لِمَ نَخشَى الرَهْبَنَة ؟
مقدمة كتاب لمّ نخشى الرهبنة؟ للأستاذ فايز فضول من أبرشية اللاذقية, الأستاذ والد لإثنين من راهبات دير سيدة البشارة في حلب كما أنَّ إبنه الوحيد هو قدس الأب فيليبس (فضول) الذي يخدم في أبرشية اللاذقية
أحببت أن أضع لكم المقدمة لأنها بالفعل رائعة وتستحق الوقوف عندها
إن ما تحويه صفحات هذا الكتاب ليس عائداً إلى واضعه، فهو مأخوذ من مراجع عدّة، لآباء قديسين الذين تركوا لنا كتاباتهم لأننا أبناؤهم.
إني عزمت بعون الله أن أنجز كتابي هذا، مع التحفظ بألاّ أبحث أو أتكلم بما يخص (اللاهوت) أو في خواص الله الجوهرية، لأنه لا يقدر أن يتقصاها ذهن بشري ولا قوة أخرى بعد الله.
قد تستطيع أن تكتب أو تتكلم أو تبحث في صفات الله، مثلاً في أزليته في لانهايته، في لامحدوديته، في صلاحه، في حكمته، في قوته، في عنايته، وفي تدبيره للكائنات. لأن من يستطيع البحث في هذه الأمور ولو قليلاً يعتبر لاهوتياً عظيماً بين الناس. (قول الرسول بولس: نحن فقراء ولكننا نغني كثيرين). هذه الصورة تدل على عمق المسيحي، فإما أن نكون مسيحيين حقيقيين، وإما أن نكون مزّيفين، لنا في المسيحية الإسم فقط.
ففي عصر النور والعلم، لا يجوز أن يبقى مسيحي ذو قسط ما من الثقافة بلا حجم، وبلا عمق فكري وروحي.
المطالعات الروحية هي سلاحنا ضد تفاهات المطبوعات السخيفة المطروحة في الأسواق.
إن لم يسعى المسيحيون العرب على اقتناء الكتب الدينية ومطالعتها أصبحوا بعد حين مفرغين، تحت الاحتلال الأجنبي، أي سطوة الأفكار الغريبة عن الله، إقرأ يا أخي فتتألق روحياً، لتنسف التفاهة والفراغ والبؤس لأن يسوع هو الحياة، وبدونه يفقد المسيحي معنى الوجود.
لا يكفي يا أخي أن تقرأ أدب الأدباء حتى تشرق بصيرتك، يجب أن تحيا حياة الآباء لكي تفهم الحرف وتدرك معاً في الكلمات، وتعي كيف تتماسك حتى تتكون اللوحة الآبائية الحيّة وتندمج في الخط المستقيم المبتدئ بالله والمنتهي به.
الآباء أطفال في ملكوت الرب يسمعون صوته، ويرددون كتبه نشيداً في آذان الإنسانية.
إقرأ يا أخي واكتب ما يسرك من المطالعة، فالكتابة مهنة مباركة وأعني بالمهنة، العمل، البشارة، الكرازة، وغيرها.... والمهنة أمر مبارك أيضاً وضروري للحياة، يوسف خطيب مريم والدة الإله الكليّة القداسة، كان نجاراً. القديس بولس كان يعمل: (حاجتي خدمتها هاتان اليدان). وهو نفسه قال: (من لا يعمل لا يأكل). والكتاب المقدس أيضاً يعلمنا ويوجهنا على العمل (أبي حتى الآن يعمل، وأنا أيضاً أعمل). (العامل مستحق إجرته). وغير ذلك كثير. المهنة تلزم صاحبها بنمط محدد من العيش والكلام والعبارات. فهي تصبغ شخصية صاحبها وتكوّن هويته الشخصية. وعندما يمارسها المرء يشعر بالمسؤولية. المهنة تحرض صاحبها على البراعة والإبداع، وذلك لأن الإنسان /بالعمل/ يصبح مشاركاً للّه في الخلق.
ويرى القديس غريغوريوس النصيصي في كتابه (ما هي مهنة المسيحي؟) أن للمهنة مضموناً روحياً. فهي ليست إطاراً للارتزاق فحسب بل هي رسالة وأداة تبشير نضطلع بها نكرز بالمسيح وندل عليه. فالإنسان المسيحي يعمل، لأن الله يعمل. وهو بعمله إنما يقدم التسبيح للّه، والعبادة مع الشكر والتمجيد.
لكن الإنسان لا يحياكي يمتهن، بل يمتهن ليحيا من أجل الله (به نحيا ونتحرك ونوجد) نحن نعيش من مهنتنا. ومهنتنا ينبغي أن تلمع إن كنا نرى فيها أداة للبشارة والتسبيح. فقوة الله وحدها هي التي تبقي القيم الأصلية في قلوب أصحاب المهنة الشريفة والمفيدة للحياة والمجتمع. لأن القيم الرائجة نفعية وحدودها الارتزاق والمردودية.
هنيئاً للمرتل الذي يحسن استخدام صوته حباً بالعبادة الصافية، لا غروراً في نرجسية الصوت.
هنيئاً لقندلفت، يرتب بيت الله ولا يطمع في موت الرعية كي يرتزق.
هنيئاً للكاهن الذي يصلي بعمق ويعظ من قلبه ومن حبه لربه وأخوته.
هنيئاً للأسقف الذي يحسن اختيار كهنته، ويعرقل مسيرة الارتزاقيين.
هنيئاً للعائلة التي تربي أولادها على محبة ملكوت المسيح في كل مكان ومجال في الأرض.
هنيئاً للراهب في عزلته الطاهرة وقلبه المرفوع إلى الله كل حين.
وأخيراً وليس آخراً هنيئاً لكل قلب يحسن صاحبه الإرشاد، فيتكلم بحكمة ويسلك بحكمة ويكتب بحكمة ويحيا بمخافة الله.
أنت يا رب قلت لنا إن الآب حتى الآن يعمل، فأرسل لنا روح الحكمة والفهم لتنير عقولنا كي نستمر بإلهامك على ما نقدمه في كتاباتنا هذه لنفيد بين جنسنا وأهل بيوتنا وكل من قدرتنا على إفادته من الناس، يا رب: أنت قلت: بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئاً (يوحنا 15: 5). فأرجوك أن تعينني، فأنا أحاول أن أقول ما هي الرهبنة، ولّمَ نخشاها؟ فأعطني أن أدرك نقل الصورة والقصد بكل صدق.
المفضلات