*27/8 شرقي- 9/9 غربي*
أصل القديس بيمين من مصر. اسمه باليونانية معناه راع. في سن الخامسة عشرة انضم الى اخوته الستة الذين كانوا يتعاطون النسك في برية شيهيت. أخوه الأكبر كان أيوب أو أنوب وأخوه الأصغر بائيسيوس. حين كان , بعد, فتيا ذهب فسأل شيخا في شأن ثلاثة أفكار. لكنه أثناء الكلام نسي أحدها. فلما عاد الى قلايته وتذكر, عاد للحال الى الشيخ - والمسافة كانت طويلة - ليطلعه على فكره. واذ عجب الشيخ لاهتمامه في أن يكون له قلب نقي لدى الله تنبأ له:" يا بيمين, سوف يكون اسمك معروفا في كل مصر وستكون , بالفعل, راعيا, كاسمك, لقطيع كبير جدا. لما أغار البربر على برية شيهيت, سنة407م , نجا الاخوة السبعة من المذبحة وانطلقوا الى نيتريا حيث أقاموا في ترنوني التي هي اللطرانة الحالية في صعيد مصر, على ضفاف النيل. هناك ذاع صيت بيمين حتى أخذ الأنقياء يغادرون الشيوخ الذين اعتادوا عليهم اليه سؤلا لمشورته. حين كان زائلا يفد عل أخيه الأنبا أيوب (أنوب) سائلا كان يحيله على بيمين لأنه كان يعرف أن لأخيه موهبة التعليم. لكن كان بيمين يحجم عن الكلام في حضرة أخيه الأكبر, كما أبى عليه تواضعه أن يكلم أحدا في اثر سواه من الشيوخ رغم أنه فاق الجميع.
لما درت بمعتزل السبعة أمهم طلبت وجههم فامتنوا باصرار, فذهبت الى أمام الكنيسة وانتظرت قدوم الأشياخ في الاجتماع الأسبوعي. فلما رآها أولادها ارتدوا على أعقابهم للحال. ركضت في اثرهم فألفت الباب موصدا فأنت وصاحت, فقال بيمين لأمه من الداخل :" أتؤثرين أن تبصرينا ههنا أم في الدهر الآتي؟" فأجابت :" ولكن ألست أمكم؟ ألست أنا أرضعتكم؟ والآن سبت, أما أستطيع أن أراكم ؟" فأردف :" اذا أمسكت نفسك حتى لا ترينا ههنا فستريننا هناك الى الأبد". فانصرفت الأم التقية فرحة وهي تقول:" اذا كنت سأراكم هناك فلست أرغب في أن أراكم ههنا".
سأل الأب يوسف أخاه الأنبا بيمين عن الطريقة الأنسب للصوم فأجابه انه يفضل أن يأكل الانسان قليلا جدا كل يوم ولا يشبع. أجاب يوسف: لكنك لما كنت صغيرا كنت تصوم يومين في وقت من الأوقات. فأردفبيمين: صحيح, وأحيانا كنت أصوم ثلاثة أيام وأحيانا أربعة وأكثر. كل الأقدمين تقريبا مروا بهذه الخبرة, لكنهم خلصوا, في النهاية, الى أن الأوفق للانسان لأن يأكل كل يوم قدرا ضئيلا من الطعام, وبهذا أرشدونا الى الطريق المأمون الميسر الى الملكوت. بهذه الطريقة لا يسقط الانسان في الكبرياء ولا يذل في الاعتداد بالذات.
فاجأه أحد الأخوة يوما وهو يغسل قدميه فأجابه بيمين: لم نتعلم ان نقتل الجسد بل الأهواء. وكان يقول أيضا : كل ما يفوق الحد يكون من ابليس.
كان الأنبا بيمين رقيقا جدا, كله محبة, يهتم بأعمال الرحمة والمحبة. وقد قدم لتلاميذه ذات يوم هذا المثل. قال كان لرجل ثلاثة أصدقاء . سأله الأول أن يأتي معه الى الملك فسار الى منتصف الطريق. وسأله الثاني الأمر عينه وذهب به حتى بلاط القصر. أما الثالث فدخل به الى داخل البلاط وأوقفه بين يدي الملك وتكلم عنه في كل ما يريده من الملك , فلما سأله الاخوة أن يفسر لهم المثل قال: الصديق الأول هو " النسك والحرمان" هذان يبلغان الانسان منتصف الطريق لكنهما أعجز من أن يكملاها معه. والصديق الثاني هو الطهارة. أما الثالث فهو " الحب" أو أعمال الرحمة التي تدخل بالانسان الى حضرةالله وتشفع فيه بدالة قوية. هذا المثل أخذه بيمين عن أحد العامة ممن جاؤوا لزيارة الرهبان. ولما ألح عليه القديس أن يقول له كلمة تنفعه قال له هذا المثل.
ومما قيل عن ترفقه بالخطأة أن رئيس أحد أديرة الفرما جاءه مرة مستعينا . كان قد طرد بعض الرهبان لأنهم ينزلون الى المدن ويفقدون روح رسالتهم . لكنه شعر بتبكيت ضمير فسأل بيمين في الأمر. قال له بيمين " أيها الأخ , هل خلعت عنك الانسان العتيق حتى لم يبق فيك شيء البتة؟" قال:" لا! للأسف لا زلت أعاني الكثير من عبوديته". فأجابه الأنبا بيمين:" اذا لماذا تقسو هكذا على اخوتك وأنت لا زلت تحت الآلام؟ اذهب وابحث عن ضحاياك وأحضرهم الي". ففعل وكانوا نادمين. فقبلهم بيمين ونصحهم وأطلقهم بسلام الى ديرهم.
وما يظهر محبته أيضا أنه كان في احدى قرى مصر كان بجواره راهب يسكن مع امرأة فاذ درى القديس بأمره لم يوبحه , بل لما حان وقت ولادتها أرسل مع أحد الأخوة نبيذا, ربما كدواء , قائلا ان الأخ المنكوب قد يكون في حاجى اليه في هذا اليوم. فتألم الأخ جدا وعاد الى نفسه, ثم أتى الى الأنبا بيمين وقدم توبة صادقة, اذ ترك المرأة وانطلق الى البرية وسكن في قلاية مجاورة للقديس. وكان يستشيره في كل شيء الى أن تكمل بنعمة الله.
لم يكن الصمت عند القديس بيمين غاية في ذاته . قال :" الصمت من أجل الله جيد كما الكلام من أجل الله جيد" . من أقواله في هذا الشأن :" قد تجد انسانا يظن أنه صامت لكنه يدين الآخرين بفكره, فمن كانت هذه شيمته فهو دائم الكلام.... وآخر يتكلم من الصبح الى المساء لكن كلامه فيه نفع للنفس . مثل هذا أجاد الصمت".
حين كان زائر يرغب في الحديث اليه في الأمور السامية كان يلزم الصمت. ولكن اذا سأله في الأهواء وفي كيفية تعافي النفس كان يجيبه بفرح. اجاباته كانت موزونة على قياس سامعيه ليجعل طريق الفضيلة لديهم سالكة.
عن الأفكار قال: كما أن الثياب الكثيرة الموضوعة في الخزانة لمدة طويلة تتهرأ, هكذا الأفكار اذا لم نسلك فيها تتلاشى مع الوقت.
وقد علم أن ثلاثة تنفع في تنقية النفس , أن يلقي المرء بنفسه أمام الله ولا يقيس نفسه ويلقي عنه كل مشيئة ذاتية. كذلك قال: بلوم النفس والصحو تنبني النفس وتتقدم الى الكمال. حين كان يرى أخا نائما في الكنيسة كان يجعل رأسه على ركبتيه ليريحه. أما صحوه, من جهة نفسه, فكان صارما فيه عالما أن مبدأ كل الرذائل هو التشتت . وقبل أن يخرج من قلايته كان يمضي ساعة جالسا يفحص أفكاره.
قال: الانسان بحاجة الى التواضع حاجته الى نفس منخاريه. وانه بلوم النفس الذي يجعلنا نقدم أخانا على أنفسنا يكون لناوصول الى هذا التواضع الذي يسبغ علينا, في كل ظرف, راحة. من جهة نفسه كان يأنف من نفسه حتى كان يقول: في الموضع الذي يلقى فيه الشيطان ألقي أنا بنفسي وأجعل ذاتي دون الكائنات غير الناطقة لأني عارف أنهم دوني بلا عيب . سألوه كيف يجعل نفسه دون المجرم فقال: المجرم أخطأ مرة أما أنا فأخطئ كل يوم.
جاءه, مرة, زوار ذو رفعة من البلاد السورية ليسألوه في نقاوة القلب . لم يكن بيمين يعرف اليونانية ولما يوجد ترجمان. واذ لاحظ ارتباك زائريه شرع يحدثهم فجأة باليونانية قائلا:" كبيعة المياه رخوة وطبيعة الحجر قاسية. ولكن اذا علقنا قربة فوق الحجر وتركنا الماء تنقط نقطة نقطة فانها تخرق الحجر. هكذا الأمر بالنسبة لكلام الله. كلام الله بطبيعته كالماء رقة وقلبنا قاس , فان سمع الانسان , بتواتر, كلام الله فانه يفتح القلب على مخافة الله.
لازم بيمين البرية سبعين سنة وعاصر الآباء القديسين أرسانيوس ومكاريوس الكبير ومكاريوس الاسكندري, وتنيح حوالي العام 460م.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات