[FRAME="11 70"]

(11 كانون الثاني)
* سيرة القديس البار ثيودوسيوس رئيس الأديار *


(+529م)

ولادتُهُ ونشأتُهُ:
ولد ثيودوسيوس في قرية كبادوكية تدعى موغاريسوس لأبوين تقيين. اسم أمه أفلوغيا, ترهَّبت في كبرها وصار ثيودوسيوس أباها الروحي. نما ثيودوسيوس في النعمة والقامة وكان قوي البنية. قيل إنهُ منذُ أن كان فتىَ لم يسمح لنفسِهِ بأن تميل إلى محبة القنية والغنى والمال. أمرٌ واحدٌ كان يملأ جوارحَهُ:الرغبة في رؤية الأرض المقدَّسة. اعتاد أن يقرأ الكتاب المقدَّس باستمرار. قرأ في سفر التكوين أن الله دعا إبراهيم لأن يترك أهله وأصدقاءَهُ وعشيرتهُ وكُل شيء له إذا كان يرغب حقَّاً في أن يرث البركة الأبدية. هذه الدعوة اقتبلها قديسنا ثيودوسيوس كما لو كانت موجَّهة إليه، سلوكاً في الطريق الضيِّق المفضي إلى بركات الدهر الآتي.

خروجُهُ نحو أورشليم:
خرج ثيودوسيوس من كبادوكية متجهاً نحو أورشليم بنية التبرك من الأراضي المقدسة. وفي طريق رحلته بلغ أنطاكية ليتبرَّك من القديس سمعان العمودي، الذي التقاه وباركهُ وتنبأ له بما سيصير إليه كرجل الله .

بعد ذلك أسرع ثيودوسيوس إلى أورشليم, لمَّا وصل لم يدر أي طريق يأخذ وكيف يباشر ما عزم عليه. أيختار الحياة المشتركة كونه يرغب في الترهُّب,أم يلتمس حياة النسك من أول الطريق؟

وبعد أخذٍ ورد تكوَّنت لديه قناعة أنَّه خيرٌ لهُ أن يتمرَّس على الحياة النسكية على يد أحد الآباء المجرَّبين أولاً ثمَّ يخرج إلى العزلة والصحراء. وهكذا كان.


لقاؤهُ بالأنبا لونجينوس:
هدى الله ثيودوسيوس إلى أب شيخ مبارك يدعى لونجينوس كان هو أيضاً كبادوكيَّاً, فأقام معه زماناً طويلاً قرب برج داود سالكاً في الطاعة لهُ في كل الأمر. بارك الأب لونجينوس ثيودوسيوس سامحاً لهُ بأن يقيم متوحداً في قلايةٍ صغيرة على الطريق إلى بيت لحم. فانتقل ثيودوسيوس إلى تلك القلاية. لكن ما لبث أن ذاع صيتُهُ فأخذ الناس يُقبلون إليه من كُلِّ ناحيةٍ وصوب. هذا دفعَهُ لكي يترك قلاَّيته وينتقل إلى أعلى الجبل حيثُ استقرَّ في مغارة ما تزال رفاتُهُ إلى اليوم رابضةً فيها.

تنسُّكهُ في المغارة:
تنسَّك ثيودوسيوس في المغارة, كان بنية الانصراف الكلّي إلى إتمام عمل الرهبنة. لذلك كان القديس يعمل على ضبط جسده بكلِّ حكمة ودراية. لأن همَّه كان أن يفعل ما يرضي الله. كان دائماً ينظرُ إلى مكنونات قلبه، ويسلك بإمانة في حكمة ربه، عالماً باحتيالات العدو الذي يشاء أن يدفع المجدِّين إلى التطرف والنسك الزائدين لإلقائهم في الكبرياء والغرور. اعتاد اليقظة بنعمة ربّه وكان دائم الصلاة. كان يكفي جسدَهُ من الطعام بما هو ضروري اجتناباً للوقوع في الوهن والمرض. حياتُهُ النسكيَّة هذه جعلتهُ يضيء بالنعمة الإلهية. مما دفع الناس مجدداً إليه بنية الفضيلة والترقي في دروب الحياة الفضلىَ. ردَّةُ الفعل الأولى لديه كانت، أنَّهُ صدَّ الناس لئلا يتعكّر صمتُه.أخيراً ألحّ عليه طلاَّب الرهبنة وأعطاه الرَّب الإله اقتناعاً. كان عدد الذين قبلهم أولاً لا يتجاوز السبعة. هؤلاء استقروا في المغارة من حوله.

رجاؤهُ بالله:
رجاءُ قديسنا كان بالله قوياً، لأن الله كان يمدَّه ورهبانهُ بكلِّ ما يعوزون. كما حدث لمَّا أعطاهم خبزَ الذبيحة الإلهية يوم الفصح المجيد ليقيموا الذبيحة بوساطة رجلٍ بلغ الدير وهو يحمل الخبز والخمر وضرورات الحياة الأخرى, بعد أن اضطرب تلاميذه وقلقوا لأن الفصح كان ولم يكن لديهم لا خبز الذبيحة ولا قوتهم اليومي. وحوادث أخرى مثلُ هذه تكرَّرت مع القديس ورهبانه. لذلك كان القديس يعلّم رهبانَهُ أن لا يضطربوا متى نقصت مئونتهم, وأن يلقوا رجاءهم على الله الحي.

بناءُهُ ديراً لرهبانه:
زاد عدد تلاميذ القديس, حتَّى ضاقت بهم المغارة حيث يقيمون, فطلبوا من قديس الله أن يبارك بناء ديرٍ لهم, فرفض بادئ الأمر. وبعد إلحاحٍ أعطى الأمر بأن يُطاف بمبخرةٍ فيها فحمٌ غير متقد وبخور. قائلاً: في المكان الذي يشتعل فيه الفحم وتفوح رائحة البخور هناك يكون الدير. طاف هو ورهبانه كثيراً إلى أن بلغوا صحراء كوتيلا وبحيرة الأسفلت. ولمَّا لم يتَّقد الفحم ظنّوا أن الله لا يريدهم أن يقوموا ببناء الدير فغادروا في طريقهم إلى مغارتهم. لكن ويا للعجب هاهم في طريق عودتهم يمروَّن في مغارة تبعد سبعة كيلو مترات من بيت لحم, وهاهو الفحم يتقد ورائحة البخور تفوح.

عل هذا بنى الإخوة كنيسةً جميلة وديراً فسيحاً ومستوصفاً ومضافةً وكل ما يعين لا في قضاء حاجة الإخوة وحسب بل الحجاج والزوَّار والفقراء والمرضى من قصَّاد الدير أيضاً, وكذلك الرهبان الزائرين والنبلاء.

كنائس الدير:
بلغ عدد الرهبان في الدير 793 راهباً وقد ابتنى لهم القديس أربع كنائس. واحدة كانت التسابيح فيها باليونانية, وواحدة بالسريانية، وواحدة بالأرمينية, وواحدة للغرباء والممسوسين. سبع مرات في اليوم كانت الصلاة ترتفع إلى السماء. بعد قراءة الكتاب المقدس كان الجميع ينتقلون إلى كنيسة اليونانيين ليكمِّلوا القداس الإلهي. ثيودوسيوس كان أبا الجميع وكان, بمثالِه وتعاليمهِ, صورة حيَّة للمسيح.

تقديسُهُ لرهبانِهِ:
عناية ثيودوسيوس ومحبته لرهبانه, جعلت النعمة الإلهية تحفظهم وبالتالي جعلتهم يرتقون نحو القداسة فصاروا رجالاً شهوداً للكلمة الإلهية, فاختير البعض منهم أسقفاً والآخر رئيس دير, والآخر أباً مرشداً. وكلُّ هذا بفضل عناية ومحبة القديس ثيودوسيوس الذي عرف كيف ينقل لهم الكلمة الإلهية وبالتالي عرفوا بدورهم وتربَّوا على متابعة ما تعلموه من أبيهم ومرشدهم الروحي.

دفاعُهُ عن العقيدة الأرثوذكسية:
في زمن القديس ثيودوسيوس, ظهرت هرطقة أفتيشيوس التي كان يدين بها الإمبراطور البيزنطي أنسطاسيوس. هذا الإمبراطور طلب من القديس أن يعلن إيمانه وأن يعترف بأنهُ يدين بنفس ما يدين أفتيشيوس بشأن طبيعة المسيح الواحدة هذا رفضَهُ القديس ثيودوسيوس, بعد أن جمع آباء البريِّة وتداول معهم طلب الملك. حيثُ فضلوا الموت على القول بالطبيعة الواحدة. ولم يقف القديس عند هذا الحدِّ من الرفض, بل جمع جمهرة من الناس وأعلن: "كل من ناهض المجامع المسكونية الأربعة وأبى أن يكرمهم على غرار الأناجيل الأربعة فليكن أناثيماً". غضب الإمبراطور غضباً شديداً وأمر بنفي القديس. ولكن غيابه عن ديره ورهبانه لم يدم طويلاً لأن الإمبراطور مات بعد حين.

عجائب القديس:
اجترم القديس عجائب عديدة منها شفاء امرأة من سرطان الثدي, وإكثار القمح لدى راهب مُعدم من حبة قمح واحدة ونجَّى ولداً من الموت المحتَّم إثر سقوطه في بئر عميق, شفاء امرأة كادت تطرح قبل الولادة. وإيقاف زحف الجراد والحشرات الفتاكة عن أذية الأرض.

رُقادُهُ:
رقد القديس ثيودوسيوس عن عمر ناهز سن المئة وخمس سنوات. إثرَ مرضٍ أصابه قبل رقادِه بسنة. إذ تقرَّح جلد أردافه وتآكل حتى إلى العظم. آلام مرضِهِ تحمَّلها بكلِّ صبرٍ وشكرٍ وتسبيح. لما عرف أن ساعتَهُ دنت, جمع الإخوة وحثَّهم على الصبر في الملمَّات إلى المنتهى وأن يخضعوا لرئيسهم. ثمَّ بعد ثلاثة أيام ودَّع وصلىَّ صلاة عميقة وجعل يديه على صدره بشكل صليب وغادر إلى ربِّهِ بسلام.

طروبارية باللحن الثامن
للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار ثاودوسيوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

قنداق باللحن الثامن
لما غُرستَ في ديار ربك، أزهرتَ ببهاء فضائلك الباهرة، وكثَّرثَ أولادك في البرية، وبامطار عبراتكَ روَّيتهم، يا رئيس
[/FRAME]