الصوم زمان الفقر. أيا كان أمرنا مع القاموس نستعمل لفظة الفقير ولفظة المسكين مترادفين. على ضوء هذا أقول إنّ الفقير هو الذي عنده حاجة لا يصل اليها. والحاجة إن تعسّرت تُوجعك. وحيث لا وجع لا حاجة. لهذا كان الناصري الذي توقّع آلامه هو نصير الدائمين في الحاجة أي الواقعين تحت لعنة الدهر، المقصيّين عن انتباه الميسورين، المرميّين خارج الإشفاق وبخاصة خارج المحبة. انهم الطوافون على الأبواب اذا تسوّلوا أو الباكون على حرمان أطفالهم من العشاء أو الفطور وأعرف عن بعضهم أنه كان يُغمى عليهم في الحرب في إحدى مدارس بيروت اذ لم يجد لهم ذووهم لقمة عيش في بعض أحوال الضيق.
انهم أذلّة ولو جاءتهم صدقة لأن الشعور بالمحرومين كثيرا ما لا يرافق العطاء. هؤلاء كما أصفهم هم المحكيّ عنهم في الإنجيل. ويسوع الذي كان منهم يسمّيهم إخوته الصغار، ونحن نعرف أنه هو وتلاميذه كانت بعض التابعات له يتصدّقن عليهم. وكانوا يأكلون من السمك الذي يتيسّر لهم من بحيرة طبرية ولست أرى دخلا آخر للجماعة. وربما كان بعض مناصري يسوع يتصدّقون عليه أيضاً اذ كان بين تلاميذه من يتولى الصندوق وهو يهوذا الإسخريوطي. نعرف أن من كان عندهم أموال هم الصدوقيون. اما باقي الشعب فكان وسطيّ الحال أو دون ذلك بكثير.
في هذا الوضع كان للناصري تعليم عن الفقر واضح وتاليا عن الغنى. هناك كلمات على الأغنياء تبدو قاسية. هل هي صورة عن الصدوقيين الذين ما كانوا يؤمنون بالقيامة وكانوا عملاء للاستعمار الروماني. أدنى درجات خلافهم مع السيد انه هو كان يؤمن بالقيامة. والولاء للرومان كان بلا ريب خروجا عن الأمّة. غير أن الأهم من كل ذلك أن كان ثمة المعروفون بالفقراء الى الله وتقديرنا أن مريم كانت منهم وأن زكريا أبا يوحنا المعمدان (او يحيى) كان أيضاً منهم وزوجته أليصابات كانت نسيبة لمريم. هؤلاء وصحبهم كانوا مقصيّين عن الذوات في إسرائيل.


• • •

بغضّ النظر عن كل هذا التأمل التاريخي، يمكن إيجاز فكر المسيح في موضوع الغنى أنه خطر على صاحبه لكونه شهوة جامحة قلّما يستطيع صاحبها أن يتحرّر منها أو لا يقدر على ذلك بقواه الشخصيّة. ويتمكّن من السيطرة على نفسه اذا استولى الله عليها. المطرح الكلاسيكي هو حديث يسوع مع شاب غنيّ حفظ شريعة موسى كلّها وسأل السيد بعد هذا "ما يعوزني؟". أجابه يسوع: "اذا أردتَ ان تكون كاملا فاذهب وبعْ ما تملكه ووزّع ثمنه على الفقراء وتعال اتبعني" (متى 20:19 و21). لست أعتقد أن المسيح يريد لنفسه فئة كاملين وفئة غير كاملين. ليست هي توصية الكمال الرهبانيّ كما ذهب بعضهم اذ لم يرد حرف واحد على الرهبانية في الأناجيل الأربعة. عندي أن القول موجّه الى الشاب بالذات الذي كان تعلّقه بالمال يمنعه من أن يكون كليا لله. مُلك هذا الشخص كان يمنعه من أن يلتصق بيسوع. لذلك قال له اتبعني. المعنى أنه يجب أن نقطع من ذواتنا كل ما يحول دون اتّباع الرب بصورة كاملة.
بعد هذا يصل يسوع الى تعليم يتجاوز هذه المقابلة فيقول لتلاميذه: "الحق أقول لكم يصعب على الغني أن يدخل ملكوت السموات". استعمل فعل صعب وليس استحال فأكمل فكرته بقوله: "مرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغني ملكوت الله". صعب جداً على الغني دخول ملكوت الله لأنه يتّكل على ماله. يظن ان ماله يخلّصه. غير ان التلاميذ لما تعجبوا من هذا القول قال لهم: "هذا شيء غير ممكن عند الناس، اما عند الله فكل شيء ممكن". السؤال الذي يطرح نفسه هو هذا: هل يصنع الرب أعجوبة فيخلّص الغني المتمسك جداً أو كلياً بماله ولا يفعل شيئاً للناس؟ السؤال التالي هو ماذا يعمل الغني لينقذه الرب من الجشع، من عشق الفضة كما نقول في بعض صلواتنا؟
المقطع الذي لا يقل صعوبة عن الحوار مع الشاب الغني قول السيد في متى ايضًا: "لا تجمعوا لكم كنوزًا على الأرض... بل اجمعوا لكم كنوزا في السماء... فحيث يكون كنزك يكون قلبك" (19:6-21). أين يكمن الخطر؟ كسب المال عملية تستغرق قوى الإنسان وتقوده بسهولة الى نسيان الله. هناك خطر البخل والاستعلاء والاعتداد بالنفس القادرة على الربح. إغراء الأغنياء أن يتصوروا حذقهم طريقا الى الكسب الكبير. ينسون الإخاء الذي يأمر بالعطاء. ينسون الموت.
هناك اغنياء في الإنجيل ربحوا الملكوت مثل زكا العشّار، نيقوديمس، يوسف الرامي.
عندنا كلمة اساسية في متى وهي "محبة الغنى" (22:13). لعلها مفتاح هذا البحث كله. مقابل الغنى لا يرد كثيرا على لسان يسوع الدعوة الى تبديد المال على المساكين. يقابل عنده غرور الغنى الاستغناء بالله. غير أن تعليمه الجارف عن محبة القريب أي كل انسان يسوق الى العطاء. ولم يكن ليسوع ان يتوسع في موضوع العطاء الذي كان كثيرا ما ورد في المزامير واشعياء وبقية الأنبياء. يسوع لا يوازن بين البخل والإحسان لكنه يوازن بين عشق المال وعشق الله والباقي يأتي زيادة.


• • •

يأتي بولس بعد السيّد ويهتم بجمع مال من الدنيا كلها لفقراء أورشليم ويتحدّث عن المشاركة. واذا تابعنا ما جاء في رسالة يوحنا الأولى الجامعة عن أن الله لا تعامله إلا كما تعامل الإنسان الذي تراه، نفهم أن الفكر الجامع الذي انبثق من يسوع الناصري شاع عند أتباعه ومفسري كلمته ولا سيّما عند الآباء القديسين مثل باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم القائلين بأن الإنسان لا يملك شيئاً بل هو مؤتَمَن على ملك الله الذي في يديه. بكلام أوضح، التعليم عن الفقر والغنى لا نستكمله الا اذا تتبعنا الخبرة المسيحية في العطاء مبنية على إقامة المؤسسات التي شُيّدت لخدمة الفقراء وعلى تعاطي بعض المؤمنين وأوّلهم الرهبان الفقر الاختياري الكامل حيث لا يملك أحد فلساً واحداً.
لا يمكن فهم التراث المسيحي في هذا المجال الا في هذا أن الرب يريد نفسه حبيبا واحدا لك. ليس انه يريدك جافّا أو فاترا مع زوجتك وبنيك وبناتك وأصدقائك ولكن كل هذه المودات وان وجب ان تكون قوية ليست الحب المطلق وفي هذا في الإنجيل كلام كثير.
البنية الأساسية في المسيحية هي انكم جسد المسيح أي قائمون في التماسك الكامل والتعاضد المستمر واذا كنتم جسد المسيح فالإخوة أعضاء فيه أفرادا وما لي هو لك وما لك انت مدعوّ لخدمتي به ولستُ مخوّلا ان أسرقه لكونك أخي. جماعية المُلك هي الأمر الإلهي وانت هالك إن لم تنفّذها بما يوجعك. اما اذا بقيت متكلا على ما عندك ومستريحا جدا لما عندك فهذا فيه عطاء قليل لا يخلّص نفسك ولا يستريح الفقير به.
هذا لم يوضع له ميزان أو نسَب أو حصص. هذا ليس متروكاً لتقديرك الدنيوي. انه متروك لحبك الكبير الذي لكونه لقاء الإخوة يصير لقاء الله. وانت تخلص اذا رأيت وجه الله. وهذا لا تراه الا في المريض والحزين والفقير والمعزول والمهمّش. ان تذوب في كلّ هؤلاء مهما كلّفك الأمر قد يوصلك الى أن تشعر بأنك ممحوّ من دنيا الكبار والنافذين والفاهمين مصالحهم بحيث يحسبونك على شيء من الهبل.
هذا وحده يوصلك الى رؤية الحقيقة.

المطران جورج خضر