الزرع بالشح و الزرع بالبركات
"مَن يزرع شحيحاً فشحيحاً أيضاً يحصد. ومَن يزرع بالبركات فبالبركات أيضاً يحصد".
مَن يزرع شحيحاً يُبين، في الحقيقة، أنّه لا يشاء، في قرارة نفسه، أن يزرع، لأنّ مَن كانت لديه الرغبة في الزرع فإنّه يزرع بالبركات لا محالة. أما الذي لا رغبة له في أن يزرع، ولا إرادة، فهذا يزرع شحيحاً لأسباب لا علاقة لها بالزرع، ربما عن اضطرار أو على عيون الناس. لهذا يزرع ولكنْ من دون فرح.
ليس أحد مُلزَماً بان يعطي. كل واحد كما نوى في قلبه. الله لا تهمّه عطاءات الناس لأن له الأرض وملأها. ينظر إلى القلب، إلى القصد، ولا ينظر إلى العمل بحدّ ذاته. ظواهر الأمور لا تعنيه. وحده الروح الذي نعطي به يهمّه.
كلّنا، يا إخوة، يذكر قصّة حنانيا وسفيرة في سفر أعمال الرسل (الإصحاح 5). لم تكن لحنانيا وسفيرة رغبة كاملة في العطاء. لهذا لما باعا حقلاً وأتيا بالمال ليضعاه عند أقدام الرسل، على عادة المؤمنين يومذاك، أخفيا، لعدم استقامتهما، جزءاً من المال لنفسيهما. ومع أنّهما أعطيا ما لا بأس به، من حيث الكمّية، لم يقبل الربّ الإله عطيّتهما. سقطا صريعَين لأنّهما كذبا، لا على الناس بل على روح الربّ. هذا لنتعلّم أن نتعاطى مع الله بقلب نقي وبقلب كامل. أما مَن شاء أن يعطي ليُقال عنه إنّه أعطى أو لغاية أخرى غير نقيّة في نفسه فهذا، في الحقيقة، ينال شحيحاً. والشحيح الذي يناله هو هذا القبول، هذا الإكرام وهذا المديح الذي يلتمسه في الناس.
لا يعني الشحيح، في الحقيقة، القليل. الشحيح يعني ما لا ينبع من القلب المحبّ، من القلب السخيّ، من القلب الكامل. قد يعطي الغني كثيراً قياساً بما يعطيه الفقير، ومع ذلك يبقى عطاؤه شحيحاً لأنّه لا يُعطي وِسْعَه ولأنّه يطلب مجد نفسه ولا يطلب مجد الله. هذا إذ يعطي يعطي، في الحقيقة، عن اضطرار، ثمناً لمحبّة الظهور بمظهر الحملان أو المحسنين.
من هنا، يا إخوة، قول الرسول إنّ الله يحبّ المعطي المتهلّل. المعطي الحقّ هو مَن يُعطي من قلبه وبسخاء. هذا لا يمكنه إلاّ أن يتهلّل، لأنّ الفرح في الروح هو ثمرة العطاء الكامل المحبّ. لذا قيل "مغبوط العطاء أكثر من الأخذ". المعطي بسخاء في الغبطة كائن هنا ومنذ الآن. لا شيء يعادل العطاء من كل القلب فرحاً على الأرض. هذا هو الفرح الذي لا أحد ينزعه منّا. يبقى فينا راسخاً عميقاً إلى الأبد. لذا قال أحد كبار آبائنا، القدّيس مكسيموس المعترف، إنّ المؤمن لا يأخذ معه في موته إلاّ ما يكون قد أعطاه. هذا ما له قيمة أبدية. "بدّد وأعطى المساكين فبرّه يدوم إلى الأبد".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات