الشهيد الروسي
الأب ثيئودور(1)
تمَّت أحداث هذه القصة أثناء الاضطهاد الشيوعي البشع على الكنيسة الروسية في القرن العشرين. وقد شُبِّه هذا الاضطهاد باضطهاد الأباطرة الرومان للمسيحيين في القرون الأولى للمسيحية. وإن كان قد قيل عن روسيا قبل الثورة الشيوعية إنه لم توجد فيها مدينة بدون قديس ولا قرية بدون إنسان بار، فما يُقال الآن هو إنه لا توجد مدينة أو قرية لم يُسفَك فيها دمٌ مسيحي!
وكان بين الذين اضطُهِدوا وماتوا من أجل المسيح كاهن قروي بسيط هو ”الأب ثيئودور تُنكوفيد“.
وُلد ثيئودور سنة 1885م في أسرة ريفية في إحدى قرى مقاطعة ”فيتبسك“. وقد توفيت أُمه في وقت مُبكِّر، ثم أرسله والده إلى دير القديس مرقس للثالوث القدوس الذي يقع علي بُعد ميلين من ”فيتبسك“. وفي عام 1910م، نال ثيئودور قنسطنطينوفيتش شهادة السيمينار الذي كان في ذلك الدير. ثم تزوَّج من ”أفروسيني أندريفنا“، ورُسم بعد ذلك شماساً. وفي سنة 1911، رُسم كاهناً حيث بدأت خدمته الصعبة. وكانت إيبارشيته في نواحي مدينة ”نيفيل“ حتى قامت الثورة الشيوعية سنة 1917م.
ولما استولى الشيوعيون على السلطة بدأوا يُضعِفون من مكانة الأسس الراسخة للشعب الروسي، فقد حشدت سياستهم سخطاً مُروِّعاً بين الشعب، ولا سيما بين الفلاحين الذين خدعوهم. ثم حدثت في سنة 1918 ثورة من الفلاحين ضد السلطات السوفييتية حطَّموا فيها أماكن اجتماع الحكومة المحلية في مقاطعة ”نيفيل“ وقتلوا العديد من المسئولين فيها، وبعد شهور قليلة أُقمعت هذه الثورة بقسوة. وقد عانى الكثير من الشعب حينئذ. أما الأب ثيئودور فقد استطاع بمعونة إلهية أن يهرب من انتقام السلطات.
في ”بيلوخفوستوفو“ وُلد للأب ثيئودور ابنٌ سنة 1920، وبعد أربع سنوات وُلدت له الطفلة ”نينا“. وفي سنة 1929، بنى الأب ثيئودور بيديه بيتاً على تلٍّ مجاور للكنيسة، ولكنه لم يسعد بالبقاء فيه إذ أن السلطات صادرته بعد نصف سنة. ثم نُقل إلى قرية ”ستايكا“ حيث انتقل مع أسرته إلى بيت صغير بجوار الكنيسة.
وفي سبتمبر 1932، اعتُقِل الأب ثيئودور. فقد أخذه عملاء المخابرات السوفييتية بالليل إلى ”فيليكي لوكي“. وقد ارتعب طفلاه من اعتقاله وظلاَّ يركضان في القرية وهما يصرخان! ثم أُغلِقت الكنيسة ونُهبت. وبعد فترة بدأت محاكمته وسمحت السلطات لزوجته أن تكون حاضرة. وقد اقترحوا عليه أن ينبذ الله والكنيسة أو على الأقل أن يصير ”مُجدِّداً renovationist“(2). ولكن الأب ثيئودور رفض كِلاَ الاقتراحين وتمسَّك بذلك بشجاعة في المحاكمة، حيث أخبر القضاة أنه يُفضِّل المعاناة على نبذ المسيح. وهكذا حكموا عليه بالنفي لمدة خمس سنوات في الشمال في مدينة ”كارجوبول“، حيث عمل في زراعة شجر التوت كما أنه كان ينشر جذوع الشجر وألواح الخشب مع كاهن آخر!
وقد انتقلت أسرته إلى مدينة ”فيتبسك“ التي عاشوا فيها أولاً مع أُخت زوجته، ثم استأجروا شقةً. وقد عملت زوجته ”أفروسيني“ كخادمة نظافة في مكانٍ عام لعمال السكة الحديد! وكانوا أحياناً يُعطونها تذاكر مجانية أمكنها بها أن تسافر لكي ترى زوجها. وفي أثناء سنوات النفي كان الأب ثيئودور يُساعد أسرته بكل طريقة مُمكنة، لأنها كانت في حالة احتياج وضيق شديدين حيث إن جميع ممتلكاتها قد صودرت! هذا بالإضافة إلى أنه قد حدثت مجاعة في أوكرانيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء).
وفي ربيع سنة 1937، رجع الأب ثيئودور من المنفى، حيث لم تَعُد في فيتبسك أية كنيسة مفتوحة، إذ قد تحوَّل بعضها إلى مخازن والبعض الآخر هُدم بكل بساطة! ولكي يعول الأب ثيئودور أسرته عمل في مصنع أحذية حيث كان عليه أن يغلي الغراء، ويحمل الوقود اللازم لذلك ويوزِّع الغراء على أماكن العمل.
ثم بدأت الحرب بين روسيا وألمانيا سنة 1941 (الحرب العالمية الثانية)، هذه الحرب التي جعلت الحكومة البلشفية تُهدِّئ من اضطهاد المؤمنين لكي تكسب أكبر عدد ممكن من مواطنيها في حربها. وقد اقترب الألمان من مدينة فيتبسك، فهرب جميع سكانها إلى الغابة المجاورة، وأدَّت الحرب إلى إحراق المنطقة بأكملها. ولما رجع السكان كانت المدينة المُحطَّمة تحت سيطرة الألمان. أما عن بيت الأب ثيئودور فلم يبقَ فيه حجر على حجر. ومع كل ذلك لم ينسَ الناس هياكل الله المقدسة، فقد بدأوا يفتحون الكنائس التي بقيت في المدينة وضواحيها لأن الألمان صرَّحوا لهم بذلك.
وفي خريف سنة 1941، عُيِّن الأب ثيئودور لخدمة في كنيسة دير القديس مرقس التي كان قد قضى فيها سنوات دراسة السيمينار، وكانت قد استُخدمت في الثلاثينيات كمخزن. وبدأ الناس يأتون بالأيقونات والأواني الكنسية إلى الكنائس التي لم تُصَب بأذى. وقد كُرِّس المذبح وأُعيدت الصلوات هناك، كما افتُتحت في فيتبسك كاتدرائية نُقِلَ إليها الأب ثيئودور، حيث سكنت أسرته في منزل مجاور لها شغلوا فيه حجرةً واحدةً، وسكن بقية رجال الإكليروس في الحجرات الأخرى.
وفي يناير 1942، جاء مستوطنو قرية ”لوفتس“ في منطقة ”نيفيل“ إلى الأب ثيئودور وطلبوا منه أن ينتقل إلى قريتهم. كانت كنيستهم في حالة جيدة بكل محتوياتها ولكنها كانت بدون كاهن. وكانوا هم يعرفونه جيداً وتذكَّروا كيف أنه خدم في ”ستايكا“ المجاورة لقريتهم. فاستجاب لهم وانتقل إلى قريتهم التي كانت آخر مكان يخدم فيه في حياته.
وكان في قرية ”لوفتس“ رجل تقي اسمه ”ليونيد ميخائيلوفتش“، وقد تنبَّأ لهم قائلاً: ”سيأتي وقت يفتحون فيه الكنائس ويبنون أخرى جديدة“. فسألوه بذهول: ”ولكن هل يمكن أن يحدث ذلك في عهد السلطات السوفييتية الحالية“؟ فأجاب: ”إن الحكومة سوف تتغيَّر“. فسألوه: ”كيف ذلك؟ هل ستقوم حرب أو ثورة“؟ فأجاب مازحاً: ”ستذهبون في المساء إلى فراشكم حيث توجد حكومة، وتستيقظون في الصباح فتجدون حكومة مختلفة“! (وقد تحقَّقت هذه النبوءة فعلاً بعد أكثر من أربعين سنة بانقلاب سلمي على النظام الشيوعي).
بعد ذهاب الأب ثيئودور إلى ”لوفتس“، فُتحت الكنيسة وبدأ الناس يملأونها مرةً أخرى حتى أنها كانت تعج يوم الأحد بالمصلِّين الذين كان يأتي عدد كبير منهم من أماكن بعيدة. وامتدت خدمة الأب ثيئودور إلى القرى المجاورة، وكان يُقيم بعد كل قداس خدمة جنائزية من أجل الذين استُشهِدوا في الاضطهاد الشيوعي، كما أنه أجرى سر الزيجة للذين لم يُجرَ لهم حتى بعد زواجهم. لقد بدأ الناس يطلبون السلام بالتفاتهم العميق نحو الله، وهكذا بدأ سكان لوفتس يعيشون ميلاداً روحياً جديداً.
استشهاد القديس:
مرةً جاءت امرأة من قرية مجاورة إلى الأب ثيئودور وتوسَّلت إليه أن يذهب معها ليُجري سرَّي مسحة المرضى والتناول لعمها المشرف على الموت في قرية تقع في غابة خلف النهر. وقد حاولت كلٌّ من زوجة الأب ثيئودور وابنته بكافة الطرق أن تثنياه عن الذهاب لأن تلك المقاطعة كانت مُشايعة للحكومة (الشيوعية)، وبالتالي كان الذهاب إليها خطراً جداً. ولكن المرأة اعتصمت بإصرار عند بيت الأب رغم أنهم قالوا لها إنها تريد أن تقتاده إلى الموت. ولكن الأب قال لأفراد أسرته إنه لا يجب أن نخاطب الناس بهذه الطريقة، وإنه إذا تألَّم فسيكون ذلك من أجل المسيح. وهكذا ذهب الأب ومعه الزيت المقدس والتناول، وظلَّت الزوجة وابنتها تُصلِّيان وتبكيان وكانا يحسَّان بأن هذه آخر مرة يَرَوْنه فيها!
ولما وصل الأب ثيئودور والمرأة إلى القرية دخلت المرأة إلى منزلها، ثم ظهر فجأةً سبعة رجال خرجوا من الغابة واختطفوه من العربة وربطوه في مؤخرتها وهم يقذفونه بلعناتهم البذيئة، ثم قادوا العربة نحو النهر وأجبروا الأب الذي كان يركض وهو مربوطٌ في مؤخرة العربة أن يُجرِي خدمة جنائزية لنفسه.
وقد سمع سكان القرى التي مرَّت عليها العربة صوت الكاهن وهو يتلو ألحان الخدمة الجنائزية، ورَوَوْا ذلك. وكان عند النهر قاربان منتظرين، ولما عبروا بمحاذاة النهر جرَّ قُطَّاع الطرق الأب على الشاطئ الآخر إلى الغابة. وهناك ضربوه حتى مزَّقوا صليبه وثوبه الكهنوتي، ولكنه ستر الأسرار المقدسة بيديه مُمسكاً بها بقوة. وبدأ هؤلاء الناس الذين ينفثون الشر والحقد يطعنون يديه بحرابهم ويضربونه على وجهه ورأسه، ثم اقتلعوا عينيه بالحراب، وأخيراً أطلقوا رصاصة على رأس هذا الكاهن الذي كان شبه مائت بطريقة جعلت الرصاصة تُحطِّم جمجمته بأكملها. ثم حفروا سريعاً حفرةً وألقوا فيها بجسد الأب ثيئودور الذي كان قد تمزَّقت ملابسه ولم يبدُ إلاَّ بملابسه الداخلية فقط، وألقوا بالتراب عليه حتى لا يحاول أحد أن يجده، وهدَّدوا سكان القرى المجاورة بقولهم إنهم قتلوا أباهم ووضعوا ألغاماً حول الحفرة!
لقد مُنح الأب ثيئودور إكليل الاستشهاد في 25 يوليو سنة 1942. ولما علم شعب قرية لوفتس، امتلأوا بالخوف، ولم يُسمح لزوجة الشهيد وابنته أن تذهبا إلى مكان استشهاده ولا سيما لأن مكان دفنه كان غير معروف. وحدث أن أحد أتقياء قرية مجاورة، واسمه ”تيموثي“، رأى في حلم أنه في كنيسة مع أُناس كثيرين كانوا يبكون، ثم ظهر لهم فجأة الرب يسوع وقال لهم: ”لماذا أنتم واقفون هنا تبكون؟ اذهبوا وخذوا راعيكم“! ثم أشار لتيموثي نحو مكان دفن الشهيد. ولما استيقظ من النوم، روى لزوجته هذا الحلم، التي ذهبتْ بدورها بصحبة امرأتين أُخريين، وهناك رشمن أنفسهن بعلامة الصليب، وإذ كُن خائفات من الألغام، بدأن يحفرن الأرض بأيديهن باحتراس حتى وجدن الجسد المشوَّه والمُغطَّى بالرمل والدم المتجلِّط، فأخذنه ولففنه بملاءتين وحملنه إلى لوفتس.
ولما وصلن في المساء، قُرع ناقوس الكنيسة بالطريقة الحزايني، ثم غسل الرجال الجسد وألبسوه الملابس الكهنوتية ووضعوه في صندوق. وظل الناس يأتون لمدة ثلاثة أيام لكي يودِّعوا راعيهم، وقد قبَّل الجميع يديه التي صارت سوداء من الجروح العديدة. وقد بكى الجميع إذ شعروا بحرمانهم من كاهن مثل هذا كان يُعامل الجميع بالمحبة. ثم دفنوه خلف مذبح كنيسة العذراء في لوفتس التي أحرقها الشيوعيون مع الألمان الذين كانوا بداخلها بعد عام واحد، كما أحرقوا قرى عديدة هناك.
وبعد نهاية الحرب، جاء مفتشان من موسكو وسألا الناس عن قتل الكاهن، وأخبراهم أن رئيس العصابة التي قتلته قد اعتُقِل وحوكم وأُرسِل إلى كتيبة المحكوم عليهم، حيث إن الجرائم التي اقترفها هو وعصابته كانت عديدة.
ولما توفيت ”أفروسيني“ زوجة الشهيد، دُفنت بجوار زوجها في مدافن لوفتس.
وهكذا اعتبر الشعب الروسي أن الأب ثيئودور هو أحد شهداء روسيا ومعترفيها الجُدُد الواقفين أمام العرش الإلهي، وهم يُقدِّمون صلواتهم لملك المجد الرب يسوع لأجل روسيا كلها ولقرية ”لوفتس“ بصفة خاصة.
-----------
(1) عن مجلة: The Orthodox Word، عدد 242، عام 2005، صفحة 169.
(2) أيَّد الحكومةَ البلشفية (الشيوعية) مجموعةٌ من الإكليروس المنشقين سمَّت نفسها ”الكنيسة الحيَّة“. وقد غيَّرت هذه الجماعة من تقاليد كنسية أساسية، وقد أُطلق على أعضائها هذا الاسم، وقد سيطرت على معظم الكنيسة الروسية وعمل أعضاؤها كجواسيس على أعضاء الكنيسة الحقيقية لحساب الحكومة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس
المفضلات