الألم والله
للأب متى المسكين
إن كنا سننظر إلى الله كإله للخير، الذي يتكفَّل بتهيئة سعادتنا وأفراحنا، ويدفع عنا الشر والأذى والخسارات، ويحارب الأشرار والظالمين؛ فنحن بنظرتنا هذه نكون قد عُدنا إلى الوراء ألفين من السنين لنعيش في جوِّ الآلهة الخيِّرة التي كانت تُستَرضَى بالذبائح والهدايا، لتضمن لعِبَادها الخير والفَلاَح ودوام الملذَّات.
فالله ضابط الكل ليس له إله غريم آخر يُعادله فيُقاومه ويُفسد خططه التي يودها من نحو سعادتنا، أو كأنما الله مضطر أن يحارب هذا الإله أو يتلافى شروره ونظرته بنوع من الحكمة والسياسة!
أو أن الشرور والآلام أمورٌ حتمية واجبة الوجود، والله ليس له حيلة تجاهها إلا أن يعالجها كما نعالجها نحن؟!
أو أنَّ الشرور والآلام ضرورية لإكمال سعادة الإنسان، كأنَّ السعادة والألم صِنْوان عزيزان لا يفترقان!
كلاَّ! فالشرير عدو كل خير موجود فعلاً، ولكن وجوده هذا ليس مستقلاً عن الله وكيانه، لا ينفرد به لذاته من ذاته، ولكنه لم يَزِد على كونه خليقة الله الموجودة بإذنه وإرادته، بل إن دوام وجود هذه القوة على هذه الصورة الفاسدة ليست حالة إجبارية على الله قبولها مضطراً، بل إن وجودها وكيانها قائمٌ على أساس مسرَّة الله المطلقة وحسب قواعد مشيئته الصالحة المرْضِية الكاملة العاملة لمنتهى الخير.
وإن كانت قوة الشيطان تظهر أمامنا فائقة مُحيِّرة لعقولنا لا نعرف إلاَّ القليل عن عملها ونتائجها وأهدافها البعيدة، إلاَّ أنها ليست كذلك أمام الله، فقوة الشيطان قوة محدودة محصورة جداً، لا استطاعة لديها أن تُتمِّم عملاً من الأعمال إلاَّ في حدود الدائرة التي يُسمح لها من قِبَل الله ولا تتعدَّاها، بل لا تستطيع أن تتعدَّاها.
أما دوام بقائها على هذه الصورة، فهو ليس عجزاً من الله عن إبطالها أو ملاشاتها كلِّيةً، أو تحويلها إلى قوة خيِّرة حسب قوة عمل الله وقدرته على كل شيء؛ ولكن على العكس من ذلك تماماً، إذ أنَّ بقاءها وعدم إبطالها أو ملاشاتها يُظهِر لنا قوة الله الفائقة على الشر بتحكُّمه وتوجيهه، ويوضِّح لنا معنى قدرته على كل شيء، القادرة على ضبط أصول الشر منحصرةً في حدوده فلا يتعدَّاه، وتحويله الشر بالقدرة العجيبة إلى منتهى الخير.
وإن كان الله قد أمرنا أن نحب أعداءنا، ونبارك مَن يلعنوننا، ونصلِّي من أجل الذين يُسيئون إلينا حتى نكون كاملين في الخير مثل الله؛ فكيف يَكْمُل خير الله؟ أو بالحري كيف نعرف كمال خير الله؟ إلاَّ بسماحه لهذه القوة غير الخيِّرة بالوجود والعمل أمامه، مع أنها لا تزال تُجدِّف عليه ليل نهار، وهو مُتمهِّل عليها لإظهار صبره وأناته وكمال خيريته غير المتناهية.
لذلك نستطيع أن نقول إن بقاء الشرير عدو الخير كقوة شريرة تعمل داخل دائرة عمل الله وأمامه، ثم هو يرضى عن بقائها مع أنه قادر على ملاشاتها ومحوها من الوجود، يعطينا - كما أسلفنا القول - معنىً جديداً من معاني قوة الله الفائقة، وقدرته على كل شيء، وكمال خيره ولطفه وصبره.
+ «في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلَّصهم» (إش 9:63).
أليس في أسوأ ظروف الإنسان وأتعس حالاته تُشرق رحمة الله، فيعرفها الإنسان بل يحسها فيؤمن بها ويُقدِّسها؟
أليس في ظلمة الخطية والشر المطبق تمتد ذراع القدير فتنتشل النفوس الغارقة في أعماق الهلاك، فتنفتح الشفاه بالحمد، وينطق اللسان معترفاً بقوة الله الفائقة القاهرة التي سحقت أشد وأقوى وأمنع حصون الخطية؟
أليس في أقسى أنواع الآلام والمصائب حينما تُحلِّق فوق الرؤوس سحابة مظلمة من اليأس، إذ بشعاع من تعزية الله الخفية يمتد حتى يمس القلوب فتتبدد حُجُب الظلام، فتتحول الصرخات إلى نظرات صامتة إلى السماء وتمتزج دموع الألم بابتسامة التعزية، وتتضاءل جبال الهموم والمصائب وتنخفض لتصير سهلاً يُطلُّ من بعيد على أرض السلام بأمل أكيد يكاد يتحقق في اليقظة، فتتحول الآلام إلى شعور باللذة.
أليس هذا دليلاً على وجود إله حكيم مُحب جداً ورحوم يدير هذا الكون، مُظهِراً ذاته في أنواع محباته ورحماته للنفوس المعذبة، مع أنه غير محتاج إليها، ولكنه لا يستطيع أن يحتمل أنينها أو يتجاهل صراخها؟
شريك في آلامنا:
وحينما أراد الله أن يُعزِّينا في آلامنا ويشترك معنا في ضيقاتنا ويحوِّل الشرَّ المحيط بنا إلى خير كامل، لم يكتب لنا رسالة أو سفراً على يد نبي، بل جاء بنفسه وأخذ جسداً قابلاً للألم ليشترك معنا في كل أنواع الألم. وقَبـِلَ أيضاً أن يأخذ نفساً بشرية ليقاسمنا جميع المشاعر والإحساسات التي يصطدم بها الإنسان الضعيف في ميادين الظلم والشر والفساد، واحتمل كل أنواعها وصنوفها وذاق مرارتها حتى الموت. أيَّ علاج قدَّمه إنسان في الوجود أو ملاك من السماء للبشرية من نحو آلامها كما قدَّمه الله لها؟
لم يكن ثمة تعزية أخرى يمكن أن يقدمها لكل إنسان تألم أو سيتألم من بدء العصور حتى نهاية كل الأزمنة أعظم من أن يتألم هو.
ولن يتعزَّى أحد قط بأية وسيلة أخرى مهما كانت حينما تحيط به الضيقات والشرور والظلم والآلام، إلا إذا رفع عينيه إلى السماء نحو الله الذي تألم بالجسد ليكون كل حين شريكاً في آلام كل أحد.
وإن كان أعظم صفة عرفناها عن الله هي المحبة، فأعظم عمل قامت به محبته هو تألُّمه لما تجسَّد. نعم، فقد تـألم الله بـالجسد بجميع أنواع الآلام مُجرَّبــاً، ما عدا الخطية وحدها. ظُلم، شُتم، أُهين، اضطهِد، احتُقر، رُفض مـن أحبائه، افتُري عليه، ضُرب على ظهره العاري، تُفِلَ في وجهه، لُطم على خده، صُلب، مات.
والمسيح لما تألم بجميع هذه الآلام شرح لنا مشاعر الله تجاه الألم عموماً.
يا للسر العظيم المخفي وراء الألم! بل يا للخير العميم الذي جعل الله الآب لا يلتفت إلى صرخات الابن في آلامه الشديدة!
لم يُرسل جيشاً من الملائكة لإنقاذه، أو أن يشلَّ الأيادي التي ضربته أو لطمته على وجهه، أو يحرق الشفاه التي تفلت في وجهه.
بل على العكس نسمعه يقول في نبوة إشعياء: «أما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن» (إش 10:53). وهكذا استمرت عملية الصلب بكل ملحقاتها وآلامها سيراً بطيئاً عادياً.
أما شعور المسيح بالألم فكان طبيعياً إلى أقصى حدود حساسية الشعور البشري المرهف: فصرخ، وتأوَّه، وتألم جداً.
وهكذا يشرح لنا المسيح موقف الله تجاه آلامنا. فالله يحس بها معنا إحساساً مساوياً قوياً، ويود لو يرفع عنا ضُغطة هذه الآلام، تماماً كما صرخ المسيح مُعلناً ذلك أنه يودُّ لو تُرفع عنه الكأس، وهكذا عنا أيضاً. ولكن مع هذه المشاعر كان هناك إحساس آخر أعلى وأسمى, فهو في نفس الوقت يُسرُّ بها ويتركها لنحتملها، لأنه يعلم مبلغ الخير الذي يكمن وراء آلامنا.
وقد أعلن المسيح ذلك أيضاً حينما قال: «لأجل هذا أتيتُ إلى هذه الساعة» (يو 27:12), «الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها» (يو 11:18)، «ولي صبغة أصطبغها، وكيف أنحصر حتى تكمل» (لو 50:12)، «ابن الإنسان ينبغي أن يتألم» (مر 31:8)؛ لأنه يعلم أن في الألم سرَّ النصرة على الخطية وغلبة الشر والموت، وبالألم سرَّ كمال العزاء.
فصراخ المسيح في آلامه، إعلان عن مشاعر الله من نحو آلامنا، وطلبه رفع الكأس عنه تصريح برغبة الله في عدم تألمنا، وأما مسرته في احتمال الآلام فتوضيح للغاية القائمة وراء الآلام.
خلاصة:
في كل ناحية من نواحي الألم هناك خيرٌ للإنسان، لذلك لما أراد الله أن يُثبت ذلك للإنسان، لم يرفع عنه الألم، بل جاء هو وتألم لكي يُظهِرَ لنا مبلغ الخير المُذخَر في الألم. +

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
..gif)


....بس مو شايفين انو 50% كتييييييييييير
... انا حتى لو طولت الغيبة شوى .....انتو فى قلبى و عقلى

المفضلات