" فكل ما تريدون ان يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم أيضا بهم .. "(مت 7 : 12)
بمقتضى هذا القانون الذهبى للمعاملات يصير لنا سلام مع الله ومع نفوسنا ومع الاخرين أيضا ، فأسلوب معاملة الاخرين لنا متوقف على طريقةتعاملنا نحن معهم ، ومن ثم العواقب التى سنلقاها كثمار تعاملنا مع الاخرين سيحددها أيضاً أسلوب تعاملنا معهم .
فلا مفر من السلوك بروح المكتوب " إن كان ممكنا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس " (رو 12 : 18) ، لأنه متى اطعنا صوت الحق والإنجيل ، حتماً ستحالفنا عطايا الرب المباركة ومواعيده الثمينة والصادقة ، أما سلوكنا حسب شر نفوسنا وتبعاً لما نحمله داخلنا من ميول الانتقام وروح البغضة والكراهية ، لا شك أن السلوك تبعاً لذلك سيجلب على نفوسنا وافر الأتعاب والضيقات ، بل المزيد من الخسارة والندم وفقد السلام .
وفى إطار تعاملنا مع الاخرين يعوزنا دائماً إدراك حقيقة انه لكى نربح الاخرين يلزمنا الوقوف على الطريقة الصائبة التى نتعامل بها مع كل أحد و التى نقدر بها على كسب ثقة هذا الاخر ومودته ، والتى بها أيضاً ندعم روابط المحبة التى تربطنا به ، وذلك من اجل الوصول إلى مستوى أفضل فى الإيمان وتنفيذ الوصية المقدسة ..
فالبعض يفرحه تعامل الاخرين معه بروح الاحترام ، وأخر يعجبه تعبير الاخرين له عن إعجابهم به وبما يمتلكه من قدرات وبركات ، وثالث لا يرتاح فى تعامله مع الاخرين إلا عندما يسمع منهم كلمات المديح والتشجيع ، ورابع لا يحتمل تدخل الاخرين فى خصوصياته وتفاصيل أموره وحياته ، وهناك من يبغض سماع أبسط كلمات المدح والإعجاب التى يقولها الاخرون عنه ، وهكذا نجد أن كل واحد يوافقه أسلوب معين قد لا يفلح غيره فى التعامل معه ..
وعندما يراعى الإنسان شعور الاخرين وما يوافقهم من أسلوب فى التعامل ، لابد وان يثمر تعامله مع الاخرين كل حب واحترام متبادل بينه وبين الاخرين ، لأن هذه هى الوسيلة التى توافق العقل وتقرها الحكمة ، بل ومبادىء الإنجيل وتعاليم الرسل الأطهار ...
فعندما تعرض الرسول بولس لهذا الأمر أكد لنا أن كل إنسان يوافقه طريقة معينه فى التعامل ، و يلزمنا طالما نرغب فى ربح الاخرين استخدام هذه الطريقة بعينها ، وهى ربح الاخرين حسب ما يوافقهم من أسلوب ..
وهذا ما فعله حقاً بولس الرسول فى إطار تعامله مع الاخرين بغية ربحهم لأجل الإنجيل ومعرفتهم للحق ، إذ يقول : " فاني اذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الاكثرين. فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود و للذين تحت الناموس كاني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس.و للذين بلا ناموس كاني بلا ناموس مع اني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح لأربح الذين بلا ناموس.صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما." (1كو 9 : 19 - 22)
وقد يحتاج الإنسان فى سبيل ربح الاخرين إلى تقديم تنازلات عديدة تسبب له كثيراً من التعب والألم ، بل و أحيانا التضحية بالمزيد من راحته وشأنه ووضعه وكرامته ، ولكن من اجل تحقيق الإنجيل يلزم الإنسان طاعة الروح وتحقيق إرادته ، وإذ لم تكن هناك طاعة للروح ونية فى إرضاؤه حتماً سيجد الإنسان نفسه يوماً من الأيام فى صراع مرير بين ما فى داخله من ميول فاسدة ورديئة وبين قوى الحق المخلص الذى لا يحتمل رؤية ما فى الإنسان من عجز وضعف وعبودية فى الوقت الذى يقدر فيه هذا الحق على احتواء الإنسان وتقديسه ، بل وتحرير أيضاً .
وقبل أن أختم هذا المقال أرغب فى ذكر بعض الملاحظات الهامة التى تفيدنا حقاً فى الانتفاع بهذا القانون الذهبى فى التعامل ، الذى هو محور هذا المقال :
+ يلزمنا حتى نحيا فى سلام مع الله وأنفسنا والاخرين أن نضع نصب أعيننا كل حين إن إنكار الإنسان لذاته أمر فى غاية الضرورية لكل نفس ترجو محبة وثقة واحترام الاخرين ، وبدون إنكار الإنسان لذاته سوف لا يقدر هذا الإنسان على التواصل مع الاخرين ، لانه طالما لا يوجد بداخل الإنسان كل استعداد لإنكار الذات ، حتماً ستسود فى داخله ميول الطمع والانتقام ، وهذا ما يعطل نمو الإنسان فى محبة الاخرين وثقتهم فيه
+ يعجبنى قول القديس ماراسحق " ازهد فى الدنيا يحبك الربوازهد فيما بين ايدى الناس يحبك الناس " ، فحقاً تعوزنا روح القناعة والزهد لكى ما نكون مقبولون لدى الله والناس ، ويعوزنا أيضاً السلوك بضمير متحرر من الأنانية ومحبة هلاك أعمال ونجاحات الاخرين وآمالهم فى الحياة ، حتى نستطيع السير حسب إرادة المسيح وفى طريق اقتناء المحبة ووفقاً لخطة الروح القدس لحياتنا والتى تعطلها أعمال الظلمة غير المثمرة والرغبة الدائمة فى الحياة حسب الجسد و كأهل العالم .
+ طاعة الإنسان لدعوة الله له من اجل السلوك حسب روح الحق والإنجيل كفيلة بجعل هذا الإنسان مقبولاً لدى الاخرين ، بل ولتمييزه فى الكمال والحق والبركة عن الاخرين ..
فطاعة هذه الدعوة كفيلة بجعل هذا الإنسان مقبولاً لدى الاخرين لأن الروح قادر على تمجيد الذين يسلكون حسب إرادته ، ومتى أرتفع الإنسان بواسطة الروح لا شك انه سينمو وسيتسامى وسيتزايد فى النعمة والقامة والحكمة عند الله والاخرين ، وهذا يعتبر من ثمار طاعة الإنسان للروح القدس ..
كما أن طاعة الإنسان لدعوة الله له من اجل السلوك حسب روح الحق والإنجيل كفيلة لتمييزه فى الكمال والحق والبركة عن الاخرين ، لأن " الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا " (غل 6 : 7) ، و " من يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية " (غل 6 : 8) ولا شك أن النمو والتزايد فى الكمال والحق والبركة أمور لا يمكن فصلها عن الحياة الأبدية ، إذ أنها تطمئن الإنسان على أبديته السعيدة ..
صديقى قصدت من هذا المقال أن أؤكد لك أن تعامل الاخرين معنا متوقف على أسلوب تعاملنا لهم ، ونحن الذين سنحصد ثمار تعاملنا مع الاخرين ، فى رد فعلهم على تصرفاتنا نحوهم ، فحرى بنا أن نجتهد حتى تكون هذه الثمار جيدة ومفرحة وسبب سلام لنفوسنا ، لك القرار والمصير .
المفضلات