خبرة التأله بالنسبة لكل شخص هي نتيجة طهارته وقداسته . فكلما تحررت الطهارة والقداسة من الرغبات ، كلما ازدادت خبرة الله ، فنراه كما قال بفمه العزيز " طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله " ( متى 5 : 8 ) .
عندما يبدأ الفرد بالاعتراف والتوبة والبكاء على خطاياه ، يبدأ خبرة وعيش نعمة الله . الخبرة تعلن أولا ببكاء التوبة التي تملأ النفس بفرح لا يمكن التعبير عنه وسلام عميق . لهذا السبب نسمي الحزن على خطايانا " بالحزن المفرح" كما قال السيد في تطويباته "طوبى للباكين لأنهم سيفرحون" ( متى 5 : 4 ) .
ثم يتقدم بعدها التائب إلى مرحلة أعلى نسميها مرحلة " الاستنارة" حيث تنير النعمة العقل فيبدأ برؤية الأمور بمنظار جديد ، كما العالم والأشخاص . فتتعمق محبته لله وتتكاثر دموعه. هذه الدموع لم تعد دموع الخطيئة بعد أن اقتنع بأن الله قد غفر له . أما الدموع التي تجلب راحة أعظم وسعادة وسلاما إلى النفس ، هي دموع مرحلة أعلى للتأله .
بعدها يصل الانسان إلى مرحلة اللا اهتمام ( اللاشعور) ، حياة بدون ضعف الخطيئة . يواجه كل متطلبات الحياة الخارجية بسلام (الغطرسة ، البغضاء ، شهوات الجسد) وغيرها. المرحلة الثانية للتأله تعرف " بالثاوريا" .
لقد سبق فتطهر الانسان من الشهوات ، واستنار بالروح القدس ، وتأله. حتى نرى الله ينبغي أولا أن نتطهّر ، لذلك نقول " ان ثاواريا ( رؤية ) الله هي تأله ".
عندما يتنظف الانسان ويقدم نفسه كليا لله ، يحصل على أهم خبرة يمكن لمخلوق أن يحصل عليها ، خبرة النعمة الالهية . يسمي آباء الكنيسة هذه الخبرة " رؤية نور الله غير المخلوق" . المتقدمون في التأله فقط يمكنهم أن يختبروا هذه التأله ، وهؤلاء هم أقلية في كل عصر . يراه القديسون ويرون فيه ، كما نراهم في أيقوناتهم وحولهم الهالة. ففي قصة القديس باسيل مثلا نقرأ : أنه عندما كان يصلي في زنزانته ، كان يراه آخرون . فكان وزنزانته مضاؤون كليا بالنور غير المخلوق نور النعمة الالهية . ونقرأ انه عندما كان الأتراك يشنّعون بأجساد الشهداء بقصد اخافة المسيحيين الآخرين ، كان المؤمنون يرون نورا ساطعا حول تلك الأجساد . كان النور ساطعا لدرجة أجبر الأتراك لترك الأجساد مقتنعين بأن الله يجترح عجائب بهم .
تحفظ نعمة التأله أجساد القديسين من الفناء ، فتنضح بقاياهم رائحة عطرة وتجترح العجائب . يقول القديس غرغوريوس بالاماس : " ان نعمة الله باتحادها بالنفس ، تنتقل إلى الجسد مانحة اياه نعمة ". ليس لأجسادهم فحسب بل لقبرهم ، لأيقونتهم ولكنيستهم . لهذه الأسباب نكرم الأيقونات وبقايا القديسين ، وقبورهم وكنائسهم.
لهذا السبب يحصل المؤمن على التأله في الكنيسة ، ليس للنفس فقط بل للجسد أيضا . يحارب الجسد مع النفس ، فيتمجد معها كونه هيكل الروح القدس الذي يسكن فيه ، يشترك المؤمن في الكنيسة بالوحدة مع القديسين ، ويختبر فرح الوحدة بالمسيح . أعني أننا في الكنيسة لسنا أعضاء منفردين ومنعزلين ، ولكن وحدة ، أخوة ، ليس فيما بيننا وحسب ولكن مع القديسين الذين يعيشون معنا أو الذين انتقلوا عنا . الموت لا يفصل بين الأعضاء المؤمنة ، كل المؤمنين واحد في يسوع الناهض من القبر . لهذا السبب يحضر المؤمنون نهار كل أحد إلى الكنيسة ليحتفلوا بالذبيحة ، ويشترك معهم الملائكة والقديسون . وتحضر أجسادنا معنا اذا ما كانوا قد اتحدوا بالمسيح . كلنا حاضرون في الذبيحة ونتصل ببعضنا بعضا سريا فيي المسيح .
المسيح نفسه هو رأس هذه الكنيسة التي هي جسده والحياة تنتقل من الرأس إلى الجسد . هناك أعضاء مختلفة في الجسد وليس لجميعهم نفس الفاعلية ونفس الصحة . أكثر المؤمنين مرضاء. لكن دم المسيح المقدس يجري في عروقهم ، التي رويدا رويدا يمكن أن تشفى وتتقدس . لهذا السبب يجب أن نذهب إلى الكنيسة للشفاء والتقديس والحياة. لا تحدث كل هذه الأمور في يوم أو أسبوع . على المسيحي أن يعمل خلال كل حياته ويحارب ليحصل على النعمة الالهية في الكنيسة ، بالتواضع ، والتوبة ، والصلاة ، والمناولة ، والأسرار الإلهية التي ستقدسه وتؤلهه .هذا هو الهدف الأهم لحياتنا . ما يهمنا ويعني لنا الكثير هو مجهودنا الذي يباركه الله بغزاره ههنا وفي الحياة الثانية .
آميــــــــــــــــــــــ ـــــن .
[/frame]
المفضلات