اختطفه الفصح في يوم وداعه
"وأما رأس الكلام فهو أنّ لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس عن يمينعرش العظمة في السماوات خادما للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لاإنسان".
(
عب8: 1- 2)
[frame="3 80"]
أمس الاول اختطف الفصح في يوم وداعه المطران بولس بندلي، وفيالاساس كان وجهه مخطوفا الى هذا الذي غلب الموت ووطئه، وخلّد نصره في قلوبنا. ومنرافق هذا الراعي الطيب الذي أدركناه على كثير من البهاء والطراوة، وعلى رقة قلّنظيرها عند كثيرين، رآه دائما على هذا الانخطاف البهي والبليغ، في سلوكياتهوأعماله، في رؤاه التربوية، وفي احتضانه لشباب أبرشيته، حيث وزع الفصح عليهم خبزاسماويا، وفي الليل يسامر ضياءه ولا يتعب.
كل هذا الانخطاف يجيء من انسكاب النعمةعلى قلبه، بل من امتلاء هذا القلب بشذى يسوع، وما كان يراه حالة مجردة منزهة عنالتاريخ. بل رآه مسكوبا في لحمه وعظامه، في بنيته المشدودة الى الانكسار حتى يظهروجهه غالبا، ويختطف البشر الى سر أبيه. ولعل وجود المطران بولس على رأس ابرشيةعكار، الحاوية سهلا منبسطا حتى الداخل السوري، سمح له بأن يقرأ الكلمة على وجوهالذين رذلتهم الدولة في لبنان، وابتلعهم الحرمان. فعمل على تنشيط المؤسسات الداعمةلهم بكل ما تعنيه كلمة دعم من معنى،وسهر على توزيع الكلمة الالهي خبزا سماويامتلازما مع الخبز الارضي، بل أبان أن خيرات الارض المكشوفة في ذلك السهل، مطلاتللجائعين من هذا الخبز الموزع عليهم في كل قداس وخدمة. هذا يعني ان مذبح الفقير عندالمطران بولس هو الاكثر جلالا ومهابة من المذبح الحجري. ذلك أن وجه المسيح غير مجردعن حركة البشر وسيرورة التاريخ بآلامه وآماله، بل هو مغروس في أرض تظل ظامئة الىمياه يدفقها جنبه الطاهر، وتنبع من عينين صافيتين "فيصير صافيا كالبلور". إن مذبحالفقير في عكار يصير كلمة متوجعة أبدا، وقد دأب المطران بولس صاحب العقل الفيزيائي،والروح السمحاء، والقلب المتواضع، أن يحمل هذه الكلمة المتوجعة في قلبه، ويعمل علىمواجهة الوجع بالمحبة والابتسامة التي لم تفارق يوما محياه المجبول بالحنان،والمتلازمة مع عينين خارقتين في الذكاء. كيف لا يكون على تلك الصفات وهو الداخل الىاللاهوت من باب العقل والعلم المجرد؟ فعقله الشاعر دائم الالتهاب والحركة، وهوالمحرك لكل مواجهة مع الرؤى العدمية. ذلك ان الفقر باعث للروح العدمية عند الانسان،والروح العدمية مكمن لكل أصولية قاتلة.
في هذا لم يفرّق المطران بولس من بابالمواجهة بين مسلم ومسيحي. لقد عمل منذ عام 1983 تاريخ تسلمه أبرشية عكار، على نسجعلاقات غير نظرية بين المواطنين في عكار، وفهم ان المعنى النظري لا يطعم جائعا، ولايحل السلام. انطلق المطران بولس من معين أكد ان الاخر هو المتنفس الحي لنا. وحركةالشبيبة الارثوذكسية حيث هو عمود ناري من أعمدتها، هي المعين النهضوي المتضمن هذاالمحتوى. غالبا ما أكد ان الارثوذكس بخاصة والمسيحيين بعامة، هم أبناء السلامويسعون في ابتغائه. وهذا تجسد عند المطران بولس في أبرشية عريقة وفي مدى تاريخي عرفبتلك العلاقات الخاصة بين العائلات المسيحية والاسلامية، ولعل المطران بولس خلالتسلمه رعايته للأبرشية تحول من أسقف مسيحي أرثوذكسي، الى راع وطني لأبناء عكار مندون تمييز بين قرية وأخرى. ولعل امتداد الابرشية الى الداخل السوري جعله أكثر تفهمالحساسية العلاقة ونوعية الرعاية بين المديين. فكان انطاكياً بامتياز من حيث ذوقه انالارثوذكس هم واحد في الكأس المقدّسة، لكنه لم يفرط في رؤاه اللبنانية القائمة علىان وجود لبنان حيا يغني الكثيرين من حوله. واذا انغلق هذا الوجود الحي عن الآخرينمن حوله فانه قد كتب موته. هذا الوجود الحي لا يستطيع ان ينغلق وينعزل عن الجانبالآخر من الحدود، لأن بعضا من حياته قائم على هذين الانفتاح والتمازج البعيد عنالافراط في السيادة واذابة للكيان.
على المستوى الشخصي، كان لي أن أرافق المطرانبولس كعضو في وفد أبرشية عكار الى المجمع الانطاكي الموسع عام 1993، المنعقد في ديرالبلمند. لعل احتضانه لي أتى من فهمه أن عائلتي تنتمي جذرا الى أبرشيته. وحرص علىتشجيعي دوما في عدد من مبادرات كنا اليها في ذلك الحين على رغم بعض المرارات التيانتابتنا. وفي أثناء رفقتي ذقت رقة وجهه وطيب قلبه وأدركت حسه العميق في ادارةالمناقشات داخل وفدنا بانتباهه الدقيق الى كل فرد منا. ودوما كان المطران بولس يغلبالمتاعب بالابتسامة الطيبة المرتسمة على محياه. وبقيت على التواصل معه حتى آخرلحظة، وحرصت دوما على استمداد النور الذي غلف وجهه وحجبه عن عفن التاريخ.
سيديأوجعني غيابك كما أوجع الكثيرين ممن أحبوك وكانوا اليك. غير أن عزائي كعزاءالمؤمنين انك ذهبت الى رئيس الكهنة العظيم الجالس على عرش العظمة والمجد فيالسماويات، في آخر يوم من موسم الفصح. وأتذكر أنك في الخميس العظيم حملت الصليب كمابانت صورتك في "النهار"، ووضعت قدمي المعلم المسمرتين على الخشبة فوق رأسك، وكأنككنت تبحث عنهما ليطأ موتنا، بل موت التاريخ. كان حملك للصليب والناس سجّد امامكمؤثرا. أعرف انك كنت تبحث عن المصلوب لتعانقه، وأنت منذ نعومة أظفارك أحببته حتىالعشق والثمالة. في آخر يوم من الفصح، هو من بحث عنك. جاء اليك ظافرا، وأخذك معهليجلسك الى مائدته الابدية، ويضع رأسك على صدره بل على حضنه، ويذيقك عصير الكرمةالجديد. في آخر يوم من الفصح لم يدهمك الموت فجأة، بل دهمك حبيبك وحول ليلك الى فجرونهار لا يعروهما مساء. واذا كان لك ان تتوجع لبرهة من الزمن قبل ان تلفظ أنفاسك،فهذا لأنك قلت كشفيعك بولس: "أما انا فحاشا لي ان أفتخر الا بصليب ربنا يسوعالمسيح".
منذ حملك للصليب وانت تبحث عن المصلوب، كنت على صورة النسوة، تذهب الىالقبر، أما الان فهو أتى اليك فجرا مضيئا، اختطفك الى وجهه الحبيب، هناك ينتهيالتاريخ بقصة حب قلتها في حياتك، ويحققها لك سيدك، بأنه ستر بضيائه وجهك. بل منذذلك الفجر صار هو وجهك.
جورج عبيد- جريدة النهار
[/frame]
المفضلات