أيها الإخوة الأحباء إنَّ غاية الحياة المسيحية هو امتلاك الروح القدس، وهذا الكلام صعب وغريب عن السمع، كيف يمكن أن يمتلك الإنسان الروح القدس وهو غير المنظور غير المحدود غير الموصوف وفي النهاية غير المدرك في جميع الحالات. يزداد امتلاكاً لنعم الروح القدس حتى يصبح متألهاً بالنعمة أي يجتاز مراحل عديدة في طريق القداسة التامّة ومن وصل إلى هذه الحالة تصبح حياته غير حياة الناس كافة وهنا بالطبع هو لا ينفصل عنهم بل يزداد محبة لهم وبعداً عن طرقهم الملتوية. إلى جانب القداس الإلهي نقيم صلاة الغروب ونسميها صلاة السجدة لأننا نقيم صلوات مطوَّلة نكون فيها ساجدين حتى الأرض. وفي هذه الصلاة نتحدث عن الخليقة في المزمور 103 ثم عن التوبة للعودة إلى الفردوس المفقود وما هو الفردوس المفقود سوى امتلاك الروح القدس الذي يؤهلنا للجلوس عن يمين الله الآب. والروح القدس هو الذي يجمع الدنيا إلى اتحاد واحد وكان كلام الرب لتلاميذه واضحاً أنَّه من الأفضل أن ينطلق وإلا لن يأتيهم الروح القدس، وكما يخبرنا الكتاب كان روح الله يرف على وجه المياه. ونتحد في صلاتنا كل شيء المؤمنون والطبيعة والحكام والمعذّبون والمسرورون كلهم تجمعهم الطلبات في وحدة غير منقوصة. وفي الأفاشين أو الصلوات نبدأ مخاطبتنا الله بأن يرسل لنا معونته لنتوب ويطهرنا بفعل الروح القدس القادر أن يزيل عوامل الأيام وآثار الخطيئة المميتة، وبالتالي تعود الوحدة إلى كياننا البشري، ومتى عادت الوحدة إلى الأفراد عاد الإتحاد إلى المجتمع ودلالة على ذلك أرسل الرب لتلاميذه روحه القدوس على شكل ألسنة ناريّة دلالة على قوّة التطهير وجعلهم يتكلمون لغات الناس جميعاً كما تمكّن الناس من فهم التلاميذ وكأنهم يتكلمون بلغاتهم وهنا صار إصلاح ما دمَّره نمرود عند ازدياد الشر وباء برج بابل وتبلبلت الألسنة وتعددت اللغات. فما هي الثمار التي نجنيها من حضور الروح في حياتنا وإسكانه في أجسادنا التي يقول الرسول بولس أنها هياكل الروح القدس؟. أولاً التوبة، ثانياً التنقية والطهارة، الوحدة الشخصية الكاملة. ومتى حصل ذلك تعم الإنسان قوّة المحبّة وتزهر نِعم الروح القدس لطفاً ووداعة وسلاماً وطمأنينة وتواضعاً. هذا ما نسميه الحياة مع المسيح أيضاً ليجعلها الله ممكنة لكلّ واحد منّا.
أيها الإخوة الأحباء إنّ الحياة مع المسيح سهلة جداً لمن يريد مقاومة أهوائه ولا يتطلّب ذلك لا استهلاكاً للسمعة الشخصية وبدلاً من تعب الضمير تعطيه راحة واطمئناناً. الحياة مع المسيح لا تحتاج لرأس مال بالضرورة، أما الحياة بعيداً عنه تحتاج لاستهلاك الجسد والإمكانيات العقليّة وكذلك لهدر الطاقات الماديّة. ويصبح الإنسان بعيداً عن المسيح كارهاً للناس، متكبراً عليهم، وكلما ازداد الناس بعداً عنه وقلّ أصحابه ورفاقه. أما من هو مع المسيح ويعيش بحسب وصايا الله ويقدسه الروح القدس بنعمته يجتمع الناس الفاضلون حوله ويتمنون وجوده بينهم لا بل تصبح حياته قدوة منظورة واشتهاءً حتى للمستسلمين لشهواتهم ولهذا العالم، ويغبطونه. هكذا نطلب من الروح القدس أن يعطينا القوّة للحاق بكلمته وتطبيق إرادته وإطاعة إشارته.
وكل عام وانتم بخير
العنصرة 2010
باسيليوس مطران عكار