كيف تحتفل إثيوبيا
بالقديسة العذراء مريم؟

</B>

[SIZE=“4”]

تقع مدينة أكسوم الهادئة النائمة قريباً من حدود إثيوبيا مع إريتريا المتنازع عليها، ويبلغ عدد سكانها 41.000 نسمة. وبالرغم من أنها ليست مقصد السيَّاح الأجانب، إلاَّ أن أكسوم تحتل مركزاً هاماً كموقع أثري هام لتراث إثيوبي قديم. وهي تضمُّ مجموعة كبيرة من الخرائب الأرخيولوجية، بما فيها الشاهد الحجري الذي تشتهر به أكسوم.[/SIZE]


وقد كانت أكسوم عاصمة الإمبراطورية الغنية التي امتدَّت تخومها من شرقي أفريقيا إلى الجزيرة العربية، ما جعلها تتحكَّم في طرق التجارة بين الشرق والغرب، حيث تربط الهند مع روما. وكان أباطرتها من أوائل الملوك الذين قبلوا المسيحية مُبكِّراً في القرن الرابع، حيث قدَّموا حضارة متميِّزة ودولة تختلف عن سائر القوميات واللغات المحيطة بها.
وفي كل عام، وفي 30 نوفمبر، تستيقظ أكسوم من نومها، حيث يتدفق إليها عشرات الآلاف من الإثيوبيين، وهم يتلفَّحون بالأردية البيضاء، ليحتفوا بأحد أقدس الأعياد الإثيوبية، ذلك هو عيد ”مريم ابنة صهيون“. وهناك يُركِّزون كل انتباههم نحو هيكل متواضع هو في الواقع جزء من مجموعة من الكنائس المُكرَّسة على اسم القديسة العذراء. ويُحيط بهذا الهيكل حاجز حديدي بسيط، ويحرسه راهب متوحِّد هو وحده الذي يقدر أن يدخله ويعرف محتوياته. وهو يحوي أعظم كنز في إثيوبيا، ذلك هو ”تابوت العهد“.

الكهنة والشمامشة أمام الهيكل الذي يحوي تابوت العهد
ويعتقد الإثيوبيون أن تابوت العهد الذي كان يحوي لوحي الوصايا العشر، وُجد في إثيوبيا منذ أول ملك إثيوبي ”مِنْليك“ ابن الملك سليمان وملكة سبأ، وقد أخذه من أورشليم. ويظن آخرون أنه وصل إثيوبيا بعد عام 587 قبل الميلاد، حينما اختفى أي ذِكر للتابوت من الأسفار المقدسة بعد تدمير أورشليم على يد البابليين. ويرجع اهتمام الإثيوبيين بهذا التابوت أن القديسة العذراء مريم ابنة صهيون تُجسِّد حضور كلمة الله باعتبارها تابوت العهد الجديد الذي يحوي كلمة الله المتجسِّد.
ويحظى هذا الاعتقاد باهتمام شديد من الإثيوبيين، من حيث إن كِلاَ التابوت والعذراء يُمثِّلان الإناء الذي سكن فيه الحضور الإلهي في العهدَيْن القديم والجديد.
ويتضح هذا الاعتقاد من التراث الطقسي المشترك بين الكنيستين القبطية والإثيوبية في الذكصولوجيات أو التماجيد التي تُقال عن القديسة العذراء بأنها تابوت العهد الذي يحوي ”اليوتا“، أي الحرف اليوناني الذي يرمز إلى الرقم 10 أي العشر الوصايا، وفي الوقت نفسه هو أول حرف في اسم يسوع ”إيسوس“.
[SIZE=“4”]
الحجيج في ثيابهم البيضاء

ولا يختلف الحجَّاج إلى أكسوم عن آبائهم وأجدادهم الذين يحجُّون إلى الأراضي المقدسة. فالحج إلى أكسوم هو تعبير خارجي عن إيمان الإثيوبي أو الإثيوبية، وسعيه نحو الأقداس. إنها رحلة تحفُّ بها الصلاة، والتأمُّل، والتوبة، والصدقة.[/SIZE]


وبالرغم من أن هذا الحج ليس فرضاً إجبارياً، إلاَّ أنه ممارسة ظلَّت منتشرة بين كافة الإثيوبيين بمناطقهم القريبة والبعيدة، وكهنتهم ورهبانهم وشعبهم، مهما تقلَّب على البلاد من ثورات أو عنف سياسي أو مجاعات.
وقبل عيد ”العذراء ابنة صهيون“ بأيام عديدة، يُغادر آلاف من الحُجَّاج بيوتهم ويتوجَّهون شمالاً سائرين على الأقدام (والبعض يذهبون في الأتوبيسات، وقلة قليلة يستخدمون الطائرات)، حاملين فراشهم وطعامهم. وفي هذه الأيام يمتنع الحُجَّاج عن أَكْل اللحوم والألبان ومنتجاتها والاتصال الزيجي لمدة ثلاثة أيام قبل العيد. بينما يُمارس البعض أعمال نسك وإماتة كنوع من التطهُّر وهم ذاهبون إلى أكسوم. والبعض يتصدَّقون على الشحاذين الذين يصطفُّون على الطرق المؤدِّية إلى أكسوم كنوع من التقوى التي يؤديها الحجَّاج.
وحينما يبلغ هؤلاء الحجيج الصائمون المتنسِّكون إلى مقصدهم، يبدأون في ترتيل الأبصلمودية التي تتكون من المزامير وتلاوة الأسفار المقدسة، والطقوس الليتورجية، مع حشد من العظات والكلمات التي تُلقى عليهم حاثَّةً إيَّاهم على التقوى وعلى السلوك في إثر مسلك القديسة العذراء مريم، وتُختتم بتناول الإفخارستيا في نهاية الليتورجية الإلهية التي تُقام في كنائس واسعة جداً بُنِيَت حديثاً على يد آخر إمبراطور إثيوبي ”هيلاسلاسي“. إلاَّ أن بعض الإثيوبيين من فرط تقواهم ومخافتهم أمام الحضرة الإلهية يمتنعون عن التناول من الأسرار المقدسة.
وهكذا يُكسر الصوم بالإفخارستيا المقدسة، حيث يتبعونها بمائدة أغابي تحوي القليل من الطعام.
(عن مجلة: ONE, May 2006)