التمجيد لغَةالأرثوذكسيَّة
( البروفسور قسطنطين سكوتاريس)[FONT='Times New Roman','serif'][/FONT]
الجزء الاول
[frame="4 95"]
لسنوات عديدة، شكّلت مسألةِ اللاهوت، بطبيعَتُها ووظيفَتُها وطريقَتُها ولغَتُها، مادةً للدراسة والتفسير والبحثِ والاستطلاعِ، عند عَددٍ كبيرٍ من العلماءِ الأرثوذكسيينَ وغيرهِمْ من علماءِ التقاليدِ المسيحيَّةِ الأخرى.[FONT='Times New Roman','serif']
فمن ناحية ما، يمكن النظر إيجابيّاً إلى هذا الأمر، لكن من ناحيةٍ أخْرى يظْهر أنَّ اللاهوتَ في الوقتِ الحاضِرِ هو بالإجمال في حالةِ أزمةٍ، وإلى حدٍ ما في حالةٍ من التشوّش. كثيراً ما تتميَّزُ تأمُلاتنا اللاهوتيّة المعاصرة إمّا بشعورٍ من الإكتفاءِ الذاتِيّْ أو بالإنفتاحِ المصطنَعْ. فالأوَّلُ يتجلّى في تردادِ هو نوعٌ من الإلتصاقِ المحافظِ بالماضي. والأخيرُ يُشَكِّلُ نوعاً من التأمُّلِ المعاصِر، النظريّ والدينيّ. لا يستطيع أيُّ مراقبٍ عاقلٍ إنكار وجودهوَّةٌ واسعَةٌ في مِنْظارِنا اللاهوتيِّ بين الجماعةِ التي نسميها "لاهوتيَّةِ" (الأكاديميّة أو العلميّة أو النظريَّة) وبينَ الإهتماماتِ الكنسيّةِ الرِعائيَّةِ لدى المَسؤلينَ عن سلامةِ شعبِ اللهِ الروحيّة. غالباً ما يُفتَرى على العملُ اللاهوتِيُّ والمسؤولية الرِعائيَّةُ، فيُعالَجا كمهمتينِ مختلفتين.
بالطبعِ، لستُ أرغَبُ في أن أكونَ مُشَكِكاً أو سلبيّاً تُجاهَ إجتماع على مستوى المؤتَمَرِ العالميِّ الثالثِ للمدارسِ اللاهوتيّة الأرثوذكسيَّة، ولكن يتراءى لي أنَّ من الضروري مواجَهة الحقيقة حتّى لا نبني قصوراً في الهواء. مهم جداً أن نُدركَ أينَ نقِفُ وماذا نُمَثِّلُ، حتى يكون بحثنا صادقاً وواضحاً وبنَّاءً.
أوَّلَ سُؤالٍ متعلّق بموضوعِ البَحْثِ يجب طرحه على الشكل الآتي: ما هي أهميَّةُ التمجيد، الذي هو لغة الأرثوذكسيَّة، في عصرنا؟ ماذا يعني تمجيد الله في واقعنا المعاصر؟ المسألَةُ هي: هَلْ نملِكُ رؤيةً واضحةً تكفي لفهمِ ماهيّة اللاهوتُ التمجيديُّ، في زمنٍ أضحت فيه عقولنا مظلمةالى حدٍ بعيد، ووعينا اللاهوتيّ والكنسيّ، في أغلب الأوقات، دنيوي أو مشوّش؟ يقتضي الجواب على هذا السؤال الهدوء والصدق والصراحة والوضوح.
فمن وجهةِ نظرِ آباء الكنيسة، إنَّ تمجيد الله هو جوهرُ الحياة المسيحيَّة. لهذا، موضوعنا حيويّ وضروريّ، ويتطلَّبُ تفكيراً دقيقاً وانتباهاً كامِلاً. نحن لا نناقشُ أمراً لمجرَّدِ التأمُّلِ بمُعْضِلَة فلسفيَّة. كما أننا لسنا نبحثُ في مسألَةٍ جدليَّةٍ ولا حتَّى في نهجٍ لاهوتيٍّ بسيط. بالأحرى نحن نبحثُ في حقيقة مرتبطة مباشَرَةً بالإيمانِ والمحبَّةِ والشركةِ معَ الذي مِنْ لَدُنِهِ تنحَدِرُ "كلُّ عطيَّةٍ صالِحةٍ وكل ّموهبةٍ كاملةٍ" (يعقوب 17:1). عندما نتكلَّمُ عن تَمجيدِ الله، نحن مُلْزَمون بتناولَ القلبَ الذي هو كيانُ الفهمِ المسيحيّ والحياةِ المسيحيَّةِ عينها. بالطبعِ، عندما نتحدَّثُ عن تمجيدِ الله، نقترِبُ من قلبِ اللاهوت الأرثوذُكسيّ.
قبلَ متابعةِ بحثِ الموضوع الذي نحنُ بصددهِ، من المناسبِ أن ندرُسَ التعابير التالية: "تمجيدِ الله"، "اللاهوت" و"الأرثوذُكسيَّة". إذ في الحقيقةِ، يتداخَلُ معنى هذه التعابير الثلاثة في كتابات الآباءِ اليونان بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وغالِباً ما تُسْتَعْمَلُ هذه التعابير بالتبادل، أحدها مكان الآخَر. إنَّ عبارةَ "تَمجيدِ الله" تعني "حديثاً بعيداً عن المجد". ولكنَّ المجدَ، في نهاية المطاف هو الله نفسَهُ أي، بلُغَةِ القديس يوحنّا الذهَبيِّ الفَمْ، "المجدُ الثابِت".
إنَّ اللهَ هو المجدُ المُطلَقْ. إنَّهُ المجدُ والكمالُ عينُهْ، بحسَبِ القديس ابيفانيوس. على هذا النحو إنَّ التعبيرين "تمجيدُ الله" و"اللاهوتُ" يصفانِ حقيقة واحدة. إنَّ عبارة "تمجيدِ الله" هي الحديث عن المجد، أي عن الله. وهكذا فالعبارتان: "تمجيدُ الله" و"اللاهوت" متشابتهان. وقد عبَّرَ أوريجانُس عن هذا التشابُهْ بشكلٍ كاملٍ، في كلامه عنِ الصلاة، مُعَلِّقاً على ما جاءَ في متَّى 6:7، ومحذَّراً المسيحيين أن لا "يُكرروا الكلامَ باطِلاً" ولكن أن يتكلَّموا لاهوتيّاً أي أن ينسبوا المجد الى الله.
فضلاً عن ذلِكَ، منَ المعروفِ أنَّ أوريجانُسْ استعملَ عبارَةَ "التكلُّمَ لاهوتيّاً" لكي يشير الى تمجيدِ الله مرات عديدة. فعبارتا "اللاهوت" و"تمجيدُ الله" ترِدان في العديد من كتاباته بالتبادل وبالتساوي. وابتداءً َمن أوريجانس، خاصةً في التقليد النُسكيّ، أصبح تشابه عبارتا "اللاهوت" و"تمجيدُ الله" قائماً بذاتهِ وأكثرَ وضوحاً. "إذا كُنْتَ لاهوتيّاً أنتَ ستُصَلِّي في الحقيقة، وإن أنتَ صليّتَ في الحقيقة، فأنتَ لاهوتيّ": هذه الكلمات المعروفة لأفغاريوس هي خلاصة ما ذكرناه.
من جهةٍ ثانية، لا تُشيرُ عبارةَ "الأرثوذكسيَّة" فقط إلى مُجرَّدِ الرأي أو الإيمانِ المستقيم (الصحيح)، على أنه منافٍ للهرطقة، بل أيضاً الى التمجيدِ الصحيح. وبكلام أكثر دقَّةٍ، إنَّ التمجيدَ الصحيح يحوي الإيمان الصحيح والطريقة الصحيحة التي تعبِّر عنه. هكذا تكون الأرثوذكسية، كتمجيد صحيح لله أو تمجيدَ الله، أكثر شمولاً منها كإيمانِ مستقيم.
في هذا الخصوص،منَ المُمكنِ أن نضيف أنَّالتقليد العقائديّ، بحسَبِ المفهومِ الأرثوذكسي، ليس نظاماً عقلانيّاً محضاً. لكنَّهُ بالأحرى مُرتبِط بشكلٍ وثيقٍ بالعبادة. إنَّ العقيدة تصبح، ضمنَ الجماعةِ المتعبدّة وعلى ضوء الحياة الليتورجيّة لهذه الجماعة، "حقلاً منَ الرؤيَة، حيثُ جميعُ الأشياءِ التي على الأرض تُرى من خلال علاقتها بالأشياءِ التي في السموات".
[/frame][/font]
[frame="9 95"]
+ عنوان النص الأصلي "[FONT='Times New Roman','serif']Doxology, the Language of Orthodoxy". عربته سعاد رزوق وراجعه الأب أنطوان ملكي وقام بتجهيزه على الكومبيوتر ماهر سركيس.
[/frame][/font]
المفضلات