الرسول بولس هو الكاتب الوحيد بين كتّاب الكتاب المقدس بعهديه الذي يشبّه الكنيسة ب"جسد المسيح" وذلك في مواضع عدة من رسائله. سوف نرى معاً ماذا يروم الرسول الإلهي من هذا التشبيه.

النص الأساسي الذي يتكلم بوضوح عن هذا الموضوع هو الإصحاح 12 من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس. فبعد تعداد الرسول للمواهب الروحية (أي المعطاة من الروح القدس) (1-11)، ينتقل مباشرة إلى التأكيد على أهمية تنظيم هذه المواهب في الكنيسة وتوحيدها، فيعطي صورة الجسد كمثل يُحتذى في هذا المجال. "وكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة وأن أعضاء الجسد كلها على كثرتها ليست إلاّ جسداً واحداً، فكذلك المسيح" (1كورنثوس 12: 12). ويشدّد الرسول على أهمية التعدد في الكنيسة فيقول: "فليس الجسد عضواً واحداً، بل أعضاء كثيرة" (1كورنثوس 12: 14)، وأيضاً في رسالته إلى الرومانيين يؤكد الشيء نفسه قائلاً: "فكما أن لنا أعضاء كثيرة في جسد واحد، وليس لجميع هذه الأعضاء عمل واحد، فكذلك نحن في كثرتنا جسد واحد في المسيح لأننا أعضاء بعضنا لبعض. ولنا مواهب تختلف باختلاف ما أُعطينا من النعمة" (رومية12 :4-6) ليخلص إلى القول: "فأنتم جسد المسيح وكل واحد منكم عضوٌ منه" (1كورنثوس 12: 27).

في هذا المقطع الذي ذكرناه أعلاه (أي 1كورنثوس 12: 12-30) لا يصف الرسول بولس بوضوحٍ الكنيسة بجسد المسيح ولا يذكر أن المسيح هو رأس هذا الجسد، إنّما نجد ذلك في رسالته إلى أهل أفسس حيث يقول: "وجعل كل شيء تحت قدميه ووهبه لنا فوق كل شيء رأساً للكنيسة وهي جسده وملء ذاك الذي يمتلئ تماماً بجميع الناس" (1: 22-23)، وفي الرسالة نفسها يقول: "كما أنّ المسيح رأس الكنيسة التي هي جسده وهو مخلّصها" ( 5: 23)؛ وفي رسالته إلى أهل كولسي: "وهو رأس الجسد أي رأس الكنيسة" (1: 18). بدون الرأس لا حياة للأعضاء، والمقصود بالرأس هنا هو الرأس الذي يتوحد بالجسد وحدة عضوية، وهذا ما يؤكده الرسول عندما يقول: "وإذا عملنا للحق بالمحبة نمونا وتقدمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الذي هو الرأس، نحو المسيح: فإن به إحكام الجسد كله والتحامه، والفضل لجميع الأوصال التي تقوم بحاجته، ليتابع نموه بالعمل الملائم لكل من الأجزاء ويبني نفسه بالمحبة" (أفسس 4: 15-16).

عندما يتكلم الرسول بولس عن الكنيسة مشبهاً إياها بجسد المسيح، لا بد من الانتباه إلى ما يقوله الرسول عن الدور الذي تقوم به الأسرار في توحيد أعضاء هذا الجسد، والكنيسة تقوم، بحسب الكتاب، على سرّين إثنين: سر المعمودية وسر الشكر ومنهما يتفرع كافة الأسرار الأخرى. لهذا نلاحظ أن الرسول يشدد على أهمية هذين السرين العظيمين في وحدة الجسد الذي هو الكنيسة، فيقول: "فإننا اعتمدنا جميعاً في روح واحد لنكون جسداً واحداً، أيهود كنا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، وشربنا من روح واحد" (1كورنثوس 12: 13). هنا ينوّه الرسول بأهمية المعمودية والإفخارستيا في وحدة الجسد، فالشراب المقصود في الآية هو الإفخارستيا، إذ يستعمل الرسول التعبير عينه في الرسالة نفسها قائلاً: "فلا أريد أن تجهلوا، أيّها الإخوة، أنّ آباءنا كانوا كلّهم تحت الغمام، وكلّهم جازوا في البحر، وكلّهم اعتمدوا في موسى في الغمام وفي البحر، وكلّهم أكلوا طعاماً روحيًّا واحداً، وكلّهم شربوا شراباً روحيًّا واحداً، فقد كانوا يشربون من صخرة روحيّة تتبعهم، وهذه الصخرة هي المسيح" (10 :1-4). الغمام واجتياز البحر هما صورتان للمعمودية، أمّا المنّ والماء المتفجر من الصخرة فهما صورتان للإفخارستيا.

أمّا المقطع الثاني الذي يؤكد أهمية الأسرار في وحدة الجسد وبخاصة سر الشكر فهو ما يذكّر به الرسول بولس في رسالته الأولى الى الكورنثيين قائلاً: "أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في دم المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فلمّا كان هناك خبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأننا نشترك كلّنا في هذا الخبز الواحد" (10: 16- 17). فاشتراكنا بالخبز الواحد هو الذي يجعلنا مشاركين فعليًّا في جسد المسيح ومتحدين به.