ثقافة مسيحية
شارة الصليب الأحمر تفتح الطريق داخل ساحات المعارك لمتطوِّعي الصليب الأحمر
الرحمة في الحروب
فكرة عن رؤية مسيحية
(كيف نشأت جمعيات الصليب الأحمر)

مؤسِّس الصليب
l في شهر يونية من العام الحالي (2009)، وبعد مرور 150 عاماً على بزوغ حركة ”الصليب الأحمر“، اجتمع حوالي 7000 متطوِّع من الحركة في مدينة ”سولفرينو“ بشمال إيطاليا، التي شهدت المعركة الحربية عام 1859، والتي حفَّزت ”هنري ديونانت“ للتفكير في إنشاء هذه الحركة. وهذه هي القصة الكاملة:
مقدِّمة:
كثيراً ما نقرأ عن جمعيات ”الصليب الأحمر“ ودورها في إنقاذ والدفاع عن حُسن معاملة الأسرى في أزمنة الحروب، وكذلك الجرحى وضحايا تحطُّم البواخر في البحر، والمدنيين الرازحين تحت احتلال العدو؛ كل هذا بالإضافة إلى حق رجال هذه الجمعيات في الدخول إلى مناطق الحروب. وإذا قرأنا ”اتفاقيات جنيف“ بشأن معاملة أسرى وجرحى الحروب، فسنجد أن وراء هذه الاتفاقيات رؤية مسيحية حقّاً، وإن كانت غير مُعلنة في هذه الاتفاقيات.
وإذا بحثنا عن أصل هذه الجمعيات وتلك الاتفاقيات، فسنجد أيضاً أن وراءها جندياً مجهولاً اسمه:
”هنري ديونانت“ (1828-1910م).
مَن هو هنرى هذا؟
تكتب الموسوعات العالمية أن ”هنري ديونانت“ أتى من عائلة سويسرية تقية مارست أعمال المحبة والخير. وقد تعثَّر هنري وهو طفل في تعليمه بسبب فقر أسرته، إلاَّ أنه نال جائزة ”حياة التقوى“ في المدرسة لأنه كان مُداوماً على الاستماع إلى العظات التي كانت تُلقى على الأطفال في المدرسة.
وحينما بلغ من العمر 20 عاماً (عام 1848م)، أسَّس مجموعة من الشباب عُرفوا أولاً باسم: ”اجتماع الخميس“، ثم فيما بعد باسم: ”اتحاد جنيف“، وكان هدفهم أن يكونوا ”أكثر نشاطاً في أعمال الخير والمحبة“، ولإشعال القلوب الفاترة في المحبة.
وبتوالي السنين، أظهر هنري مواهبه في تنظيم الجمعيات، بما في ذلك إقامة الجسور بين جماعته والجماعات المثيلة في أفكارها أينما كانت، مثل: ”اتحاد جمعيات الشبان المسيحية“، التي كانت قد تأسَّست في لندن عام 1844م.
وبدأت مواهب هذا الشاب تظهر وتنمو، إلى أن حانت الفرصة بعد سنوات، في ساحة المعارك الدامية التي حدثت في شمال إيطاليا.
المعارك الدامية في شمال إيطاليا:
ففي 24 يونية عام 1859م، توجَّه هنري في طريقه إلى إمبراطور فرنسا ”نابليون الثالث“ لأخذ تصريح منه للسماح له بسد إعواز أهالي الجزائر الفقراء ونشر الإنجيل بينهم؛ لكن لأن الجزائر كانت مستعمرة فرنسية وهو سويسري، فقد منعته السلطات الرسمية الفرنسية في الجزائر ولم تُعطِه التصريح اللازم بذلك. فعقد هنري العزم على الذهاب إلى الإمبراطور لحل مشكلته. وبينما هو في طريقه إلى فرنسا، صادف حادثاً مأساوياً مؤلماً: فقد كانت معركة دموية دائرة في ”سولفرينو“ بشمال إيطاليا من جانب الإيطاليين والفرنسيين الذين كانوا يحاولون معاً طرد القوات النمساوية من الأراضي الإيطالية المحتلة.
ففي صباح 25 يونية، كان الجنود الإيطاليون في هذه المعركة مُلقين في كل مكان، وكان يُقدَّر عددهم بـ 40000 جندي ما بين قتيل وجريح.
وفي المعارك الحربية في أوروبا في القرن التاسع عشر، كان جرح جندي بمثابة حُكْم بالإعدام عليه، ذلك لأن الجيوش آنذاك لم تكن مُزوَّدة بوسائل المواصلات الكافية لنقل الجنود الجرحى بعد العمليات الحربية. فكان الجنود يتعذَّبون من جراء جراحاتهم إلى أن يقضوا نحبهم.
كما أن القوات المتحاربة كانت تعتبر الأطباء والممرضات كمشاركين من الأعداء في الحرب، فكانوا هدفاً أيضاً للقتل. بالإضافة إلى ذلك، فلم يكن أحد يُساعد الجنود الجرحى من العدو، لأن الجندي الجريح المُلقَى على أرض المعركة يمكن أن يكون مُستخدماً كخدعة، فيُطلق النار على الطبيب الذي يحضر لكي يُسعفه. وكانت النتيجة أن الجرحى كانوا ينزفون حتى الموت، أو يُعانون من الجفاف فيموتون، أو يموتون من جراء الالتهابات الشديدة قبل أن يأتي أطباء لكي يُنقذوهم.
ورأى هنرى هذه المناظر بعينيه، ولم يستطع أن يحتمل. ولو كان غيره قد رأى هذه المناظر البشعة لهرب من الفزع. لكن هذا الشاب النابه رأى أنها فرصة لكي يستثمر مواهبه ومهارته في تنظيم الجماعات بأقصى جهد، بالرغم من مصادره المالية المحدودة. وفي الحال، اتصل بأهل المدينة ونظَّمهم، بحيث يُنقل الجرحى إلى البيوت، أو الكنائس، أو قلعة المدينة. وطلب معونة لشراء المواد العلاجية من نُبلاء المدينة.
أطباء عسكريون ألمان يُقدِّمون
الإسعافات الأولية على خط المواجهة
خلال الحرب العالمية الأولى
ومن الأمور المُلفتة للنظر جداً، أنه أقنع الناس أن يعتنوا - بالمساواة - بالجرحى من الأعداء. وكان شعاره (باللغة اللاتينية) Tuttifrate، أي ”الكل إخوة“ (وهي نفس كلمة المسيح: «وأنتم جميعاً إخوة» - مت 23: 8). وهكذا كان يُخاطب المتطوِّعين من أهل المدينة. وكانت مُظاهرة عارمة للمحبة المسيحية!
كتاب الأحزان:
وبعد المعركة، كتب هنري كتاباً صغيراً أسماه: ”ذكريات سولفرينو“ A Memory of Solferino. وقد نشر هذا الكتاب أهوال الحرب، بنفس الطريقة التي نشرت بها قبله عام 1852 ”هاريت بيشرستو“ المؤلِّفة الأمريكية أهوال الرقِّ والعبودية (الذي كان منتشراً في أوروبا في ذلك الوقت) في الكتاب المشهور: ”كوخ العم توم“ Uncle Tom's Cabin. وطبعاً لم تكن الحروب ولا الرقّ مخفية عن أنظار الرأي العام، لكن الكاتب صاحب الضمير الحيِّ هو الذي يستطيع أن يجعل القُرَّاء يتواجهون مع الحقيقة.
وكان ردُّ فعل كتاب ”ذكريات معركة سولفرينو“ نتائج مُذهلة. فالطبعة الأولى من الكتاب نُشرت في نوفمبر عام 1862. وفي فبراير 1863 (أي بعد 3 أشهر) أظهر المزيد من المتطوِّعين الرغبة في عمل شيء حاسم، مما أدَّى إلى تكوين لجنة من خمسة أشخاص لوضع الخطط لعمل شيء محدد. وفي أكتوبر 1863، استطاع هنري أن يجمع في جنيف 31 مندوباً يُمثِّلون 16 دولة لمناقشة الفكرة. وكان إطار فكرة هنري هو ”الحيادية“. فإذا أمكن أن يُعتَبَر الأشخاص المنتمون للهيئات الطبية كأطراف مُحايدين، فسوف يمكن معالجة الجرحى، وبالتالي يُنقذ الكثيرون من الموت. وكانت الفكرة محل نقاش، لكن هنري ديونانت ربح المعركة في ذلك اليوم.
واقترح أحد أعضاء اللجنة رمزاً لهؤلاء: صليباً أحمر على خلفية بيضاء (عكس العلم السويسري). على أن يُطبع هذا الرمز على سيارات الإسعاف، وعلى ساحات المعارك، ويمكن للأطباء والممرضين والممرضات أن يحملوا هذا الرمز على شارة تُعلَّق على أذرعهم.
وهكذا انتهى مؤتمر عام 1863 بالنجاح، ولكن كان ما يزال هناك احتياج إلى تأييد أوسع نطاقاً ومزيداً من الاتفاق الرسمي. لذلك تم التخطيط لمؤتمر للدبلوماسيين في صيف عام 1864.
وكان عام 1863، هو عام إطلاق إبراهام لينكولن (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق) إعلان تحرير العبيد في أمريكا، وسُرَّ هنرى ديونانت بالضربة الجريئة التي قضى بها لينكولن على الرقِّ في أمريكا. ومع رُعب الشركاء الأوروبيين من خطوة لينكولن، دعا هنري، بل ضغط على الرئيس الأمريكي، أن يبعث بمندوبين إلى المؤتمر. لكن لينكولن كان مرتبطاً بشدة باهتمامات سياسية أخرى، فلم يُرسل إلاَّ مراقبين للمؤتمر.
وكان من نتائج مؤتمر أغسطس 1864، أن وقَّعت 12 دولة على البنود العشرة التي تضمَّنتها اتفاقية جنيف الأولى. وقد ضمنت هذه الاتفاقية: ”حيادية سيارات الإسعاف والمستشفيات الميدانية في ساحات المعارك، والعاملين من الهيئات الطبية ومعدَّاتهم، وكذلك السكان المدنيين الذين يُساعدون الجرحى، بما فيهم الجرحى من الأعداء“، كذلك طلبت أن يُعالَج المُعتقلون من جروحهم وعمل الترتيبات اللازمة لذلك. كما تضمنت التزام الجيوش بالبحث عن الجرحى وتجميعهم لتسهيل علاجهم. كما تحدَّد ”رمز الصليب الأحمر على أرضية بيضاء كرمز دولي للحماية وللمعونة المحايدة في أزمنة الحرب“. هذا هو مُلخَّص بنود الاتفاقية.
وبحلول نهاية عام 1867م، كان عدد الدول المُوقِّعة على الاتفاقية 21 دولة.
”الصليب الأحمر في أفغانستان“
ممرضة تابعة للجنة الدولية تعتني
بمولود جديد في القسم المخصَّص
لطب الأطفال في المستشفى
الإذلال، ثم الإكرام:
هذا النجاح كان أعلى قمة في حياة هنري ديونانت، التي سرعان ما تدهورت إلى الحضيض. لقد كانت حملاته الخيرية الإنسانية قد شتتت هنري عن مصالحه الشخصية وأعماله التجارية. ولسببٍ أو لآخر، أُصيبت أعماله المالية بالإفلاس، وقامت بتوبيخه محكمة القضاء المدني بسبب خسائره والكوارث التي حدثت له. واتُّهم هنري بأنه خدع شركاءه، ونُشر هذا الحُكْم في الجرائد السويسرية.
وحينما بلغ هنرى من العمر التاسعة والثلاثين، أي بعد 8 سنوات من معركة ”سولفرينو“، كان قد خسر كل شيء، وفَقَدَ هويَّته كمواطن في جنيف، وأُشْهِرَ إفلاسه ووُسِمَ علناً بأنه كان السبب في كوارثه المالية، وأسوأ من كل هذا، فإنه فَقَدَ مركزه في الصليب الأحمر في جنيف!
لقد كان ”الإفلاس“ مُعتَبَراً أنه عار كبير في جنيف في ذلك الزمان، وبالرغم من أن هنري تعهَّد بأن يعمل كل جهده ليُسدِّد كل ديونه؛ إلاَّ أن الكثيرين من أصدقائه لم يُسامحوه في ديونهم عليه. وبسبب كل هذا الإذلال، غادر هنري ديونانت جنيف إلى الأبد.
وتوجَّه هنري إلى باريس، وظل نشطاً في قضاياه الإنسانية. ولسوء حظه، فإن أيّاً من مشاريعه المالية لم يكن قد صادف نجاحاً، واستقرَّ به الحال أخيراً إلى الفقر المُدقع. وبدأ هنري في التجوال، ذهاباً وإياباً، ما بين باريس وتريستا (بإيطاليا) ولندن وشتوتجارت وكورفو وجزر الوايت، وبلدان أخرى في ألمانيا.
وأخيراً في يولية عام 1887، عاد إلى سويسرا ”مريضاً، رث الملابس، وعجوزاً“، واستقر مقامه في قرية على الجبل في هايدن. ومن مكانه الريفي هذا كتب رسائل لمعارفه القدامى مُحاولاً أن يُعيد تأهيل نفسه، ولكنه قوبل بالقليل من النجاح.
لا شكَّ أن العالم كفَّ عن السماع عن هنري ديونانت مرة أخرى، لولا أن صحفياً صعد على الجبال القريبة من هايدن. وفي حديث غير مقصود، سمع هذا الصحفي عن رجل عجوز يعيش في مستشفى في قرية هايدن، يدَّعي بأنه مؤسِّس حركة ”الصليب الأحمر“. وبحاسته الصحفية، وجد مادة خصبة في خبر جيد يمكن أن يكتبه في جريدته؛ فأخذ موعداً من هنري ليُجري معه حديثاً صحفياً.
وكان من نتيجة نشر هذا التحقيق الصحفي أن أحيا موجة من الالتفات إلى هذا الحالم المسيحي، ثم بدأ إرجاع الكرامة له والاعتراف به مرة أخرى.
وكان الإكرام الرئيسي لهنري ديونانت عام 1901، حيث نال أول جائزة نوبل للسلام، بالاشتراك مع شخص آخر هو ”فريدريك باسيه“ مؤسِّس أول منظمة فرنسية للسلام.
لقد كان التكريم الذي نتج عن نوال هنري ديونانت جائزة نوبل للسلام، هو البلسم الذي أبرأ مشاعر الإذلال العميق لدى هنري، بالرغم من أنه لم ينفق ولا مليماً واحداً من المبلغ المالي المتحصِّل من جائزة نوبل؛ بل بالعكس، ترك وصية بهذا الإرث للأشخاص الذين اعتنوا به في هايدن، كهبة لإنشاء غرفة مجانية في مستشفى لفقراء هايدن، ومبالغ أخرى لجمعيات خيرية في النرويج وسويسرا.
لقد عاش هنرى ديونانت كإنسان مسيحي حتى النهاية.
(عن: Christianity Today)
المفضلات