في تقلبات التأمل
69ـ تشرع النعمة عادة بانارة النفس بنورها الذاتي في احساس عميق، ثم مع تقدم الحروب الروحية تتم اسرارها في النفس التأملية بصورة غير مدركة، لتدفعنا تارة الى تتبع المشاهدات الالهية بفرح كمدعوين من الجهل الى المعرفة، ولتحفظ معرفتنا تارة اخرى في وسط الحروب بعيدة عن الغرور. فالأولى بنا ان نحزن باعتدال عند شعورنا بأننا مرذولون لكيما نزداد اتضاعا وخضوعا لمجد الله ، وان نفرح عندما يجنحنا حسن الرجاء فكما ان فرط الحزن يغرق النفس في اليأس وعدم الايمان كذلك فرط الفرح يسوقها الى العجب، اني اقول ذلك من اجل الذين ما زالوا اطفالا ، اذ انه في منتصف الطريق بين الرذل والاستنارة تقوم المحنة ، وفي منتصف الطريق بين الحزن والفرح يقوم الرجاء فانه مكتوب " انتظرت الرب بصبر فأصغى الي " ( مز 1:39) وايضا " ان تعزياتك فرجت عن نفسي حسب كثرة اكداري في قلبي " ( مز 19:93)
70ـ اذا ما فتحت ابواب الحمام على الدوام تترد حرارة الداخل الى الخارج سريعا ، كذلك ايضا اذا ما استسلمت النفس الى رغبتها في كثرة الكلام، حتى وان كان كل ما تقوله حسنا، فانها تبدد ذكرها لله من باب الكلام، ولذا تضحي محرومة من الافكار الموافقة وتروح تعرض على اول القادمين جملة فيض تفكيرها، اذ باتت لا تقتني الروح القدس ليصون افكارها من التصورات. لان الصلاح يهرب دوما من الثرثرة كونه غريبا عن كل اضطراب وتخيل. فالصمت الملائم شيء جميل اذا ، وهو ليس بأقل من أب لافكار كثيرة الحكمة
71ـ تعلمنا اقوال المعرفة ان اهواء كثيرة تداهم في البداية النفس المنصرفة للمشاهدة الالهية. ومنها خاصة الغضب والبغض، وليس هذا من فعل الشياطين بقدر ما هو بسبب تقدمها عينه. فانها ما دامت تنصاع لفطنة هذا الدهر لا تنفعل ولا تصطرب لرؤيتها الحق مداسا، اذ تكون منشغلة بمشتهياتها فلا تنظر الى حقوق الله؛ أما اذا بدأت ترتفع فوق اهوائها فانها لاجل احتقارها للحاضر ومحبتها لله لا تتحمل رؤية الحق مهانا حتى ولو في الحلم ، فتغضب من ثم على المذنبين وتعمل ناشطة الى ان ترى معيري العدل يكفرون دينيا عن ذنبهم، لهذا فهي تبغض الاشرار وتحب الابرار، لأن عين النفس تخلو من كل انحراف اذا كان سترها ـ اعني الجسد ـ قد صار بالامساك والعفة تسبيحا كثير الرقة الا انه من الافضل جدا البكاء على عدم احساس الاشرار بدل بغضهم. فالنفس المحبة لله ، وان أقررنا بأن هؤلاء يستحقون البغض ، لا يسمح لها العقل بالاستسلام له ، لانه ما دام البغض قائما في النفس فالمعرفة لا تفعل فيها
72ـ اللاهوتي الذي تفعمه وتلهبه اقوال الله في الاسفار المقدسة ينتهي بعد اجتيازه بعض المحن الى رحاب اللاهوى الفسيحة. لان " كلام الرب نقي كالفضة الممحصة المصفاة بالنار من كل مزيج ترابي ( مز 6:11)، " فالعارف" الذي تقوى بالخبرة العملية يرتفع فوق الاهواء، ولكن " اللاهوتي " ايضا يذوق خبرة المعرفة، ان اتضع ، وذلك كالعارف الذي اذا ما حفظ تميزه عاريا عن الخطأ يبلغ تدريجيا الى قوة المشاهدة، لا تعطى الموهبتان بكاملهما ابدا الى شخص واحد ، حتى اذا ما أعجب الواحد بما يتفوق به عليه الآخر يكثر تواضعهما مع غيرتهما للبر . لذا يقول الرسول :" فانه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم ( اي معرفه؛ ) بحسب الروح الواحدة ( 1 كور 8:12)
73ـ حين تكون النفس رائعة في وفرة ثمارها الطبيعية ترتفع ترتيلها عاليا وتبتغي المزيد من الصلاة الصوتية . اما اذا كان الروح القدس يفعل فيها فانها ترتل وتصلي في سر القلب بكثير من التسليم والعذوبة. الحالة الاولى يرافقها فرح سريع التخيل، اما الثانية فترافقها دموع داخلية روحية مع نشوة تواقة الى الصمت. لأن ذكر الله الذي يحفظ حرارتها عن طريق سكوت الصوت يعد القلب لان يطفح بخواطر توجع ووداعة. واذ ذاك يمكننا فعلا ان نرى بذار الصلاة تزرع بالدموع في ارض القلب، على رجاء فرح الحصاد اما اذا ما داهمنا القنوط فيجب ان نرفع الصوت في ترتيل المزامير اكثر قليلا ضاربين على اوتار النفس ومستخرجين نغماتها ببهجة الرجاء الى ان تتبدد هذه السحابة الثقيلة بنفثات الترانيم
74ـ متى صارت النفس الى معرفة ذاتها انتجت تلقائيا حرارة مرضية لله. لانها اذ لم تعد مضطربة لهموم الحياة تلد اشتياقا الى السلام يبحث كما يليق عن اله السلام. ولكنها تتشاغل عنه سريعا اما بسبب خيانة الحواس لها او ايضا بسبب الطبيعة التي من شأنها ان تستنفذ' سريعا نتيجة العجز ، ما لها من الصلاح لذا فحكماء اليونان لم يكن يملكون كما يجب ما كانو يظنون بلوغه بالامساك. لان ذهنهم لم يكن تحت تأثير الحكمة الازلية الحق، أما الحرارة الحاصلة في القلب من الروح القدس فهي على العكس من ذلك كلية السلام تحث كل اقسام النفس على طلب الله ، ولا تتبدد خارج القلب بل تنشط بواسطته الانسان كله الى محبة وسرور لا حد لهما . فيجب اذا ان نتبين حقيقة الحرارة الاولى ونبلغ الى الثانية. لانه اذا كانت المحبة الطبيعية تدل على شيء من عافية الطبيعة في حال الامساك. فانها لا تقدر ابدا على جعل الذهن صالحا وتقيمه في اللاهوى كما تفعل المحبة الروحية
يتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات