التواضع
تضرَّعْ بلا ٱنقطاع إلى الربِّ أنْ يؤهِّلَك لتلبية دعوته الإلهية "تعالوا إليَّ يا جميع المُتعبين والثَّـقيلي الأحمال وأنا أُريحُكم، ٱحمُلوا نيري عليكم وتعلَّموا مِنِّي. لأنِّي وديعٌ ومتواضعُ القلب فتَجِدوا راحةً لنفوسكم" (متَّى 28:11-29). لا تَجِدُ في أيِّ مكان راحة كالتي تجدها في التواضع. ولن تجد ٱضطراباً كما في الكبرياء. تواضعْ أمام الجميع وسيَرفَعُك اللَّه. ولكن عندما يرفعك اللَّه تواضعْ أيضاً لئلاَّ تَخسَر نعمته "ٱتَّضِعوا قُدَّام الربِّ فيَرفَعُكم" (يعقوب 10:4)
ٱجتذبَك اللَّه مِن العدم وأَخرجَك إلى نور الحياة. الوجود ليس منك ولا تعرف أين ستكون بعد هذه الحياة الوقتية على الأرض. إذاً تواضع وقل دوماً مع النبي: "يا ربُّ لم يرتفع قلبي ولم تستَعْلِ عيناي ولم أَسلُك في العظائم ولا في العجائب ولا في عجائب فوقي" (مزمور 1:131). وأيضاً: "أنا دودةٌ لا إنسان، عارٌ عند البشر ومُحتَقَر الشعب" (مزمور 6:22). فَبِلا معونة اللَّه لا تستطيع أنْ تفعل شيئاً. وكلُّ ما تملكه هو للَّه و منه حصَلْتَ عليه مجاناً. إذاً "مَن يُميِّزُك؟ وأيُّ شيءٍ لكَ لم تأخذه. وإنْ كنت قد أَخَذْتَ فلماذا تفتَخِرُ كأنَّك لم تأخُذ؟" (1 كورنثوس 7:4)
مِن دون نعمة اللَّه لست شيئاً أكثر مِن: قصبة جافة، شجرة عديمة الثمر، قماشة عديمة الاستعمال، إناءً للخطيئة والأهواء. كلُّ الصالحات التي لك في داخلك هي مِن نعمة اللَّه. إذْ إنَّ ما تملُكُه هو فقط الأهواء والخطايا
التوبة والانسحاق والنَّوح على الخطايا هي بداية التواضع وإذا بدَأْتَ تتواضع بحقٍّ وصِدقٍ فإنَّ أول شيء ستشعر به هو الكُرْه لكلِّ مديح ولكلِّ مجدٍ بشري. ومِن ثمَّ يخرج مِن داخلك، وبالتدريج، الغضب والحقد وحفظ الإساءة والحسد وكلُّ الشرور. بعد ذلك ستبدأ تَعتَبِر ذاتك خاطئاً أكثر مِن كلِّ الناس ومُستحِقَّاً للجحيم. وهذا الضمير سينمو وسيُغذِّي التواضع، وهكذا ستتقدَّم أكثر وبٱستمرار إلى ٱقتناء قمَّة هذه الفضيلة الإلهية
مَنْ عَرَف ذاته بالحقيقة قام في البداية بٱقتناء التواضع لأنَّه رأى عِظَم ضَعفه وأيضاً رأى الشقاوة البربريَّة الكامنة في نفسه. فيتوجَّه وهو في حالة اليأس من نفسه نحو اللَّه بٱنسحاقٍ وتواضع طالباً رحمته بلا ٱنقطاع
ها هي الطريقة – كما يقول الآباء القديسون - التي تؤكِّد ٱكتسابَكَ التواضع المغبوط: "أن يتسلَّط عليكَ عِشقُ الصلاة ثابتاً ومُلتهباً"
إذاً ما هو التواضع؟... هو، كما قال أحد القدِّيسين، معرفة ذاتك، والطريقة المؤدِّية إلى التواضع هي الأتعاب الجسدية التي تتم بمعرفة الغاية منها، وأنْ تعتبر ذاتك بصدق أنَّك أسوأ مِن كلِّ البشر وعلى الأكثر أيضاً أنَّك تحت كلِّ الخليقة، وكذلك أن تصلِّي بلا ٱنقطاع. هذه الطريقة تقود إلى التواضع. أمَّا طبيعة التواضع فهي إلهيَة ولا يمكن إدراكها. لذلك فلا أحد يستطيع أنْ يعلِّمك بالكلام كيف تتكوَّن وتنمو في النفس، إذا لم تتعلَّمْها عقليَّاً مِن الرب ومِن خبرة جهادِك الروحي
لماذا الأتعاب الجسدية تقود إلى التواضع؟... لأنَّ الأتعاب تُذِلُّ الجسد. وعندما يتذلَّل الجسد بمعرفةٍ تتواضع النَّفس أيضاً
لماذا يقود ٱعتبار الإنسان نفسه تحت كلِّ الخليقة إلى التواضع؟... لأنَّه عندما تجعل ذاتك داخلياً هكذا تحت كلِّ الخليقة، فمن المستحيل أنْ تعتبر نفسك عندئذٍ أفضل مِن أخيك أو أن تستكبر مِن أجل شيء ما أو تَدين أو تَرذُل أحداً
ولماذا تقود الصلاة بلا ٱنقطاع إلى التواضع؟... لأنَّك إذا نَظَرْتَ على أعماق نفسك لن تجد عندك أيَّ شيء صالح ولذا لا تستطيع أن تحقِّق شيئاً بلا معونة اللَّه. وعندئذٍ لن تتوقَّف عن التضرُّع إليه ليرحمَك ويُخلِّصك. وإذا أتمَمْت شيئاً جيداً فهذا يعود إلى قوة اللَّه وليس إلى قوتك أنت. تواضَعْ بعمق وأنت ترتعد خوفاً مِن أنْ تخسر معونة اللَّه ونعمته، وهكذا تُصلِّي بتواضع، وبالصلاة تتواضع وتتقدَّم روحياً. هذا هو التواضع الذي كان للقدِّيسين. وهذا هو التواضع الذي يُعلِّمنا إيَّاه القدِّيس دوروثيوس(بكتاب التعاليم الروحية)، إنَّه التواضع الكامل الذي ينمو في النفس نتيجة لحفظ وصايا الرب حفظاً دقيقاً
للقدّيس ديمتريوس روستوف
المفضلات