في العالمِ القديمِ، وقبلَ أنْ يتوسّعَ الإسكندرُ الكبيرُ في فتوحاتِه نحو الشّرقِ، كانَ يُشهَدُ لحضورِِ نوعَين مِنَ الفنِّ. الفنُّ اليونانيُّ (الإغريقيُّ) القديمُ، الذي يجسّدُ الجمالَ والرّوعةَ الطّبيعيَّين، والفنُّ الشّرقيُّ (في سوريا وآسيا الصّغرى ومصرَ...) الذي لمْ يَكُنْ يصّورُ بأمانةٍ ما يرى أمامَه، بلْ بطريقةٍ تخيّليّةٍ.
بوصولِ الإسكندرِ الكبيرِ إلى آسيا وأفريقيا، اجتمعَ عالمُ الجمالِ الإغريقيِّ معَ عالمِ الخيالِ الشّرقيِّ فظهرَ فنٌّ جديدٌ يربطُ كِلا المفهومَين الفنّيَّين معاً، هوَ الفنُّ الهيلينستيُّ.
لقدْ تبنَّتْ المسيحيّةُ حينَ ظهورِها بعضَ ما وجدَتْه أمامَها، معيدةً جبلتَه حتّى يتناسبَ معَ فكرِها. على هذا الأساسِ استدانَ الفنُّ المسيحيُّ عناصرَ يونانيّةً وشرقيّةً ناسجاً إيّاها بطريقتِه ليعبِّرَ بها عنْ مضمونِه. هذه العناصرُ لمْ تبقَ كما تسلّمَها الفنُّ المسيحيُّ، بلْ أعادَ ولادتَها وصحّحَ توجّهاتِها وأعطاها فحوىً جديدةً. استمرَّ تطوّرُ هذا الفنِّ حتّى شكّلَ نواتَه الأساسيّةَ الأُولى في القرنِ السّادسِ، على عهدِ الإمبراطورِ الرّوميِّ يوستينيانوس.
عَبْرَ تاريخِ الكنيسةِ نميّزُ خمسَ محطّاتٍ ومراحلَ أساسيّةً لفنِّ الرّسمِ البيزنطيِّ، وهي:
المرحلةُ الأُولى تشملُ القرونَ الأُولى حتّى اندلاعِ حربِ الأيقوناتِ (727). يتخلّلُ هذه الفترةَ حضورٌ واسعٌ للعنصرِ الرّمزيِّ. في اللّوحاتِ الفسيفسائيّةِ تتّسمُ الخلفيَّةُ بأنّها زرقاءٌ. في القرنِ السّادسِ نشهدُ تحوّلاً في لونِ الخلفيّةِ باستعمالِ الذّهبِ بدلَ اللّونِ الأزرقِ. منذئذٍ سادَ استعمالُ الذّهبِ في الخلفيّاتِ، بينما انحصرَ استعمالُ اللّونِ الأزرقِ في الرّسوماتِ الجداريّةِ فقطْ.
المرحلةُ الثّانيةُ تشملُ فترةَ حربِ الأيقوناتِ (727-843)، التي حرمَتِ الكنيسةَ لقرنٍ ونيّفٍ مِنَ التّمتّعِ بروعةِ أيقوناتِها. أمّا الكنيسةُ، متقوّيةً بنعمةِ الرّوحِ القدسِ، فقد صاغَتْ على لسانِ آبائِها حقيقةَ إيمانِها، مظهرةً وخامةَ رأيِ محاربِي الأيقوناتِ. الرّسامون الذين طُرِدُوا مِنْ عاصمةِ الإمبراطوريّةِ الرّوميّةِ وقتئذٍ توجّهوا إلى إيطاليا و آسيا الصّغرى حيثُ استمرُّوا في إبداعِهم.
المرحلةُ الثّالثةُ تمتدُّ منذُ انتهاءِ حربِ الأيقوناتِ وحتّى نهايةِ القرنِ الثّانيَ عشرَ، وهي مرحلةُ إعادةِ ولادةِ رسمِ الأيقوناتِ. عادَ خلالَها فنُّ الرّسمِ ليكسُوَ مِنْ جديدٍ، بألوانِه البهيّةِ الفرحةِ، جدرانَ الكنائسِ وألواحَ الخشبِ وصفحاتِ المخطوطاتِ. مع الفارقِ البسيطِ بأنَّ فنَّ رسمِ الأيقوناتِ صارَ الآنَ أكثرَ دقّةً وانتباهاً مما كانَ، مستنداً على اللاهوتِ الآبائيِّ الذي كانَ قدْ تبلورَ حتّى ذلكَ الوقتِ. هكذا لمْ يعدْ فنُّ الأيقوناتِ مسألةً شخصيّةً متعلّقةً بالرّسّامِ نفسِه، بلْ تخصُّ الكنيسةَ بأجمعِها.
المرحلةُ الرّابعةُ، والتي امتدَّتْ حتّى أواسطِ القرنِ الرّابعَ عشرَ، تُعتبَرُ العصرَ الذّهبيَّ لفنِّ الأيقوناتِ. خلالَ هذه الفترةِ ظهرَتْ إبداعاتٌ فنيّةٌ كثيرةٌ. أثّرَ على فنِّ رسمِ الأيقوناتِ في هذه الفترةِ النّزعةُ الإنسانيّةُ التي كانَتْ منتشرةً بشكلٍ واسعٍ في الغربِ. هكذا أخذَ رسمُ الأيقوناتِ يصبحُ أقربَ إلى طبيعةِ الإنسانِ، فصارَ يؤكّدُ على الحركاتِ وتعابيرِ الوجوهِ، كما اكتسبَتِ العناصرُ المُتمِّمةُ للحدثِ المُصوَّرِ أهميّةً بالغةً. كذلكَ حلَّ التّصميمُ المتناسقُ للجسمِ محلَّ الحجمِ الكبيرِ غيرِ المتناسقِ. هذه المدرسةُ الجديدةُ في فنِّ الرَّسمِ سُمِّيَتْ بالمدرسةِ المكدونيّةِ[2]. نشأَ هذا النّمطُ في مدينةِ القسطنطينيّةِ، لكنَّه ترعرعَ وتطوّرَ في مدينةِ تسالونيك. مِنَ القسطنطينيّةِ انتشرَ إلى مكدونيةَ ثمَّ إلى ميستراسَ التي أصبحَتْ مقرّاً له، ومنها انتشرَ إلى مناطقَ عدّةً. اضمحلَّتْ هذه المدرسةُ مع سقوطِ القسطنطينيّةِ (1453). أهمُّ ممثّلٍ لها هو بانسيلينوس.
المرحلةُ الخامسةُ (منذُ النّصفِ الثاني مِنَ القرنِ الرّابعَ عشرَ) تبدأُ مِنِ انحطاطِ المدرسةِ المكدونيّةِ مع نزعتِها الإنسانيّةِ التي اقتصرَ تأثيرُها على الرّسومِ الجداريّةِ، بينمالمْ تؤثّرْ أبداً على الأيقوناتِ المحمولةِ. لقد حافظَتِ الأيقوناتُ المحمولةُ على موقفٍ تقليديٍّ مُحافِظٍ. وقد تحقّقَ هذا التّمسّكُ بالتّقليدِ بفضلِ المواقفِ الصّامدةِ للرّهبانِ الذين لا يمكنُهم أنْ يرضَوا بأيِّ انحرافٍ عن التّقليدِ. هكذا فإنَّ الرُّهبانَ حاولوا الحفاظَ على الوقارِ واللّياقةِ والتّقوى والخشوعِ في الأيقونةِ. هذا التّيارُ الرُّهبانيُّ خلقَ شيئاً فشيئاً مدرسةَ رسمٍ جديدةٍ. هذا التّيارُ الجديدُ، والذي سُمِّيَ بالمدرسةِ الكريتيّةِ[3]، أثّرَ أيضاً على الرّسوماتِ الجداريّةِ. نشأَتِ المدرسةُ في ميستراس، ومن هناكَ انتقلَتْ إلى جزيرةِ كريت حيثُ وصلَتْ هناكَ إلى قمّةِ تطوّرها في بداياتِ القرنِ السادسَ عشرَ. أهمُّ ممثّلٍ لهذه المدرسةِ هو ثيوفانّيس الكريتيُّ. رغمَ كلِّ الصّرامةِ التي تمتّعَتْ بها هذه المدرسةُ الفنيّةُ، فقد بدأتْ خلالَ القرنِ السّادسَ عشرَ تتأثّرُ بالفنِّ الغربيِّ في عصرِ النّهضةِ، وتزايدَ هذا التّأثّرُ شيئاً فشيئاً حتّى صارَتْ بالكليّةِ غربيّةً في القرنِ الثّامنَ عشرَ.
لو أردْنا التّحدّثَ عَنْ مكانةِ الأيقونةِ حتّى وقتِنا الحاضرِ، لبدأْنا منذُ عصرِ النّهضةِ في أوروبا (القرنُ السادسَ عشرَ). بسببِ التفاتِ الفنّانين بشكلٍ خاصٍّ، وجميعِ النّاسِ عموماً، إلى ما يُسمَّى بالرّسمِ الواقعيِّ[4]، أَيْ أنْ ننقلَ الأشكالَ والشّخصيّاتِ كما تبدو لنا على أرضِ الواقعِ تماماً، وُصِفَتِ الأيقونةُ البيزنطيّةُ لقرونٍ عدةٍ بأنّها مخالفةٌ للطّبيعةِ.
مقارنةً مع طريقةِ الرّسمِ الأوروبيّةِ هذه، اعْتُبِرَ الرّسمُ البيزنطيُّ فنّاً بدائيّاً مُبتذَلاً. كما وقد وُصِفَ على أنّه فنُّ الأميّين أو الجاهلين للفنِّ، الذين لا يعرفون حتّى الأساسيّاتِ في الفنِّ، مثلَ تحديدِ زاويةِ النّظرِ أو تفاصيلِ الجسمِ البشريِّ أو تقليدِ الألوانِ والأشكالِ الطّبيعيّةِ.
بينما إذاً كانَ الرَّسمُ الغربيُّ يصوّرُ الجمالَ الطّبيعيَّ والقوّةَ الجسديّةَ، كانَ الرَّسمُ البيزنطيُّ يصوّرُ الجمالَ الرّوحيَّ. ولكنْ نظراً لقلّةِ النّاسِ الرّوحانيين كانَتِ الأغلبيّةُ تفضّلُ التّصويرَ الواقعيَّ الأمينَ للطّبيعةِ.
في مطلعِ القرنِ العشرين، مع النّهضةِ الأوروبيّةِ الحديثةِ، اتَّشحَ التَّيارُ الواقعيُّ بحلّةٍ جديدةٍ. فبالإضافةِ إلى بعضِ التّطوّراتِ على الصّعيدِ الفنّيِّ، تغيّرَتِ النّظرةُ نحوَ الرّسامِ نفسِه. فبينما كانَ دورُه الأساسيُّ منحصراً في عمليّةِ النّسخِ الدّقيقِ لما يَرَى، مُقيَّداً بالأشكالِ الموجودةِ أمامَه، صارَتْ لديه الآنَ إمكانيّةُ خلقِ وإبداعِ أشكالٍ جديدةٍ ذاتِ طابعٍ شخصيٍّ، يعبّرُ مِنْ خلالِها عن المضمونِ نفسِه.
هذا الانعطافُ الفنّيُّ- رغمَ كلِّ ما يمكنُ أن يحملَ من مساوئَ- ساعدَ في أن تستعيدَ الأيقونةُ البيزنطيّةُ مكانتَها الرّاقيةَ في عالمِ الفنِّ، الشّيءُ الذي أثارَ اهتمامَ العلماءِ والفنّانين واللاهوتيّين من جديدٍ.
لقدْ مرَّتْ الأيقونةُ إذاً بتاريخٍ حافلٍ يبدأُ معَ انطلاقةِ الكنيسةِ ويستمرُّ باستمرارِها. خلالَ هذه القرونِ تطوّرَتِ الأيقونةُ شيئاً فشيئاً حتّى وصلَتْ إلى قمّةِ إبداعاتِها مُلخَّصَةً في نمطَين اثنَين سائدَين، لكلاهما ميزاتُه. ففي حينِ أنَّ المدرسةَ المكدونيّةَ تضفي على الرّسمِ الكنسيِّ رَوْنَقَ القوّةِ الرُّوحيّةِ، تضفي المدرسةُ الكريتيّةُ رونقَ النّبلِ والأصالةِ الرُّوحيّةِ. سيَّما أنَّ المدرسةَ المكدونيّةَ، نتيجةَ قربِها أكثرَ مِنَ الواقعِ البشريِّ، هي السّائدةُ في أيامِنا الحاليّةِ في الرُّسوماتِ الجداريّةِ، كما في الأيقوناتِ المحمولةِ أيضاً.
ختاماً رَأَيْنا بداعي التوضيحِ أن نعرضَ أيقونة القديس ثيوذوروس قائد الجيش، مرسومةً من كلتا المدرستَين حتّى يتسنّى لنا أن نرى الفرق بينهما.
المدرسة المكدونية
المدرسة الكريتية
[1]إنَّ اسم "الرّسم البيزنطيّ" يدلُّ على نشأةِ هذا الفنِّ ضمنَ الإمبراطوريّةِ الرّوميّةِ المُسمّاةِ بـ "البيزنطية" وتاريخِه الطّويلِ خلالَ فترةِ وجودِها. أمّا اليومَ فيُفضَّلُ استعمالُ اسمِ "الرّسم الكنسيّ"، وهو المصطلحُ الأصحُّ لأنَّ هذا الفنَّ لمْ ينحصرْ جغرافيّاً ضمنَ حدودِ الإمبراطوريّةِ البيزنطيّةِ، بلْ امتدَّ إلى مناطقَ أُخرى أوسعَ، كروسيا وصربيا وبلغاريا... ثمَّ إنَّ هذا الفنَّ- مِنْ جهةٍ أُخرى- منذُ نشأتِه كانَ له الدّورُ الفعّالُ في الحياةِ اللّيتورجيّةِ الكنسيّةِ.
[2] تتميّزُ المدرسةُ المكدونيّةُ بواقعيّتِها وحرّيّتِها وبوضوحِ حركاتِها وبإشاراتِ الأيدي ورومانسيّتِها. الوجوهُ فيها منيرةٌ، ظلالُها خضراءَ والمناطقُ الفاتحةُ فيها ورديّةٌ. هذه المدرسةُ تتناسبُ أكثرَ مع الرَّسمِ الجداريِّ.
[3] سُمِّيَتِ المدرسةُ الجديدةُ بالكريتيّةِ لأنّها فيما بعدُ ازدهرَتْ في جزيرةِ كريت، وعلى يَدِ رسّامين كريتيّين انتشرَتْ إلى مناطقَ أُخرى.
[4] الواقعيّةُ هي مذهبٌ فنّيٌّ وأدبيٌّ، يؤكّدُ على مراقبةِ الحياةِ مراقبةً علميّةً، من غيرِ محاولةِ اجتنابِ مساوئِها.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات