[FRAME="13 70"]
الحسد والتجديف على الروح القدس
القول في شأن التجديف على الروح القدس ورد في إنجيل متّى. تفوّه به الربّ يسوع المسيح بعدما قال الفريسيّون، إثر سماعهم خبر شفاء يسوع إنساناً "مجنوناً أعمى وأخرس": "هذا لا يُخرج الشياطين إلاّ ببعلزبول رئيس الشياطين" (مت 12: 24). لم تبلغ كلمات الفرّيسيّين يسوع بسمع الأذن بل بعلمه بما جرى في خلدهم، والربّ علاّم القلوب. سماعه، في كل حال، داخلي، لِما في القلب. حُكْمُهُ ورد بهذه الصيغة: "كل خطيّة وتجديف يُغفر للناس. وأما التجديف على الروح فلن يُغفر للناس..." (مت 12: 31).
التجديف على الروح القدس، كما هو بيِّن، هو أن ينسب المجدِّف عمل الروح إلى الشيطان.

كيف وقع الفريسيّون في خطيئة التجديف؟
ألأنّهم لم يعرفوا؟
بل لأنّهم لم يشاؤوا أن يعترفوا! شرّهم عكسوه على الروح فقالوا فيه شرّاً!

الكتب عرفوها ويسوع عرفوه. سمعوا كلامه وعاينوا آياته. لكنْ لم يكن همّهم أن يعرفوه كما هو بل أن يصطادوه بكلمة. قصدهم كان شرّيراً، لذا عرفوا بالأذن الخارجية ولم يعرفوا بالقلب. لم يكن على يسوع مأخذ حقيقي. "مَن منكم يبكّتني على خطيئة". لما طلب اليهود على يسوع شهادة زور لم يجدوا (مت 26: 60). ومع ذلك نبذوه. قالوا: يُضلّ الشعب! كانوا عمياناً قابعين في ظلمة القلب.
ما الذي أعماهم؟
حسدُهم!
بحسدهم أسلموا الربّ! بحسدهم قتلوه!
إذاً التجديف على الروح القدس فعل حسد!

الحسد هوى في كل نفس. السقوط أولد ميلاً إلى الحسد. حسد النفس من عشقها لذاتها. هذا بات كلُّ إنسان مفطوراً عليه. "بالخطيئة ولدتني أمّي". وعشق الذات مرادف لعبادة الذات. عابد نفسه يدور في فلكه الخاص. هو الألف والياء في عين نفسه. كل شيء، في حسبانه، يدور حوله وكل ما عداه نكرة. سعيه، أبداً، أن يكون هو السيّد. الحسد درجات. الحسود الأول وأبو الحسّاد هو الشيطان. الإنسان سقط عن جهل والشيطان عن معرفة... بالحسد.

ذروة الحسد، على هذا، أن يشتهي الحاسد الكل لنفسه كإله. يتملّك بالشهوة والوهم. متعته أن يتسلّط، أن يُفسِد. غيظه ومن ثمّ عذابه وناره، أن يُخفق في التسلّط على غيره، أن يفسد سواه. قلبه فاسد لذلك كل نواياه سيِّئة. يعادي بلا سبب. ما لا يتمكّن منه يبغضه. وفي البغض، لديه، متعة. الحاسد خلقة الله في الإنحراف. يُسَرّ بالإثم ولا يُسرّ بالحقّ. الحقّ في عينيه غباء وبطلان. هو المشتكي والمفتري والكذّاب. عند حدّ من الحسد لا يعود للحاسد إمكان توبة. يصير كيانه كلّه مظلماً. لا يعود النور يعني له شيئاً. هذا ما عدو الخير فيه.
إذاً في كل نفس قدر من الحسد. الحسد، في النفس، قابل لأن يتفاقم. الكل رهن بالشخص: أن يسلم نفسه للحسد أو أن يتصدّى له حتى النقاوة، هذه هي المسألة. هنا يكمن أساس الحياة الروحيّة. الحسد نخرٌ للعظم الداخلي.

ليست قوّة أقوى ولا أخطر، في العالم، من الحسد. الحسد شيخ الأهواء. في سفر الأمثال تعبير عن طغيان هذا الهوى. "مَن يقف قدّام الحسد؟!" (أم 27: 4). وعند كاتب سفر الجامعة الحسد على شمولية ولا أشمل: "رأيت كل التعب وكل فلاح عملٍ أنه حسد الإنسان من قريبه" (جا 4: 4). ليس شيء في الأدب الشعبي العالمي يعكس ما روّع الناس، عبر الزمن، أكثر من الحسد. وفي كتبنا صلوات لرفع أذى العين الحاسدة. العقلانيون لا يصدّقون. أما للعارفين بدواخل الحياة الروحية فالأمر بديهيّة. أحد الذين تحدّثوا عن الحسد، في الزمن الحديث، الأب برفيريوس الرائي. القوّة الشرّيرة تنتقل وتفعل. لا يمنعها قفل ولا تقف في وجهها المسافات. بإمكانها أن تتسبَّب في حوادث كثيرة، وفي بعض الحالات، أن تقتل.

عبثاً يحاول المرء أن يحمي نفسه من حسد الآخرين له خارجياً. خير حماية له أن يحمي نفسه داخلياً، بكشف ما في نفسه من حسد، ومقاومته بنعمة الله والحب غصباً من حيث إن المحبّة عمل الإرادة. الحسد الذي نختزن هو خير جاذب لحسد الآخرين وتأثيره السالب فينا. لذا عين كل نفس ينبغي أن تكون على ما في داخلها، أن يفحص المرء نواياه وأن ينقّيها. ودونك علامات تستعرف بها المحاسد فيك. إذا ساءك أن ينجح أخوك في شيء فأنت حاسد، وكذا إذا طاب لك، في قرارة نفسك، أن تراه في الضيق. إذا استبدّت فيك الرغبة في انتقاده أو شعرت بالغبطة الخفيّة لانتقاد الآخرين له فأنت، إذ ذاك، على أرض الحسد مقيم. كذلك إذا ألغيت أحداً عن عمد أو تجاهلته واستبدّ بك غيظ عميق في شأنه. والأمر عينه إذا أسلمت نفسك للنيّة السيِّئة من نحوه لأنّ المحبّة لا تحسد ولا تظنّ السوء. إذا كنت ترى في إنسان ما، كائناً مَن كان، غريماً لك فافحص ما في نفسك حياله تجد حسداً. أما علامة البرء من الحسد، بعد لأي، فأن يفرح المرء مع الفرحين ويبكي مع الباكين. أن يُسرّ بخير الآخرين وكأنّه له. أن ينعطف بمحبّة عليهم. أن يهتمّ ببنائهم وإصلاحهم بالرفق وأن يحزن عليهم إذا ما ضلّوا ويتّخذهم في الصلاة والمحبّة. فقط إذا عاند أخوك في الهرطقة والضلال تفرزه ولكن بأسى ودعاء إلى الله أن يعود عن غيّه. إذا كان الحاسد لا يفرح بالحقّ إلاّ إذا كان عن يده فالبريء من الحسد يفرح بالحقّ كائناً مَن كان المتفوّه به. أول الحسد أن تفرح بالخير لنفسك دون سواك ومنتصفه أن تفرح بأذية أخيك دون ما هو لك وذروته أن ترى في نفسك الخير كلّه وفي سواك الضلال كلّه. وأول البرء من الحسد أن تلوم نفسك في كل أمر ومنتصفه أن تبرّر أخاك في كل أمر وكماله أن تحبّه كنفسك.

متى بلغ الإنسان حدّ العمى الداخلي حسداً، متى ماتت فيه كل مقاومة وتفشّى فيه روح الحسد فإنّه لا يعود بعيداً عن التجديف على الروح. الإحساس بالحقّ لديه يموت ويصير النور فيه موضع بغضة. إذ ذاك يصير ابناً لإبليس بالوضع وإبليسُ أباه. الروح الفرّيسيّة الحاسدة قد تستوطن أي نفس، ولا ينحفظ منها إلاّ المجاهدون. التلقائية هي إلى الحسد.

وآلمُ ما في الروح الحاسدة أن تغزو المحسوبين أبناء الإيمان، عامة ورعاة، وهم يظنّون أنفسهم غيارى. هذه رجاسة الخراب القائمة، بحسب دانيال النبيّ، في المكان المقدّس، وهم المكان المفترض أن يكون مقدّساً لله. هي الأكثر إيلاماً لأنّك فيما تتوقّع أن تلقى في بيت الله محبّة تجد ظلماً. وفيما تتوقّع اهتماماً تلقى لامبالاة. وفيما تتوقّع رحمة تطالعك قسوة تصدمك. وفيما تتوقّع احتضاناً وأنت مهيض الجانح تلقى مَن يُفترض به أن يكون في سدّة الأبوّة يحطّمك ويلغيك. حين تلقى حقداً وضغينة ومحاباة وجوه، حين تلقى الضعيف مسحوقاً مستغَلاً محتَقراً والقويّ مُكبَراً موقَّراً، وكل ذلك باسم الله، فلا يمكن أن تصدّق أنّ هذه هي كنيسة المسيح الحقّ. تلقى السيّد مصلوباً، من جديد، في مَن مات لأجلهم، بيد الفريسيّين والكتبة ورؤساء الكهنة الجدد.

في الكنيسة لنا معيار أوحد يختصّ ببناء إنسان القلب الخفيّ الكثير الثمر إيماناً ومحبّة ورحمة وتواضعاً وصبراً ولطفاً وأمثال ذلك. الكل من هذا الهاجس ينبثق وعلى هذا الهاجس يتركّز. همّنا أن يجري الحقّ كالمياه والبرّ كنهر دائم (عا 5: 24). فيما عدا ذلك لا طموح لنا في شيء لأن ما عدا ذلك جلّه حسد.

ألسنا نرى كنائس تبنى بدافع الحسد وأنشطة تُعمَل من حسد ورئاسات تتصارع عن حسد وتعاليم تُذاع عن حسد وكتباً تؤلَّف عن حسد وناساً يُسحَقون عن حسد؟ أنّى للحسد أن يستوطن في بيت الله على هذا النحو وبهذا القدر؟! إن كنّا لنتعزّى بالبقية العزيزة، هنا وثمّة، فنحن مجرَّبون بذات حكم السيّد على خفافيش الهيكل:"بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص".

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
[/FRAME]