في
الظُّهورِ الإلهيِّ
قنداقٌ للقدّيسِ رومانوسَ المُرَنِّمِ

ترجمه عن اليونانية الأب أفرام (المعلولي)





اللازمة
اليومَ ظهرْتَ للمسكونةِ يا ربُّ،
و قد ارتسمَ نورُك علينا،
نحن الذين نُسبِّحُكَ بمعرفةٍ، قائلين:
"قد أتيْتَ وظهرْتَ، أيها
النُّورُ الذي لا يُدنى منه".





البيت الأول
في جليلِ الأُممِ، في بلدِ الزّبوليّين، في أرضِ نفتاليم،
كما قالَ النّبيّ [1] ، أشرقَ نورٌ عظيمٌ، هو المسيحُ.
للسّالكين في الظّلمةِ أشرقَ فجرٌ ساطعٌ، طلعَ مِنْ بيتَ لحمَ،
أو بالأَحرى: مِنْ مريمَ يُبزِغُ الرّبُّ، شمسُ العدلِ،
نورَه إلى المسكونةِ قاطبةً.
لذا، هلمّوا جميعاً أيها العُراةُ منذ آدمَ
لكي نلبسَ المسيحَ فنستدفئَ به.
بما أنكَ كساءٌ للعُراةِ ونورٌ للمظلمين
قد أتيْتَ وظهرْتَ، أيها
النّورُ الذي لا يُدنى منه.


البيت الثاني
لم يهملِ اللهُ الإنسانَ الذي اقتُنِصَ بمراآة داخلَ الفردوسِ
وخسرَ الرّداءَ الذي كانَ اللهُ قد نسجَهُ له.
بل أتى ثانيةً إلى العاصي، داعياً إيّاه بصوتٍ إلهيٍّ:
«يا آدم، أين أنت؟ مِنَ الآن فصاعداً لا تختبئْ مِنّي. أريدُ أن أراك.
حتى لو كُنْتَ عرياناً أو فقيراً فلا تخجلْ، لأنّي صِرْتُ مِثلَك.
وبما أنّكَ لم تصبحْ إلهاً كما كُنْتَ ترغبُ،
أصبحْتُ أنا برغبتي إنساناً.
إقتربْ مِنّي إذاً وتعرّفْ عليَّ، حتى تَقولَ:
"قد أتيْتَ وظهرْتَ، أيها
النّورُ الذي لا يُدنى منه".


البيت الثالث
مِنْ كثرةِ محبّتي الفائقةِ تنازلْتُ، بما أنّي رؤوفٌ، وأتيْتُ إلى جبلتي،
باسِطاً يديَّ لأضُمَّكَ إليَّ.
لا تخجلْ إذاً مِنّي، لأنّي لأجلِكَ، أنتَ العريانُ، أتعرّى وأعتمدُ.
لأجلي ينشقُّ الأردنُّ، ويوحنّا يُعِدُّ طُرقي في المياهِ كما في النّفوسِ».
بمثلِ هذه الأقوالِ تفوّهَ المخلّصُ- بالأفعالِ أيضاً لا بالكلامِ فقطْ-
نحو الإنسانِ، وأتى- كما سبقَ وقالَ له-
إلى الأردنِّ بقدمَيْهِ ،وأما نحو السّابقِ
فالنّورُ الذي لا يُدنى منه.


البيت الرابع
كالنّهرِ في الصّحراءِ وكالنّدى في الأتونِ وكالمطرِ على العذراءِ،
رأى يوحنّا في الأردنِّ المسيحَ.
فاضطربَ مِنَ الخوفِ، كما خافَ أبوه قديماً مِنْ جبرائيل [2].
وما يحدثُ الآن لَهُوَ أعظمُ ممّا حدثَ على الإطلاقِ،
لأنَّ سيّدَ الملائكةِ يأتي الآن إلى العبدِ طالباً مِنْهُ أن يعتمدَ.
لهذا فإنّ المعمدانَ الذي عرفَ أنَّ هذا هو الخالقُ،
وأدركَ صغرَ نفسِهِ قياساً به، قالَ بتوجّعٍ:
"توقّفْ أيها الخالقُ. يكفيكَ ما وصلْتَ إليه.
إنّي أعرفُ مَنْ تكونُ:
النّورُ الذي لا يُدنى منه.




البيت الخامس
إنْ أتممْتُ، يا مخلّصُ، ما تأمرُني به، فإنّي سأرفعُ مِنْ شأن نفسي،
لكنّي لن أختطفَ ما يفوقُ قدرتي.
أعرفُ جيّداً مَنْ أنتَ، كما وأنّي لا أجهلُ مَنْ كُنْتَ، فمِنْ أحشاءِ أمّي أعرفُكَ.
كيف لي الآن أن أتجاهلَ مَنْ أرى،
الذي لمّا رأيتُه في الحشا، سررْتُ مُبتهِج [3]؟
توقّفْ إذاً، أيها الخالقُ، ولا تزدْ عليَّ العبءَ.
يكفي أنّي استأهلْتُ أن أراكَ.
حَسَنٌ لي أن تدعوني سابقَكَ.
إذ أنتَ هو
النّورُ الذي لا يُدنى منه.


البيت السادس
أريدُ أن أمنحَكَ رتبةَ المعمدانِ، لأنها تليقُ بك.
أنا هو مَنْ له الحاجةُ لأن يعتمدَ على يَدَيكَ [4]
لكنّكَ تأتي إليَّ وتسبقَني في طلبِ الشّيء عينِه الذي كُنْتُ أودُّ أن أطلبَه مِنْكَ أنا.
ماذا تطلبُ مِنْ بشرٍ، يا محبَّ البشرِ؟
لماذا تضعُ رأسَكَ تحتَ يَدَيَّ التي لا تستطيعان أن تحتضنا النّارَ؟
لا يعرفُ الفقيرُ أن يُقرِضَ الغنيَّ.
و الضَّعيف لا يجرؤُ على مواجهةِ القويِّ.
ستبدو مفيدةً للخطأةِ المحتاجين إليها،
أما أنتَ فهو
النّورُ الذي لا يُدنَى منه.


البيت السابع
لماذا أتيْتَ إلى المياهِ؟ ماذا تريدُ أن تغسلَ؟ أيّةَ خطايا؟
أنتَ يا مَنْ حُبِلَ بكَ ووُلِدْتَ بدون خطيئةٍ؟
أنتَ مقبلٌ نحويَ، لكنَّ السَّماءَ والأرضَ يشهدان إن كُنْتُ أفعلُ ذلك.
تقولُ لي: "عَمِّدْني"، لكنَّ الملائكةَ يُراقبوننا مِنْ علو،
فيقولون لي عندئذٍ: "إعرفْ قدرَ نفسِكَ. والزمْ حدودَكَ".
كَمِثْلِ موسى أقولُ لكَ أن تختارَ أحداً آخرَ، أيها المخلّصُ،
ليقومَ بهذا العملِ الذي طلبْتَ مِنّي أن أفعلَه.
إنّه يفوقُ قدرتي، وأنا خائفٌ. أتوسّلُ إليكَ.
لأنّه كيف سأعمّدُ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.





البيت الثامن
لمّا رأى العارفُ بكلِّ شيءٍ خوفَ السّابقِ، أجابَه:
"بالحقِّ، يا يوحنّا، خِفْتَ مِنّي.
ولكن، اسمحِ الآن، لأنّه ينبغي أن يتمَّ ما جئْتُ مِنْ أجلِه [5]
اسمحِ الآن، وعلى الفورِ اطردْ عنكَ هذا التّردّدَ.
أنتَ مدينٌ لي بخدمةٍ، ويجبُ الآن أن تقدّمَها.
أنا أرسلْتُ وقتئذٍ جبرائيلَ
فأتمَّ الحبلَ بكَ على أحسنِ حالٍ.
إذاً، أَحضِرْ لي الآن يَدَكَ كملاكٍلتعمّدَ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.


البيت التاسع
ما لَكَ خفْتَ، أيها المعمدانُ، وقد أثّرَ فيك هذا، وكأنّه أمرٌ عظيمٌ؟! وبالحقيقةِ لعظيمٌ هو.
كان الأمرُ بالنّسبةِ لأمِّكَ أعظمَ بكثيرٍ.
أُنظرْ إلى العذراءِ وفكّرْ كيف حملَتْ بي.
قد تقولُ لي: "وقتئذٍ تمَّ ذلك بإرادتِكَ". وها أنا الآن أيضاً أريد.
لا تتردّدْ، عمّدْني. أقرضْني فقط يُمناك.
إنّي أسكنُ في نفسِكَ، وأملؤُكَ كُلَّكَ.
فكيف لا تقرضْني يُمناك؟
أنا في داخلِكَ وفي خارجِكَ، فلماذا تتجنَّبْني؟
توقَّف وأمسكْ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.

البيت العاشر
لا أطلبُ مِنْكَ، أيها المعمدانُ، أن تتجاوزَ حدودَكَ. كما أنّي لا أقولُ لك:
"قُلْ لي تِلْكَ الأقوالَ التي تقولُها لمتعدّي الشّريعةِ وتُعَلِّمُ بها الخطأةَ"
فقط عمّدْني بصمتٍ، وترقّبْ ما سيترتّبُ على ذلك.
إنّك سوف تحصلُ على رتبةٍ هامّةٍ، لم تُعطَى
حتّى للملائكةِ. وسأجعلُكَ أعظمَ مِنْ كلِّ الأنبياءِ.
لم يرَني أحدٌ مِنَ الأنبياءِ علانيةً،
بل فقط في رموزٍ وظلالٍ وأحلامٍ.
أمّا أنتَ، يقفُ بجانبِكَ بملءِ إرادتِه،
فترى وتمسكُ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.


البيت الحادي عشر
دَعْ ما تقولُ الآن، ونفّذْ ما تسمعُ. ولا تقلْ لي شيئاً.
بما أنّ شاهدي هو في السّمواتِ ، دهريٌّ، جديرٌ بالثّقةِ.
أما شهادتُكَ أنتَ، فبصعوبةٍ بالغةٍ سيتقبّلُها الشّعبُ الحاضرُ هنا.
فدعْهُم إذاً يتعلّموا مِنَ السّماءِ مَنْ أنا ولِمَنْ أنا.
إبنٌ أنا، وسأمنحُ أحبائيَ الكثيرَ.
سأفتحُ السّمواتِ، وسأُنزِلُ الرّوحَ القدسَ،
وسأمنحْهُ لأُولئك كعربونٍ.
تعالَ إذاً. إقتربْ لتتعلَّمْ
مِنْ أين أُخرِجُ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.


البيت الثاني عشر
حالما سمعَ إبنُ العاقرِ الكلماتِ المؤثرةَ التي لا يُنطقُ بها، قالَ لِمَولودِ العذراءِ:
«أطلبُ ألا تغضبَ مِنِّي، يا مخلّصُ، إذا استمرَّيْتُ في أسئلتي،
لأنّ الحاجةَ تجعلُني أن أسألَكَ بصراحةٍ:
"لماذا ينبغي، يا مخلّصُ، أن أتعرَّضَ أنا للخطرِ حتّى يعرفَكَ هؤلاء؟
لماذا ينبغي أن أضعَ يدي الخاطئةَ في الأتونِ؟
قديماً حاولَ عُزَّة أن يمدَّ يَدَهُ
على تابوتِ العهدِ ليوقفَه فقُطعَتْ [6]
والآن أنا، مَنْ أمسكَ برأسٍ إلهيٍّ،
أَلَنْ يحرقَني
النّورُ الذي لا يُدنَى منه».




البيت الثالث عشر
أيها المعمدانُ المحبُّ النّزاعَ، ليس إلى التّشاجُرِ بالكلامِ بل إلى الخدمةِ
يجبُ أن تُعِدَّ نفسَكَ عمّا قريبٍ. أُنظرْ هنا، فتفهمَ كلَّ ما أنا مُقدِمٌ على فعلِه.
معكَ، الآن، أَرسُمُ مخطّطَ كنيستي الحلوةَ المنيرةَ،
وذلك حين أُزَوِّدُ يُمناك بالقوّةِ،
التي سأعطيها فيما بعد لأحبّائي وكهنتي.
وأُظهِرُ لك علانيةً الرّوحَ القدسَ،
وأَجعلُكَ تسمعُ صوتَ الآبِ،
الذي سيدعُوني إبناً حقيقيّاً له، قائلاً:
"هذا هو
النّورُ الذي لا يُدنَى منه".


البيت الرابع عشر
بعد سماعِ هذه الأشياءِ المخيفةِ، قالَ إبنُ زكريّا للبارئِ:
"أنا لن أُعارضَ، بل سأفعلُ ما تأمرُ به".
قالَ هذا، واقتربَ كعبدٍ مِنَ المخلّصِ، وحدّقَ به،
وباحترامٍ نظرَ إلى عُرْيِ ذاك الذي يأمرُ
الغيومَ فتغطّي السّماءَ كالرّداءِ.
ثمَّ نظر إلى المياهِ ثانيةً،
إلى ذاك الذي ظهرَ بين الفتيةِ الثّلاثةِ
ندىً في أتونِ النّارِ، وناراً الآن في الأردنِّ
يسطعُ ويصدرُ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.





البيت الخامس عشر
رأى إبنُ الكاهنِ العجيبةَ، وككاهنٍ
مَدَّ يَدَهُ ووضعَها على المسيحِ،
وقالَ للحاضرين: «تَرَونَ المطرَ الإراديَّ في الأردنِّ.
وفي مخارجِ الأمواهِ - كما كُتِبَ-
تَرَونَ سيلَ الفرحِ، وبحراً كبيراً في النّهرِ.
لا يظنُّ أحدٌ أنّي جريءٌ.
لا أفعلُ ذلك كوقحٍ، بل كعبدٍ.
هو السّيدُ وقد أَمْلَى عليَّ ما أفعلُ.
لهذا أعمّدُ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.


البيت السادس عشر
في حينِ أنّي ضعيفٌ كإنسانٍ، قوّاني هو بما أنّه إلهُ الكلِّ، قائلاً:
"ضَعْ يَدَكَ عليَّ، وأنا سأمدُّها بقوّةٍ"
بالحقيقةِ كيف كُنْتُ سأجرؤُ على ذلك، لو لم يَكُنْ قد قالَ هذا وفَعلَه؟
بالحقيقةِ كيف كُنْتُ سأجرؤُ، أنا التّرابيَّ، أن أُعمِّدَ غيرَ المحدودِ،
لو لم أَكُنْ أوّلاً قد نِلْتُ قوّةً مِنَ السّماءِ؟
ها أنا ذا أشعرُ في حضرتِه
بوجودي أكثرَ من قبل.
أنا الآن شيءٌ آخرَ. لقد تغيَّرْتُ، تمجّدْتُ،
إذ أنا أرى وأُعمِّدَ
النّورَ الذي لا يُدنَى منه.


البيت السابع عشر
لا أنطقُ بعد الآن بما نطقْتُ به مِنْ قبل، أي: "لَسْتُ أهلاً لأن أحلَّ سيورَ حذائِك" [7]
لأنه ها أنا بَدَلَ الأرجلِ أُمسِكُ بالرّأسِ.
لا أخطو بعدُ على الأرضِ، بل في السّماءِ بعينِها، لأنَّ ما أقومُ بفعلِه الآن هو سماويٌّ.
أو بالحريِّ يتجاوزُ السّماوياتِ. لأنَّ تلك تحملُ،
لكنَّها لا تفقهُ مَنْ يكونُ هذا الذي تحملُه. أمّا أنا الآن فأراه وأُعمِّدَه.
إفرحي يا سماءُ وتهلّلي أيتها الأرضُ.
تقدّسي يا مجاري المياهِ.
لأنّه ظهرَ فملأَ كلَّ شيءٍ بالبركةِ،
وأنارَ الجميعَ
النّورُ الذي لا يُدنَى منه».


البيت الثامن عشر
لقد رفعَ إبنُ زكريّا ذهنَه عالياً مُجارياً الأمرَ الإلهيَّ،
ومَدَّ يَدَهُ، ووضعَها على الملكِ.
عَمَّدَ في المياهِ سيّدَ السّماءِ والأرضِ، ثمَّ أخرجَهُ إلى اليابسةِ.
عَمَّدَ ذاك الذي دَلَّ عليه بصوتٍ مِنَ السّماءِ كما لو بإصبعٍ
ذاك الذي صرخَ: "هذا هو إبني الحبيبُ".
أصرخُ إذاً نحو هذا الآبِ، نحو الإبنِ المُعتمِدِ
ونحو روحِه القدّوسِ:
"إسحقْ، يا مخلّصُ، أولئك الذين يُحزِنون نفسيَ.
وادحضْ الضّلالاتِ، أنتَ أيها
النّورُ الذي لا يُدنَى منه".

[1] (أشعياء 9: 1-2)
[2] (لوقا 1: 11-12)
[3](لوقا 1: 41)
[4] (متى 3: 14)
[5] (متى 3: 15)
[6](2 صموئيل 6:6)
[7] (متى 3: 11)