كـــان مـعـنـــا ...وسـمـعـنـــا صـلـواتـــه

كنت أطرح على نفسي تساؤلات عديدة ،مستغرباً ومندهشاً مما طالعته وسمعته ،حتى عاينته ، فعدة مواقع ومجلات ونشرات أرثوذكسية أفردت صفحات عديدة ، وهي تتحدث عن كاهـن انتقل إلى الأخدار السماوية منذ عام تقريباً ، ومازالت سيرة حياته ، وأقوالـه ، وأفعالـه يتردد صداها في كافة أنحاء الكرسي الأنطاكي ، ودفعني فضولـي من جهة ، واهتمامي الأرثوذكسي من جهة أخرى ، لحضور حفل التأبين في ذكرى الأربعين لانتقالـه ، وهناك سمعت واطلعت وخبرت محبة أولاده الروحيين لـــه ، مما أيقظ في نفسي إحساساً مدهشاً بأن أنطاكية العظمى ومهما وصلت إلى عصور الانحطاط ، ومهما تكالبت عليها المحن والمشاكل والأهواء الفردية التسلطية ، فهي ستجدد رسالتها ، وستنفض غبار الجهل والتقوقع عنها ، ما دام في رحمها أمثال ذاك الرجل ـ الكاهن ـ المعلم ـ الأب ـ الأخ ـ المرشد ـ الصديق .

وما إن طالعت وعلمت عن موعد إقامة قداس في ذكرى مرور عام على رقاد الأب المتوحد الأرشمندريت الياس ( مارسيل مرقص ) ، في منزله الروحي ، في الدير الذي أحياه بسواعده وأخـلاقـــه وتواضعه ، حتى بدأت بالاتصالات الهاتفية والشخصية للمشاركة في مسيرة حج للصلاة من أجلـــه ، وطلب تشفعه وبركته .
وبمساعدة الأخ العزيز عميد حنا ، الذي قام بالاتفاق مع ميكروب باض وتلبية رغبتي ورغبة عدد من الأخوة والأخوات ، أتيح لي أن أطرق للمرة الأولى في حياتي باب دير القديس جاورجيوس في الحرف ، وأن أشارك في صلاة القداس الإلهي الذي ترأسه المطران جورج خضر بمشاركة عدد من الكهنة ، وحضور بعض الرهبان والراهبات والكهنة ، وحشد كبير لم تستطع تلك الكنيسة الصغيرة بمساحتها ، والكبيرة بقلبها أن تستوعبه ، فتم اللجوء إلى مدخل الدير ، وإلى استعارة صالون الكنيسة الملاصقة للدير ومع وضع شاشات كبيرة كان يعرض عليها كل ما يجري داخل الكنيسة .
وفي كافة مراحل الصلاة والقداس ، كانت عيناي يقودهما قلبي ، تتفرسان في كل رجل وامرأة وشاب وصبية ، علهما تريان المغبوط الذكر والمثلث الرحمات الأرشمندريت الياس ، فمع كل انحناءة وسجود ، ومع كل رسمة للصليب المقدس ، كان قلبي يقول لي ها هو هنا ، هذا صوته ، هذه صلاته ، هذا سجوده ، هذا تواضعه ، ومع تقدم المؤمنين لتناول دم وجسد السيد ، وانتهاء صلاة القداس الإلهي ، بدأت صلاة الراقدين ، التي تلتها كلمات تأبينية .
استهلها الأخ البير لحام، والذي تحدث عن تواصله مع جورج خضر وجبرائيل سعادة ـ أثناء دراستهم في معهد الحقوق ـ الذي كان يتواصل مع مارسيل مرقص ، وعشنا من خلال كلماته المؤثرة مراحل تأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسية القائمة على حياة الشركة وكسر الخبز والصلاة ، ومما قاله : /" إلا أن سرعان ما تبين للذين انضموا للحركة بأن الرب يطلب بأن نسلم ذاتنا له ، ونطيعه بكل قدرتنا ، وأن لا نحب أباً أو أماً أو أختاً أكثر منه ، وأن نعبر عن محبتنا هذه بأن نتحد به ، اتحاد الأعضاء بالرأس ، واتحاد الغصن بالكرمة ، ورأى البعض بأن هذا الكلام صعب ، فلم يتابعوا الجهاد ، والبعض قبل ، إلا أن هموم الدنيا أبعدتهم عن متابعة الجهاد ، لكنهم حفظوا في نفوسهم صورة المحبة ، ووقع بذار الرب في قلوب كثيرة من الذين عزموا على تحقيق الكلمة في حياتهم ، والبعض الآخر وهم أقلية ، بقيت الكلمة تقض مضاجعهم بعنفها ، وسمع بعضهم " أتحبني أكثر من هؤلاء ، ارع خرافي " ، وسمع آخرون نداء آخر " اذهب وبع كل ما لك وتعال اتبعني واحمل صليبك " .
ومع التأثر الظاهر والصوت المرتجف ، أكد لنا الأخ ألبير أن " مارسيل مرقص هو أول من فتح طريق الرهبنة ، طريق التكريس الكامل ، إذ سمع هذا النداء ولبى ، فلم يعد مارسيل يطيق أن يبقى في العالم ، وشعر بأن ما يقدمه للأخوة والأخوات والمؤمنين من شهادة في الحركة لا يروي عشقه للرب ، فالرب ما زال يناديه " أنا عطشان " ، فكانت بداية جديدة للحياة الرهبانية في أنطاكية ، وكان دير القديس جاورجيوس في الحرف منارة يشع نورها في الكرسي الأنطاكي" .
وشدد الأخ البير لحام على رجوع شباب الحركة بل شباب الكنيسة المقدسة لنفوسهم أمام الله ، ودعى لانضمام أفواج مكرسة للرهبنة ، لكي تبقى البوصلة التي ترشد الكنيسة في مسيرتها إلى أورشليم الجديدة .
وألقى الأمين العام للحركة الأخ إبراهيم رزق كلمته منوهاً بأنه لا يمكن ذكر اسم الياس مرقص دون ذكر دوره في تأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسية ، وذكر عن تلك الرسالتين ، المرسلة واحدة منها من مارسيل مرقص إلى جبرائيل سعادة ، والأخرى من جورج خضر إلى البير لحام ،وذلك في وقت واحد تقريباً ، وتطرق في كلمته إلى " أننا في الذكرى السنوية الأولى لغيابه ، فقد جمعنا أبونا الياس ، لا لذكر أو إطلاق مواقف من المديح والشكر ، بل لنستذكر اليسير مما عمل ونتعظ من مسيرته التي جعلت من جدران الدير ألواح زجاج تنقل محبتها للعالم".
كما ألقى قدس الأرشمندريت يوسف رئيس دير الحرف كلمة بسيطة صغيرة مؤثرة ، نوه فيها إلى أعمال وتصرفات الأب الياس وعن تعليمه للجميع وبدون أقوال مبالغ فيها عن الطاعة ، إذ كان أول من يحضر للكنيسة، والروح الصاحية في الدير ، وعندما كان أولاده يمدحوه ، كان يقول لهم " أرجوكم لا تهينونني بالمديح أنا الخاطيْ " .
وختم قدس الأرشمندريت يوسف كلمته عن الأب والمعلم في الحياة الرهبانية بقوله " نسألك يا أبانا أن لا تنسانا في ملكوتك " .
وكانت كلمة الختام للمطران جورج خضر ، والذي رغم قوله بأن ما سيقوله فقد قاله من سبقوه، إلا أنه استرسل قائلاً بأنه يود الإعلان بأن الرسالة التي أرسلها الأب الياس المسمى آنذاك مارسيل مرقص ، والرسالة التي أرسلها هو ، بفارق يومين أو ثلاثة ، وهم لم يكونوا يعرفون بعضهم ، وبعد انكشاف هاتين الرسالتين ، بأنه لم يعد يعرف من أسس الحركة ، وهل المؤسسون هم من اللاذقية أم من لبنان .
ونوه سيادته إلى أن الرهبنة الرجالية في الكرسي الأنطاكي قد انطفأت في الثلاثينيات مع بقاء الرهبنة النسائية ، وإلى أن الأب الياس هو أول راهب بعد وفاة آخر راهب في البلمند ، وإلى أن نوعية هذه الرهبنة الرجالية والنسائية قد اختلفت عما هو معروف عنها سابقاً إذ بدأ الرهبان والراهبات بالكتابة ، وتعلم الناس ماهية الراهب ، وأعاد إلى الأذهان ما يعرفه الكثيرون عن الأب الياس بأن لديه خبرة الروح الذي ألبسه ثوب القيامة ، ثوب الفرح ، وأن كل ما كتبه في رسالته إلى كابي سعادة فإنه نفذه وطبقه ، ونوه كذلك إلى أنه كم هو رائع أن تضع الله أمامك ، وشيء رائع في المسيحية أن تلتقي فئة من الناس كي يتخصصوا له .
وأضاف سيادته بأن الرجل المثقف ذو الذكاء والفهم والحضور الاجتماعي والبيئة الاجتماعية المشرفة ، فإنه وعند حضوره إلى الدير أصبح إنسانا بسيطاً ( باللغة المسيحية والمصطلح المسيحي ) وهو الإنسان الذي يتصل بك مباشرة بالمحبة ، وهذا النوع من البساطة العليا والتي كان عليها الأب الياس فإنه تركها إرثاً لنا .
وختم سيادته كلمته قائلاً : أرجوكم أن تصلوا دائماً ، إن أبانا الياس لم يمر من هنا ومات ، مر هنا حتى يبقى ، حتى يبقى هنا في هذه الدنيا بأبنائه الرهبان ، لا أقول بالراهب المتوحد ، بل أقول بالراهب المستوحد ، أي طلب الوحدة بالله ، المتوحد من حقق وحدته ، والمستوحد من هو ، هو لآخر حياته يطلب أن يتوحد بالله .
وبعد انتهاء كلمات التأبين دعي كافة المشاركين في هذه الذكرى إلى لقمة رحمة .
وأجد نفسي ملزماً هنا بالتذكير بأن آخر من غادر الدير المقدس هم أولئك القادمون من سوريا والذين توافدوا إلى قبر المطوب الذكر والمثلث الرحمات الأب الياس ، لأداء صلاة الراقدين وطلب شفاعة القديسين ، والذين وبعد جلسة مع رئيس الدير ،غادروه على أمل العودة القريبة، حوالي الرابعة مساءً وفي نفسهم غصة ولوعة وشوق ومحبة لمن كان يجمعهم ويرشدهم ويعتبرهم من أبنائه .
وأما بالنسبة إلي شخصياً ، فأنا وأمام ما سمعت وما شاهدت وما عاينت ، فإنني أود أن يطرح المجمع الأنطاكي المقدس على نفسه سؤالاً يتردد في قلوب وأفكار كل من شارك في هذا القداس وهذه الصلاة ، ألا وهو ماذا نستطيع أن نعمل كي يبقى ذكر الأب الياس مؤبداً .
وكانت هذه الزيارة المباركة لي فرصة لي للتعرف على هامة كبيرة من هامات الأرثوذكسية الأنطاكية ، ألا وهي شخصية الصوت الصارخ في البرية الأنطاكية قدس الشماس اسبيرو جبور أمد الله في عمره ، وأتيح لي كذلك التعرف على قدس الأب باسيليوس محفوض الموقر والأخت فاديا الكعدة ، وتجديد محبتي للأخ رجا بدران .
ومن الجدير بالذكر بأن قدس الأب باسيليوس محفوض قد نشر مشكوراً على صفحته في الفيس بوك صوراً عن هذا القداس ، ويمكن الرجوع إلى اللينك المرفق أدناه للإطلاع عليها وهي تحت عنوان " سمعنا صوته " .
http://www.facebook.com/media/set/?s...2919847&type=3
بشفاعات والدة الإلـه والسابق المجيد يوحنا المعمدان ، إحفظ يا رب ذكرى أبينا المتوحد الأرشمندريت إلياس ( مرقص ) في قلوبنا ، لننمو معه في غيرة مقدسة ، كما لشفيعه النبي إيليا الغيور ، بشفاعات القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر ، آمين .
25 شباط 2012 : ذكرى مرور سنة على رقاد أبينا المتوحد الأرشمندريت إلياس مرقص .

اليان جرجي خباز