المحاضرة المسكونية
لصاحب الغبطة رئيس أساقفة أثينا وسائر اليونان : خريستوذولوس
حلب 2003
أصحاب السيادة،
الآباء الأجلاء،
أيها السيدات والسادة،
أشكركم لأنكم تمنحوني الفرصة أن أتحدث إليكم عن العلاقات المسيحية المسكونية. منالمعروف اليوم أن الحدود تسقط وأن الاتصال بين البشر بات مباشراً مهما بعدواجغرافياً عن بعضهم البعض، فالاستعداد للتعرّف بالآخر يشكّل واقعاّ ملموساً. في هذاالإطار فإن المسيحيين يرغبون أيضاً أن يتحاوروا فيما بينهم ويتقدموا في الفهمالمتبادل الواحد للآخر وفي معرفة أعمق لمعتقداته.
واجب علينا، أمام هذه الحاجة التي قد أدعوها مسكونية، أن نتجاوب نحن أيضاالمسيحيين الأرثوذكسيين. بالتالي وقبل أن نبحث موضوع العلاقات بين المسيحيين عامة،علينا أن نتحدث عن العلاقات بين الأرثوذكس أنفسهم وننمّيها. وأتذكّر دوماً الكلماتالحكيمة لغبطة البطريرك أغناطيوس الذي هو مع تمتين عُرى الوحدة فيما بيننا، بحيثنكتسب نحن المسيحيين الأرثوذكسيين صوتاً قوياً وحضوراً فعالاً على مستوى الأحداثالعالمية. من الضروري أن نتوصل أكثر، ونتحاور أكثر فيما بيننا، أن نتبادل أراءوأفكار، أن نتطارح خبراتنا وإشكالياتنا في سبيل أن ننمّي هذه الوحدة. في بلدي قولمأثور مفاده أنْ ليس من السهل كسر حزمة من العصي بالقدر الذي يسهل فيه كسر عصابمفردها. إن اقتراح غبطة بطريرك أنطاكية يبقى غير فعّال و معلّقاً، وهذا يقع علىعاتقنا ومسؤوليتنا. وإذ نتحسّس هذه المسؤولية التاريخية، وجب علينا، أقلّه في الوقتالحاضر، جميعُنا نحن رؤساء الكنائس الأرثوذكسية أن نطوّر العلاقات الأرثوذكسيةوننمّي أكثر فأكثر وحدة الأفكار والأفعال فيما بيننا.
إن كنيسة اليونان قد أنخرطت في الحوارات مع المسيحيين غير الأرثوذكس. نحن نعتقدأننا لا نملك الحق أن لا نتحاور. لقد سبق لي أن قلتُ في مناسبة قريبة أن التاريخوالبشرية هما في يد الله ونحن لا نملك من الله الحقَّ أن نتدخل عنوةً في التاريخ،وأن نسعى بوسائل بشرية أن نصلح ما قد نصنّفه بحسب هوانا سيئاً، أن نقطع جسورالاتصال والتفاهم مع أي إنسان كان، ألاّ نتحاور معه، ألاّ نشرح له إيماننا وموقفنا،أن نترك التعصب الأعمى يسود على قلوبنا. بالنسبة لنا نحن المؤمنين المسيحيينالأرثوذكسيين فالسلاح الأمضى للتدخل في التاريخ هو الصلاة والتواضع، من دون أنتنقصنا البتة المحبة والتسامح كما والثقة وروح البشارة .
عليّ أن أقول لكم منذ البداية أننا ككنيسة نرفض نظرية "الأغصان" التي تقول أن كلمعتقد لا يملك سوى قسم من الحقيقة بينما تجمّع هذه الحقائق يؤلّف الإنجيل الحقيقي. في كنيستنا إعتقاد راسخ أنها تملك ملئ الإعلان الإلهي وأن نظرية "الأغصان" تطلقالعنان لتقسيم الكنائس إلى ما لانهاية، مؤدية في آخر المطاف إلى مسيحية بدون كنيسة. وكما يكتب لاهوتي القرن العشرين الكبير بول إفدوكيموف (Paul Evdokimov) فإننا نحن الأرثوذكسيين بقدومنا إلى الحوارات نخرج "إلى خارجالمحلّة"، وندخل في اتصال مع غير الأرثوذكس ، إذا ولمّا يكون ذلك ممكناً، "ليس علىسبيل الحاجة إلى استكمال شيء ينقص الإيمان، ولكن بسبب فيض كنيستنا، فيضالأرثوذكسية". ويتابع إفدوكيموف القول: "إن هذا الاندفاع لا يضمر في داخله أيَّ قصدللاقتناص. لدينا حرية كاملة حتى نقدّم شهادة إيماننا الرسولي، والمحبة النابعة منإيمان كهذا توحي لنا بأصدق احترام لحرية الآخرين" ("الأرثوذكسية"، بول إفدوكيموف،دار نشر ريغوبولس، تسالونيك 1972، ص. 454).
لربما تُدان الحركة المسكونية بشكل من الأشكال لعدم صبرها، لأنها تتحامل علىغايتها وتضعها في التاريخ: اتحاد الجميع في كنيسة في التاريخ. ويروّج بعض المسيحيينلرأيهم على حساب آراء بقية المسيحيين بفضل قوتهم العالمية ويبرهنون بالتالي أنهميؤمنون بقواهم الخاصة أكثر من إيمانهم بقوة الله. نحن نؤمن أن استعمال وسائل دنيويةمختلفة للاقتناص على حساب مسيحيين آخرين لهو أمر يخالف الطابع الأخروي للمسيحية،لأن الشهادة الأخيرة، التي من دونها تفقد الكنيسة دعوتها أن تكون ملح الأرض ونورالعالم، هي الشهادة التي توقد داخل العالم العطش إلى الخلاص وإلى المخلّص ، إنهاشهادة صوت الصارخ في البرية: "أعدّوا طريق الرب واجعلوا طرقه قويمة". نحن نقول "نعم" لشهادة الإيمان، "نعم" للحوار، "نعم" للتفاهم المتبادل والاحترام المتبادل،ولكن "لا" للاقتناص وبشكل خاص للاقتناص العنفي وبمنهجيات دنيوية.
- * - * - * - * -
الحوارات اللاهوتية اليوم:
إن كنيسة اليونان تشترك في الحوارات اللاهوتية المذكورة أدناه والتي تشتركبطريركية أنطاكية في أغلبيتها إن لم يكن كلها، مع الكاثوليك القدماء، الأنغليكان،اللاخلقيدونيين، اللوثريين، البروتستانت والكاثوليك. وتشترك أيضا بمجلس الكنائسالعالمي كما بمجلس الكنائس الأوروبية، على غرار ما يشترك كلّ من بطريركيةالإسكندرية وبطريركية أنطاكية في مجلس كنائس الشرق الأوسط.
لقد اتُخذت مؤخراً في مجلس الكنائس العالمي قرارات تحسّن من حضور الأرثوذكس فيهاوتحترم آرائهم أكثر بشأن الصلاة المشتركة. أهم قرار للجمعية العمومية لمجلس الكنائسالعالمي بشأن اشتراك الأرثوذكس (فنلندا 27/5 إلى 2/6 - 2002) كان المتعلّق بطريقةالتصويت بشأن المسائل الهامة، فجرى الاتفاق على أن تتمّ باتفاق الآراء وإجماعالأعضاء (consensus) ومُنح الأرثوذكس نوعاً من الفيتو بشأنقرارات كهذه. كان يسود في السابق مبدأ الأكثرية وبما أن الطوائف البروتستانتية هيعددياً أكثر من الكنائس الأرثوذكسية المستقلة، كانت النتيجة أن تسيطر آرائهم فيالتوصيات المختلفة.
يدعم كثيرون فكرة وجوب إنسحاب الأرثوذكس من مجلس الكنائس العالمي لأنه لا يقدملنا شيئاً، أضفْ إلى ذلك أن الإكليزيولوجية البروتستانتية تبتعد أكثر فاكثر عنالإكليزيولوجية الأرثوذكسية. ونحن لدينا أيضاً حذرنا وإشكاليتنا. ولكن إلى اليوميسود ما قلته في البداية وهو أنه ليس علينا أن نقطع الجسور مع بقية المسيحيين ومعمجلس الكنائس العالمي الذي يشكل منبراً عالمياً يمكن أن تُسمع فيه مواقف بشأن مسائلاجتماعية أو مسائل تتعلق بحقوق الإنسان التي تهمّ بشكل مباشر كنيسة اليونان، وكنيسةقبرص وكنائس أرثوذكسية أخرى. وسأتناول في ما يلي أمثلة محددة. فإنه بعد اقتراحاللجنة التنفيذية لمجلس الكنائس العالمي، فإن لجنته المركزية قد أوكلت إلى لجنةالشؤون العامة صياغة نصوص تعلّق بالمواضيع التالية:
1. بشأن الأحوال في جنوب آسيا
2. بشأن العملية السلمية في السودان
3. بشأن العنف في كولومبيا
4. بشأن الاشتباكات في فلسطين
5. بشأن مخاطر هجوم عسكري ضد العراق
6. بشأن مأساة 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية.
وبشكل خاص في ما يتعلّق بمسألة الاشتباكات في فلسطين فإن الجمعية العمومية لمجلسالكنائس العالمي قد صوّتت بشأن وجوب احترام الأماكن المقدسة الخاصة بالمسيحيينوطالبت بأن يتمّ استعمال الكنائس بشكل حصريّ كأماكن عبادة والابتعاد عن استعمالهاواستخدامها لأغراض أخرى وبخاصة الأعمال الحربية، كما حصل في كنيسة المهد في بيت لحموهي تتبع في جزء كبير منها لبطريركية أورشليم للروم الأرثوذكس. ولقد رفعت في الوقتعينه الجمعيةُ العمومية طلباً إلى الوزير المختص في الحكومة الإسرائيلية بشأنالاعتراف بغبطة بطريرك أورشليم إيريناوس. وكان الأمين العام السابق لمجلس الكنائسالعالمي كونراد رايزر (Conrad Raizer) قد بعث برسالة مشابهةإلى رئيس مجلس الوزراء إسرائيلي أرييل شارون. ويجب أن أذكر أيضاً مساندة مجلسالكنائس العالمي لحلّ عادل لمسألة قبرص وانسحاب الجيوش التركية المحتلة.
الحوار مع الكاثوليك القدامى:
هو من أقدم الحوارات. ابتدأ منذ عام 1870 عندما نشأت الكنيسة الكاثوليك القدامىكردة فعل على المجمع الفاتيكاني الأول. عرف هذا الحوار مراحل مختلفة. كانت آخرمرحلة في تشرين الأول 1987 في مدينة كافالا (Cavala) اليونانيةبمقدونية - وهي مدينة ساحلية كانت تدعى نِيابولي (Neapoli) أيام بولس الرسول وهي تقع بالقرب من مدينة فيلبي (Philippi) الهامة في العصور الرومانية0 هناك إذاً، في مدينة كافالا (Cavala)، تطرقت اللجنة اللاهوتية المختلطة في جمعيتها العمومية إلىالمواضيع التالية وأصدرت نصوصاً مشتركة عامة بشأنها وهي:
1. ما تبقى من الأسرار ( سر التوبة ، سر الزيت المقدس، سر الكهنوت، سر الزواج)
2. الاسخاتولوجيا (أي الأخروية)
3. شروط الشركة الكنسية الكاملة ونتائجها.
ولقد أعلنت هذه اللجنة نجاز أعمالها وحوّلت موضوع تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه إلىالجهات الكنسية المختلفة. وعلى الرغم من مضيّ ستة عشرة سنة منذ ذلك الحين، فإن أيتقدم لم يحصل لتجسيد المقررات. قد يُفسّر الأمر بأن الكاثوليك القدامى لا يرغبونبقطع الشركة الأسرارية التي يحتفظون بها مع الأنغليكان، أضفْ إلى ذلك أنهم عمدوامباشرةً بعد انتهاء الحوار اللاهوتي مع الأرثوذكس إلى توقيع اتفاق للشركة الأسراريةمع اللوثريين.
الحوار مع الأنغليكان :
ابتدأ هذا الحوار عام 1973، إلا أن تاريخاً طويلاً يسبقه. أذكّركم برسائل بطريركالقسطنطينية كيرللس لوكاريوس مع رئيس أساقفة كنتربوري في القرن السابع عشر. قامالأنغليكان عام 1976 بخطوة إيجابية إذ أقرّوا بوجوب حذف إضافة "والابن" من دستورالإيمان (مسألة الفيليوك-الـ filioque). استضيف الحوار فيأثينا عام 1972، وطُرح يومها موضوع سيامة النساء وصدر "ميثاق أثينا" (Athens Statement) والذي شدّد في سياقه على أنه "إذا تقدّم الأخوةالأنغليكان في سيامة نساء فإن الأمر يعني تحطّم كل الآمال لتحقيق الوحدة ببنالأنغليكانية والأرثوذكسية". وبغض النظر عمّا سلف، فإنه كما تعرفون قد تمّت سيامةامرأة أسقفاً، الأمر الذي استتبع إنقسامات داخل الكنيسة الأنغليكانية، وشكّل عقبةفي تقدّم الحوار مع الأرثوذكس. ونشير أخيراً إلى سيامة أحد الكهنة الممارسين للجنسالمثلي أسقفاً، الأمر الذي ولّد مشاكل إضافية على الصعيد (الأنغليكاني) الداخلي،كما وعلى صعيد العلاقات مع الأرثوذكس. ويقدّر أن تصل اللجنة اللاهوتية المشتركة إلىالنص النهائي بحلول عام 2006.
الحوار مع اللاخلقيدونيون :
بإمكان المرء أن يقول أن الحوار مع اللاخلقيدونيون قد ابتدأ مباشرة بعد المجمعالمسكوني الرابع (عام 451). أما في القرن العشرين، فقد جرى الاتفاق في اللقاءالأرثوذكسي العام عام 1968 على إجراء حوار رسمي لاهوتي مع الكنائس الشرقية القديمة. ولقد اجتمعت اللجنة اللاهوتية المشتركة للحوار بين الأرثوذكس واللاخلقيدونيين للمرةالأخيرة في شامبيزي في سويسرا قبل عشرة أعوام، بين 30 تشرين الأول و7 تشرين الثانيعام 1993. كان موضوع الاجتماع "رفع التحريمات وإعادة الشركة الكنسية بين الكنسيةالأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية". وبعد حوار طويل وتبادل الآراء، إستقرّالرأي على واجب إعلام المشتركين في الحوار الكنائس التي يمثّلون بمجريات تقدّمالحوار. منذ ذلك الحين بقيت مواضيع الحوار الأرثوذكسي الرسمي مع الكنائسالأرثوذكسية الشرقية في سُبات. وقد جرى عام 1997 بدمشق- سوريا اجتماع مشترك للّجانالمختلطة للحوار مع اللاخلقيدونيون بشأن المسائل الليتورجية والرعائية ، وهو اجتماعلم تمثَّل فيه كنيسة اليونان بشكل رسمي وليس لدى الكنيسة اليونانية علمبنتائجه.
الحوار مع اللوثريين :
يعود الحوار مع اللوثريين إلى القرن السادس عشر. فإن المدعو مِلَنْغثون قد حاولآنذاك التقرّب من الكنيسة الأرثوذكسية على عهد البطريرك يواساف الثاني (1555- 1556)، كما أن البطريرك المسكوني إرميا الثاني قد تبادل الرسائل مع مجموعة لاهوتيينلوثرين في توبنغن (Tübingen) في نهاية الربع الأخير من القرنالخامس عشر. أما الحوار اللاهوتي المعاصر بين الأرثوذكس و اللوثريين فقد ابتدأ عام 1981. منذ تلك الحين فإن اللجنة اللاهوتية المشتركة قد اجتمعت حتى اليوم إحدى عشرمرة بكامل أعضائها. تمّ اجتماعها الأخير في دمشق، وصدر عنه نص مشترك حول موضوع "الخلاص- النعمة - التبرير وتفاعل الحرية الإنسانية مع النعمة الإلهية. سرّالكنيسة". أخيراً، وبالتحديد بين 1- 9 أيلول 2003، اجتمعت اللجنة التنسيقيةالمشتركة في جزيرة كريت لإصدار مسودة النص سيستعمل في اللجنة العمومية الثانية عشرةللّجنة اللاهوتية المشتركة.
الحوار مع البروتستانت:
هو أحدث الحوارات زمنياً ينخرط فيها الأرثوذكس. ابتدأ عام 1986، عندما اجتمعت فيشامبيزي، للمرة الأولى، اللجنة التحضيرية المشتركة. في ذلك الاجتماع جرى الحديث حولمنهجية الحوار وجرى اقتراح كموضوع أولي للمناقشة: "عقيدة الثالوث القدوس على أساسالدستور النيقاوي-القسطنطينية". وفي عام 1988 جرى أول لقاء حوار بين أرثوذكس وبروتستانت في سويسرا. وفي أيلول الفائت، اجتمعت اللجنة العمومية الثامنة للجنةاللاهوتية المشتركة في سِمبيّو-رومانيا وعالجت موضوع "قداسة الكنيسة". وقد ظهر فيذلك الاجتماع تباين كليّ بين الطرفين، إلا أنه تمّ الاتفاق على استمرار فيالحوار.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات