*في الحسد*
الحسد هو كما قال يوحنا الدمشقي في كتابه في الايمان " حزن الانسان وتوجعه من خير قريبه محتسبا ذلك الخير ضررا لنفسه" وبالحقيقة ان الحسود يعتبر خير الاخر شرا لنفسه كأن هذا الخير يخفض مقامه ويقلل منفعته وكذلك يفرح الحسود في شر قريبه معتبرا هذا الشر فائدة له قال ارسطوتاليس : قد يتعبد للحسد قسمان من الناس اولهم اصحاب المجد الباطل الذين يؤثرون ان يذيع صيتهم ويحصلوا على شهرة ومن ثم لا يطيقون ان يفوق عليهم احد بل يغتاظون اذا اشتهر غيرهم بالاسم الحميد معتبرين ذلك اهانة لهم والقسم الثاني هم الجبانون الذين يستعظمون الاشياء فيحسبون ان خيرهم ينقص بخيرات الغير ويحزنون لخير قريبهم. الحسد بحد ذاته اثم عظيم لانه ضد المحبة التي من شأنها ان تفرح بخير القريب وتحزن لشره.
قد يمكن ان يحزن انسان لسعادة غيره خوفا من ضرره او ضرر احد غيره فهذا الا يكون خطيئة على راي غريغوريوس الديالوغس الذي يقول في الفصل الحادي عشر من الكتاب الثاني والعشرين من مؤلّفه في الاداب ما يلي: قد يمكن ان نفرح لمضرة العدو ونحزن لسعادته دون ان نقع في خطيئة الحسد ولئن كان التأثر تأثر حسد ثم اننا كثيرا ما نحزن لا بسبب خير الناس بل لكوننا نرغي الحصول على مثله فهذا يسمى غيرة والغيرة في الامور الروحية ليست بخطيئة واما في الامور المادّية فيمكن ان تكون وان لا تكون خطيئة تبعا للغاية المقصودة واما اذا اغتظنا من سعادة الناس الاردياء الاشقياء فخطيئة لان ما كان من الله يجب ان نعتبره حسنا لانه عزّ وجلّ صنع كل شيئ بحكمة وعقلنا يعجز عن ادراك لجة حكمته فان احكام الله لجة عميقة واما الحسد الاشر فهوان يحزن الانسان لاجل مواهب الهية حصل عليها قريبه فهذا يكون خطيئة ضد الروح القدس ثم من الحسد تتولد خمس خطايا اولا البغضة. ثانيا الوقيعة اي الكلام في حق المحسود سرّا. ثالثا المذمة او شجب مزايا القريب جهارا. رابعا الشماتة اي الفرح في مضرة او اهانة القريب. خامسا اللآمة اي الحزن لخير القريب مقرونا باضمار السوء ضده وكثيرا ما يتولد الحزن في قلب الانسان على البديه بدون ارادته وهذا لا يكون حسدا فيتفق مثلا ان نسمع قوما يمدحون انسانا من حيث حكمته وعلمه او غناه او سعته فللحين نشعر بحزن داخلي وهذا ليس بايثارنا بل من انفعال طبيعتنا المائلة الى الشر فان رفعنا للحين هذا التأثير من فكرنا نكون صوّبناه نحو الفضيلة لان الخطايا تبدأ من هذه التأثيرات الاولى وان لم نصدمها من اول الامر فتقوى علينا ومن ثمّ يعسر علينا دفعها واما اذا اغتظت طوعا من مديح القريب فحينئذ تسقط في خطيئة الحسد بلا محالة فاهرب ايها الاخ من الحسد الذي هو اب القتل لان مآثم كثيرة وميتات ظالمة نتجت عنه فمن حسد المحال دخل الموت الى العالم واصاب الجنس البشري بمخالفة آدم. من الحسد قتل قايين اخاه. الحسد حمل اخوة يوسف على ان يقتلوه في الجب ليميتوه. بسبب الحسد أسقي سماّ اسكندر المكدوني وغيره من مشاهير الملوك وشجعاء القوم وافضل العلماء ومعتبري الناس واغنياءهم بل سيد الملائكة والبشر المحسن الينا جميعا سلم الى الصلب والموت حسدا من رؤساء كهنة وكتبة اليهود وطالما سبب الحسد القتل علىانحاء مختلفة لكثيرين من الناس. فاهرب من الحسد كمن سم مميت للنفس والجسد ولقد اصاب الذهبي الفم بتشبيهه الحسد بالنار التي لا تطفأ لان الحسد يعدم الانسان سلامته ويصيره مكتئبا مضطربا ثائرا على قريبه. الحسد هو جلاّد يعذب الانسان باساليب مختلفة. التعظم ومحبة الذات والداه الشيطان معلمه ومضرة القريب مهنته الا انه ذلك قبل كل شيء يضر صاحبه لانه يؤذي النفس ويضعف القوى وينحل الجسم ويضغط القلب ويسلب العافية واخيرا يفني الانسان بجملته وكما ان السوس او العث يفني الثياب الثمينة هكذا الحسد يفني الحسود فتدبّر.
فادفع عنك هذا الداء ان كنت تود ان تحظى بالنعمة الالهية ولكي تتمكن بمرغوبك يجب ان تفرح لسعادة اخوتك كما توعز لك المحبة التي اوصى بها الرب والتي مآلها منفعتك الخاصة. قال فم الذهب ان فضيلة المحبة لعجيبة وعظيمة لانها من غير ان تغتصب احدا تربح كل شيء وتستخصه لذاتها. فحرض نفسك اذن على محبة القريب عالما اننا جميعنا من حيث الجسد اخوة من اب واحد هو آدم وأم واحدة هي حوّى وبحسب الروح مفتدين بالدم الكريم دم مخلصنا وفادينا الذي أهرق على الصليب المحيي ولنا كنيسة واحدة وايمان واحد ومعمودية واحدة ورجاء واحد رجاء السعادة والغبطة التي بموجبها خير الواحد يكون مشاعا للجميع فلا محل اذا للحسد بل يجب علينا ان نفرح مع المفرحين ونحزن مع المحزونين وان استبان لك مستغربا ان تحب غريبا لم يحسن اليك قط بشيء فاذكر انك كنت اقل استحقاقا منه ومع ذلك قد احسن اليك الرب باحسانات غزيرة ولا يطلب عنها شيئا سوى ان تحب قريبك وان احسنت لذلك الغريب فيقبله الرب لخاصته مع انه مبدعك ومخلصك فلتكن اذا لك المحبة لتغتنم فوائدها والا فبالحسد تضر نفسك لا غير. لكي تنجوا من سم الحسد استسر بمقتضى الناموس الطبيعي التالي وهو " ما تغضبه انت لنفسك لا تصنعه لغيرك" اي الشي الردي الذي تريده لنفسك لا تعلمه لاخيك فكما انت لا تريد ان يحزن غيرك لفرحك ويفرح لمصابك كذلك لا يليق بك ان تحسد قريبك في سعادته وتفرح لمضرته وان استسرت بخلاف ذلك كنت من الجاهلين العديمي افهم والعقل والحق هو ان الحسود لا يمكن ان يعدّ مع العاقلين لانه ما يريد مضرة نفسه سيمّا اذا تأكد ان بذلك يضر قريبه لقد ورد في تواريخ اليونان ان ملكا من الملوك اراد ان يجرب طبع الحسود والبخيل فامر واستحضر لديه رجلين احدهما حسود والآخر بخيل وقال لهما فليطلب احدكما مني ما يشاء لاعطيه بفرح ولكن على شرط ان يأخذ الثاني منكما ما يطلبه الاول مضاعفا فتحاورا كثيرا ولم يتّفقا على شيء اذ لم يرتض احد من كليهما ان يطلب شيئا اولا كي لا يأخذه الثاني مضاعفا حينئذ امر الملك ان يطلب الحسود اولا فطلب ان يقلع عينه وذلك لكي تقلع عينا رفيقه الاثنتين ففضل الضرر لنفسه من حسده على طلب الانعام من الملك كي لا يحصل عليه رفيقه مضاعفا أرأيت الى اية درجة من العماوة والرداوة يتصل الحسود فاهرب ايها الانسان من هذا الوحش القتال وصلّ الى الله من اجل من تحسده واثني عليه امام الناس وان امكنك احسن اليه ولو قسرا عنك لانك بقسر ارادتك هذه تحظى على موهبة المحبة وبه تنجو من الحسد المضر الذي لا فائدة لك منه اصلا.