عندما ننظر الى أيقونة البشارة تستوقفنا حركة الملاك فيها. فهو يتقدّم نحو العذراء بخطوات سريعة، دلالة أنه على عجلة من أمره لإبلاغ الخبر. وهل يمكنه التباطؤ؟ ما هو يا ترى هذا الخبر؟ وما هو سر هذه البشارة؟ ولماذا أصلاً دعي بعيد البشارة؟
الجواب الأمثل لهذه الاسئلة هو ما ترتلّه الكنيسة في هذا العيد: "اليوم رأس خلاصنا وإعلان السر الذي منذ الدهور، فإن ابن الله يصير ابن البتول، وجبرائيل بالنعمة يبشّر، فلذلك ونحن معه لنهتف نحو والدة الإله: إفرحي أيتها الممتلئة نعمة الرب معك". فإذا تمعّنا في كلمات هذه الطروبارية وجدنا ان جوهر عيد البشارة هو في صيرورة الله انساناً لأن بقبول العذراء بشارة الملاك بملء حريتها إتحدت الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية لنشاهد بعد تسعة أشهر مولوداً جديداً هو الرب يسوع الإله المتجسّد السائر نحو الصليب والقائم من بين الاموات أي الفادي المخلص، من هنا ترتّل الكنيسة "اليوم يولد من البتول" على لحن "اليوم علّق على خشبة".
فالعيد اذاً هو عيد سيّدي بامتياز وليس عيداً يتعلق بالعذراء مريم فقط دون الجوهر. فلا معنى اذاً أن نبحث عن نقاط تلاقٍ بين الاديان عن تكريم العذراء مريم ونتغاضى ان المسيحية لا يمكن أن تقبل ولا بأي شكل من الاشكال بأن المسيح مخلوق، لأن هذا يضرب المفهوم الخلاصي بأكمله لأن المسيح يسوع هو إله من إله ونور من نور مولود غير مخلوق ومساو للآب في الجوهر، كما نعلن ذلك في دستور إيماننا. ومن غير المقبول أن نميّع هذا الموضوع باسم التلاقي لأن محبتنا الوطنية والانسانية لبعضنا بعضاً شيء والايمان شيء آخر. فماذا تريد المسيحية من إله بقي في سماواته؟ وهل توجد محبة أعظم من أن يكون الخالق أصبح انساناً ليشاركنا انسانيتنا دون الخطيئة ويرفعنا معه الى العلى؟ فبتجسّد الله اصبحنا نحن مواطني السماء. وليس صحيحاً ان هناك مسيحيين قالوا ان المسيح مخلوق، هناك مسيحيون أساقفة وكهنة وعلمانيون سقطوا من المسيحية منذ العصور المسيحية الاولى لأنهم وقعوا في الانحراف الايماني واعتبروا هراطقة والمجامع المسكونية تشهد على ذلك. فالايمان الذي أعلنه الله بتجسده هو الايمان الحقيقي وليس ضعف الانسان في عدم إدراكه بالحجج العقلية المحدودة وليس من محاباة في هذا الموضوع.
وعودة الى الطروبارية نقول "أن اليوم رأس خلاصنا" أي اليوم تتحقق النبوءات، فعبارة ابن الله تقابلها عبارة ابن الانسان، وهذا يعني صاحب الطبيعة الإلهية أصبح بولادته من العذراء صاحب طبيعة بشرية كاملة، فالمفردات والتعابير يجب أن تُفهم باللاهوت المعاش وبالخلاص والفداء. فعيد البشارة يحمل عنوان عيد من أفرغ ذاته آخذاً صورة عبد لأن الله ظهر في الجسد، وهذه خصوصية مسيحية صرف، فالعذراء عند المسيحيين هي والدة الإله وهذا ما هو مكتوب على أيقونة البشارة، ولا يمكن الاقتراب من هذا العيد او من الرب يسوع او من العذراء نفسها في أي إطار آخر. فحبذا لو يصبح هذا العيد عيد بطالة لكي يتسنى للمؤمنين تعييد للسر الذي كُشف منذ الدهور، مع الحذر الشديد من الوقوع تحت عنوان العيش المشترك في تمييع المفردات اللاهوتية او تحريفها، لأنه اذا لم نختلف على طبيعة المولود ضاعت المسيحية من اساسها، لأن وحدانية الايمان المسيحي تأتي أولاً مما نرسمه على أجسادنا ونحن نقول باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
الأب اثناسيوس شهوان- جريدة النهار 05.04.2009
الأب اثناسيوس شهوان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات