المياه في العالم
بقلم: حبيب معلوف
يتكهن ويجزم الكثير من الخبراء، ان الحرب القادمة في العالم، ستكون حربا على المياه. لا حاجة للتكهن. لطالما كانت الحروب «بيئية»، أي بسبب النزاع والسيطرة على الموارد الطبيعية للأرض. ولطالما كانت المياه، أهم هذه الموارد... وقبل وبعد اكتشاف المعادن والنفط والذهب.
في البدء كانت المياه، لا بل «النقطة»، وليس الكلمة.
بداية الحياة نقطة، ونهايتها ايضا.
كانت المياه أساسية في حضارات وثقافات الشعوب كافة. وبقدر ما كانت المياه حاضرة وضرورية ومعبرة عن مظاهر الحياة، ومثلت رمز الخصب والحبل والولادة، واعتبرت هبة السماء... شكلت في المقابل أيضا، رمز الفناء والموت كما في قصة الطوفان الشهيرة في التوراة.
تظهر المياه في الكثير من أساطير ومعتقدات العالم بأنها «المخلوق الأول»، الباعث للحياة، وتحمل في قطراتها جنين الأشياء المحتملة النشوء.
وبقدر ما كانت تستخدم في الطب والسحر للشفاء والصلاة، كذلك كانت المتهمة الاولى بنقل الأمراض والآفات والتسبب بالوفاة.
هي التي تأتي بعد عصر، وهي التي تبقى لنهاية العصر وتؤشر لنهاية وخلاصة الأشياء.
نقطة وراء نقطة يأتي المطر. ومن نقطة الى نقطة يتشكل الجدول والنهر والبحر والمحيطات والفيضانات...
الكوكب الأرضي بكامله، يدين بوجوده وحياته لمجموع النقاط، للماء الذي يغطي 70٪ من مساحته. المياه الحلوة بنسبة 2.5 من مياه الأرض، ثلاثة أرباعها متجمدة في القطبين الشمالي والجنوبي، والمالحة بنسبة 5,97٪.
كان الماء وراء نشوء العديد من الحضارات أو الثقافات والأمم. بالإضافة الى منظومات القيم والحقوق.
سر الحياة في المياه ربما. يكون الجنين مغمورا، كما كوكب الارض. ولهذا تركز الثقافة الشعبية، على ما تسميه «ماء الرأس»، رأس الجنين، عند النساء الحاملات. ولهذا ربما يتم غسل الميت، كآخر إجراء قبل الاستعداد للدفن وتوديع الحياة، في العديد من تقاليد الشعوب. بالاضافة الى تفسير سر العماد بالمياه ايضا في معتقدات بعض الشعوب القديمة، بالإضافة الى الاغتسال بطرق معينة قبل الصلوات في بعض الأديان. كما يصبح الاغتسال نوعا من التطهر ومن الطقوس لتلقي الأسرار والدخول في عقيدة ما، أو في ما يسمى «التنسيب».
إذا كان سر الحياة والموت كما سر التنسيب في المياه، ربما علينا أن نعيد تفكيك وتحليل المياه نقطة نقطة لكي نعرف كنهها. لهذا ربما يقال: يجب أن «نغوص» في المواضيع لكي نفهمها. أو يجب أن «نتعمق»، أن«نغطس» في القضايا، كما يغطس الغطاس في أعماق المحيطات لكي يكتشفها.
جذور المعرفة في المياه اذاً. يمكنك أن تسبح على وجه المياه اذا كنت تنشد الوضوح في الرؤية. أما اذا أردت أن تتعمق، فيجب أن تغوص أكثر، مع احتمال أن تتعكر المياه والرؤية. وعليك أن تختار: الوضوح على حساب التعمق، أو التعمق على حساب الوضوح.
المياه هي الحياة وهي الكلمة. والكلمة هي مجموعة نقاط. والنقطة هي التي تضع حدا للأشياء، للكلام، وللمعنى.
وبقدر ما تضع النقطة حدا للمعنى، يمكن أن تضع حدا للحياة اذا تجمدت في الدماغ.
وهي مؤشر للانتقال الى سطر جديد وصفحة جديدة.
بداية الكلام نقطة ونهاية الكلام نقطة.
النقطتان: تعني الانفتاح والبداية الجديدة.
الثلاث نقاط... تعني أن هناك الكثير من الكلام بعد. ومجموع النقاط هي التي تشكل الخط المستقيم.
ومجموع النقاط هي التي تشكل الينبوع.
إذا أردت أن تسترخي، اذهب الى البحر وراقب حركة الموج والمد والجذر، أو اذهب الى نهر وتتبع جريانه، أو اجلس بقرب نبع وأصغ الى خريره... تشعر بالارتياح.
ولا تنسَ أن المياه الساخنة تريح بعد تعب.
بعدما تم اختراع «الويسكي» في الولايات المتحدة الاميركية، وأخذت رواجا واستحسانا سريعا، قال أحد الظرفاء وهو يتناول كأسا منها في احدى الحانات: «المياه للقتال والويسكي للسكر».
واذ لا يمكن الارتكان الى هذه الطرفة، التي تدعو الى الهروب من الواقع بالسكر، لمقاربة مسألة الصراع على المياه في العالم، علينا أن نبتدع أخلاقيات جديدة للتعامل مع المياه. أخلاقيات ذات طابع عالمي، كما هي مشاكل ندرة المياه وتلوثها، وتغير المناخ وانعكاساته، ذات الطابع العالمي ايضا. أخلاقيات تقوم على اعتبار هذا المورد عنصرا أساسيا من عناصر الحياة وشرطا مستقبليا لديمومتها، وسحبه من السوق كسلعة أو كمادة صراع. كيف ذلك؟..
نقلاً عن "السفير"، 23/10/2007http://www.terezia.org/section.php?id=1247

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس




المفضلات