم يتعرضوا لما نتعرض له من إغراءات، و بإختصار "هم حاجة تانية مش زينا" ".الحقيقة أن هذا هو لسان حال الكثيرين منا، فهذه لإجابة لا تتضمن فقط فكرة أن القداسة و الاستشهاد غير ممكنين فى عصرنا، بل و الأخطر من ذلك أن هؤلاء القديسين الذين تحتفى بهم الكنيسة كانوا من طبيعة مختلفة عن طبيعتنا و بإمكانيات تفوق إمكانياتنا...فالشهيد فى نظرنا هو بطل أسطورى لم يؤثر فيه الألم الجسدى بل و لم يتأوه قط، و لم يخف إطلاقاً من الموت بل ربما بشر ملاك والدته بمولده بل و ربما أيضاً كان يتمتع بقوى خارقة كالإنتقال من مكان لآخر بسرعة الضوء، و رؤية إعلانات سماوية ....إلخو عندما يسأل الطفل مثلاً عن كيفية إحتمال الشهيد لكل هذه الأنواع من التعذيب تكون إجابتنا العفوية: "لأنه قديس !!!" و كأن ذلك يمنحه نوع من الحصانة ضد الألم و الخوف و غيرهما !للأسف لقد جعلنا شهداؤنا اللابسى الجهاد نسخاً مسيحية من سبيدرمان و سوبرمان و كل هؤلاء الأبطال الخارقين و نعجب بهم كثيراً. بإستثناء أنه فى النهاية فى كل واحد منهم عنصر غير بشرى جعلهم ما هم عليه ، فالسوبرمان مثلاً قادم من كوكب كريبتون، و السبيدرمان سبب قواه الخارقة هو عضة عنكبوت ...يعنى بإختصار لم يكونواً بشراً خالصين و هذا سبب قوتهم الخارقة! و بالرغم من إعجابنا بهم فنحن ندرك تماماً أننا لن نكون مثلهم أبداً. خطورة هذه الفكرة تكمن فى عدة نقاط:1- أننا نؤكد للشباب ( و ربما لأنفسنا) أننا معذورون فى كوننا لا نشبهم و أننا لا يمكننا فى أى حال من الأحوال أن نشبه هؤلاء الشهداء و القديسون2- أنها تضع القداسة و الشهادة فى قالب جامد لا يتعدى حدود هؤلاء النماذج من الشهداء و القديسون الذين نعرفهم و لا تتعدى ظروف خارجية معينة بل و فى بعض الأحيان نتوهم أن الله قد إختار أناس معينين دون غيرهم و خصهم بهذه الميزات من قبل ولادتهم و بالتالى يتولد عندنا شعور بأن الله عنده محاباة و بالتعبير المصرى "له ناسه" و "عنده خيار و فقوس".و الخلاصة تكون بأننا إما نكتفى بحد معين نعتبر أنه مقبول فى حياتنا الروحية و الأخلاقية ، أو نقرر أن نبتعد عن الله نهائياً.شخصياً أميل للإعتقاد بأن الشهداء هم أشخاص طبيعيون جداً مثلى و مثلك:1- كان الشهيد جزءاً من عائلة يحبها و تحبه تماماً كما نحن: كانوا أبناءً و بناتً، إخوةً و أخواتً، أزواجاً و زوجاتً، آباءً و أمهاتً....و هم لم يكونوا متبلدى المشاعر تجاه عائلاتهم كما يتصور البعض ، فقد كان صعباًً عليهم أن يفكروا فى مصير عائلاتهم للمجهول من بعد انتقالهم من هذا العالم، كما كان قاسياً عليهم إلى أبعد حد أن يواجهوا خيانة أفراد العائلة لهم و أن يسلموا للموت بيد أقرب و أحب الناس إليهم. و لقد أدرك الولاة فى ذلك الزمان هذه النقطة جيداً، و استخدموا عائلات المعتقلين للضغط عليهم عاطفياً حتى يهزوا إيمانهم. و من أمثلة ذلك والد الشهيدة بربتوا التى كان يحاول والدها أن يثنيها عن إيمانها بدموعه و يذكرها بطفلها الرضيع الذى يحتاجها....و يقول فى ذلك العلامة أوريجانوس الذى عاصر الإستشهاد: "يصل عذاب الإستشهاد إلى أوجه حينما يقترن عنف الحراس بتوسلات الوالدين الرقيقة لتهز ثبات المسجونين..."2- كان لهؤلاء الشهداء حياة إجتماعية و أصدقاء و جيران و نرى هؤلاء الأصدقاء فى محاكمات هؤلاء الشهداء إما ينضمون إليهم فى إستشهادهم عاجلاً أم آجلاً إن كانوا مسيحيين، أو يحاولوا بطريقة ما أن يخلصوا أصدقائهم من الإعدام ، أو يكونوا فى بعض الأحيان هم السبب المباشر فى إعتقالهم! و لكن الخلاصة أنهم كانوا موجودين بطريقة أو بأخرى.3- و أيضاً مثلنا تماماً كانت لهم حياة عملية و مهنية بل و كانوا من مختلف المهن و الطبقات الإجتماعية : منهم من اشتغل بالسياسة (كالشهيد فيلياس أسقف و والى مدينة تمى)، مجنداً فى الجيش، صائغاً (كالشهيد مطرا)، و منهم من كانوا عبيد و إماء (كالشهيدة بوتامينا)"يبدو أنني قد استفضت في وصف أمور حياتي الخارجية في سباليرما، بقى أن نتطرق إلى ما هو أكثر أهمية: حالة النفس أي الحياة الداخلية. لقد كانت خاضعة لشيء واحد كما لو أن هناك مسمار ينخر الرأس أو كألم مبرح في القلب. السؤال هو: هل يتم اعدامي أم لا؟ كان هذا السؤال حاضراً بشكل مستمر ومعذِّب. مهما فعلت أو شغلت نفسي كان يعذبني على نحو متواصل. وأنا أعني كلمة يعذبني. كنت أبدأ بقراءة الإنجيل فكان يبلبلني بشكل يمنعني من فهم ما كنت أقرأ. لم أستطع قراءة الذهبي الفم لمدة طويلة. فقط استطاعت رسائله إلى أوليمبيا أن تشدّ انتباهي قليلاً. حتى في هذا، كنت أقرأ سطرين أو ثلاثة، وأعود لا أفهم ما أقرأ بسبب استسلامي للأفكار القاسية نفسها. وكنت أقرأ بلا استيعاب.4- و هم لو يكونوا متجردين من كل مشاعر إنسانية و أنهم أصبحوا أصناماً متبلدة أمام الظروف التى مروا بها. لا أجد أبلغ من كلمات الشهيد الروسى الجديد المتقدم فى الكهنة ميخائيل شيلستوف:
فقط حين كنت أصليّ كنت أتمكن من نسيان نفسي. يحدث بأن تشعروا أنكم مكسورو الخاطر، تجتاحكم كآبة لا حدّ لها ولا تستطيعون تفسيرها. ستبدأون بالصلاة، وستشعرون أنه بالرغم من هذا فإن قوى غير منظورة تجرّكم بعيداً ويسيطر عليكم عدم رغبة بالصلاة بشكل حاد. سوف تتلفظون بالكلمات لكن رأسكم يكون مسحوقاً بشكل مثير للجنون ولن يكون سلام في قلبكم. ستقرأون ولا تفهمون: ستقرأون كلمات الصلاة نفسها ثانية وثالثة وفي النهاية – وانتم تجبرون نفسكم بهذه الطريقة – ستتحررون من الذي يعذبّكم، سيحل السلام في نفسكم، وستنهون الصلاة بمزاج هادئ وحتى مفرح، لانكم وجدتم حلاً لهذا السؤال وستكونون جاهزين، حتى في تلك اللحظة، لمواجهة الموت. فقط في السجن اختبرت الاكتفاء والسلام الحقيقي والفرح في الصلاة ومنها. "
نخلص من كل النقاط السابقة أن هؤلاء الشهداء كانوا بشراً عانوا من كل ما نعانيه و شعروا بكل ما نشعر به و لم يكن لهم درع يحميهم من التجارب الجسدية و النفسية و الروحية التى ألمت بهم، بل إجتازوها كاملة و لكنهم صارعوها و انتصروا عليها بقوة واضع جهادهم الحقيقى ربنا يسوع المسيح الذى أحبهم حتى الموت و أحبوه هم بدورهم حتى الموت، بقوة صليب ربنا يسوع الذى أباد الموت و كسر شوكة الجحيم عنا و قام من بين الأموات ظافراً فى اليوم الثالث!
بقى أن نقول أن الاستشهاد هو دعوة عامة و ليست لفئة خاصة من المسيحيين: "من أراد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه و يحمل صليبه كل يوم و يتبعنى" (مر34:9)
" فإن كانت الشهادة تعنى أن نحمل الصليب مع المسيح – نأخذ الصليب بفعل قبول إرادى – و فى حملنا له نوحد آلامنا مع آلام المسيح و العالم كله – فعنئذ يكون هذا شىء ينبغى أن يقوم به كل مسيحى.
فالجميع هم حاملو صليب، الجميع، بمعنى ما هم شهداء. فساء دعينا أن نموت خارجياً لأجل المسيح فى ساحة الإستشهاد، أو فى غرف الغاز، أو فى معسكر السجن، فهذا يتوقف أساساً على عوامل خارجة عن سيطرتنا، أى يتوقف على الوضع السياسى الذى نعيش تحت حكمه. و لكن ما يتوقف علينا مباشرة، هو أن نحمل الصليب داخلياً. "(عن كتاب الملكوت الداخلى – للأسقف كاليستوس وير)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس




المفضلات