[FRAME="11 90"]
ان الموسيقى هي أحد العلوم الرياضية وفرعا من العلم الطبيعي وهي صناعة يبحث فيها عن أحوال النغم من جهته تأليفه وعن أحوال الأزمنة المتداخلة بين النغمات من جهة الطول والقصر .وهي تتم بجزئيين الأول علم التأليف وهو اللحن .والثاني علم الإيقاع وهو المسمى الأصول.
الموسيقى هي من افضل وسائل يشغل به الإنسان أوقات فراغه.ويتوصل بها أيضا إلى رضا الله في تسبيحه فإنها تطرب الإنسان وتملاه من الانشراح والصفاء وتقويه على إتمام واجباته وتسكن الأوجاع وتهمد الأحزان وتحمل الأفكار على أجنحة الألحان المرتلة الشجية إلى العلى.
لهذا لعبت الموسيقى (الترتيل الكنسي ) في تاريخ الكنيسة وفي ليتورجيتها دورا اساسيا ومهما في تكوين الطقوس والصلوات فان الترتيل الكنسي على الاصول الموسيقية وبالحان موافقة وبصراحة التعبير وشدة البيان وبرخامة الصوت وبلذة الوزن وبخشوع ووقار كل ذلك يدخل بدون تكليف في نفس المصلي ويحرك فيه كل الصفات المقدسة ويرفع جميع حواسه وافكاره وتأملاته إلى الله داعيا اياه إلى روضة الجهادات الروحية.
الموسيقى في الكتاب المقدس :
كان العبرانيون يستخدمون فن الموسيقى في طقوسهم الدينية وفي أفراحهم والأحزان وفي الأعراس والأعياد ورؤوس الشهور ( خر 15-1) (1اى 5-11) (مز 16-1-4). يوجد في الكتاب المقدس نشائد فرح وحزن وشكر وظفر مثل نشيد موسى عند عبور البحر الأحمر ونشيد دبورة وأيضا يوجد مراثي كمراثي داود على موت شاول ومراثي ارميا على خراب اورشليم . يخبرنا موسى ان يوبال الذي عاش قبل الطوفان كان أبا لكل ضارب في العود والمزمار ( تك 4-21 ) وكان لابان يتشكى من صهره يعقوب انه هرب خفية ولم يخبره حتى يشيعه بالفرح والأغاني بالدف والعود ( تك 31: 26-27 ).ولما استقل الملك داود قسم وظائف اللاويين إلى عدة أقسام منهم لأجل الغناء والضرب على آلات الطرب في الهيكل .وكان أنبياء يستعينون باستعمال آلات الغناء عندما يتنبأون ( 1صم 1-5 )(2مل 3-15 ) وأيضا كان الملوك ناء فان آصاف كان رئيس المغنيين عند دواو وكانت النساء وخاصة بنات اللاويين تمارس الغناء كالرجال سواء كان ذلك في الهيكل أو في الاحتفالات الدينية وقد ورد ان عزرا لما حسب الذين رجعوا معه من السبي أحص مائتين من المغنين المغنيات.
( 2 صم 19 -35 ) و ( عز 2-65 ) نح 7-67 ).
أيضا في العهد الجديد هناك معطيات تدلنا على استعمال التراتيل والأناشيد في صلوات المسيحيين الأوائل .فالا نجيلي متى يقول لنا ان الرب يسوع مع تلاميذه بعد العشاء الأخير قد سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون ( متى 26-30 ).ومن ثم في أعمال الرسل : ( ... كان بولس وسيلا يصليان ويسبحان الله والمسجونون يسمعونهما. ) (اع 16-25 )و ( اع 3-8 ).وكذلك في رسالته إلى أهل افسس يقول الرسول بولس : (مكملين بعضكم بعضا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب ) ( أف-19) وهناك الكثير من الشواهد مثلا ( كو 3-16) (يع 5-19 ) لو2:13-14 )(رؤ 4-11 ).
تلقي ضوءا على وجود تراتيل وترانيم كنسية كانت تستعمل في نشأة المسيحية.إذا فمنذ القرون الأولى دخل الترتيل والصلاة إلى جانب تلاوة الكتاب المقدس وتفسيره ويوجد بعض أدلة من القرن الثاني والثالث الميلادي على استعمال الترتيل في اجتماعات الصلاة هو من اصل مسيحي : ( وشى بليني الأصغر الوثني للإمبراطور ترايان بان المسيحيين في اجتماعاتهم يرتلون نشيدا للمسيح كإله )وفي أثناء الخدمة الإلهية كان يرتل عادة جميع المؤمنين. ( تاريخ اوسابيوس ). ومع ذلك ظهر باكرا جدا في كنائس الشرق أجواق مرتلين مستقلة.ولكن تراتيل وصلوات الكنسية لم تتبلور وتأخذ شكلها النهائي ولا تضبط بالوزن آلا في حوالي القرن السادس الميلادي.
لهذا استلمت الكنيسة الترتيل من رجال قديسين قد ألفوها ونظموها بالهام الروح القدس الذي ينطق بأفواههم.قد نبغ في الكنيسة كثيرون من القديسين المرتلين منهم :القديس اناطوليس بطريرك القسطنطينية (449-458 ) الذي ضبط الألحان ووضع الترانيم الملحنة للأعياد وأيام الآحاد.القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي ألف حوالي (400 ) قصيدة شعرية موزونة لتسبح الله والثالوث ,صحيح ان الكنيسة لم تستعملها كلها لصعوبة ضبط أوزانها وترتيلها وتمتاز هذه الأناشيد بتمسكها بالتقليد.الأسقف سينوسيوس القيرواني الذي تزوج من امرأة مسيحية في عهد البطريرك ثاوفيلس أل 23 ثم سيما أسقفا على خمس المدن ووضع ألحانا وأشعار كنسية عظيمة عن الثالوث والتوحيد وابن الله المولود من العذراء ويعتبر من موئسي الألحان الكنيسة الموزونة.
في عصر افرام السوري دخلت الألحان الكنسية في الشرق عصر جديدا وغزيرا من الإنتاج.وكتب كل من القديسين باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم الكثير من الألحان الكنسية ضد الهراطقة الذين كانوا ينشدون كل تعاليمهم الكاذبة بواسطة الألحان والتراتيل.ثم جاء بعد ذلك رومانوس المرنم (510 ) الذي كان شماسا في كنيسة بيروت , وضع اكثر من 1000 ترتيلة عرفت باسم قنداق وحصر الترتيل في خورسان بالمناوبة.ثم جاء القديس اندراوس الكريتي ( 712 ) الذي وضع قانون التوبة الكبير.
وأيضا جاء جرمانوس بطريرك القسطنطينية ( 740 ) الذي يعتبر من احسن كتاب التسابيح الملحنة في عصره ثم جاء القديس يوحنا الدمشقي (780 ) الموسيقي الموهوب فقد وضع هذا القديس أنغامه وألحانه الثمانية ورتب عليها خدمات الآحاد التي ألفها في كتاب (الاكطويخوس) كما وضع علامات الموسيقية وعمل على إغناء التراث الموسيقي فإملاء الكنيسة بأناشيده وألحانه التي اتسمت برصانة العابدين اليقظين وأشواق المتصوفين الزاهدين.ومن كبار القديسين الموسيقيين :القديس قزما والقديس يوسف ناظم التسابيح والبار مطرو فانس أسقف أزمر ومينا الرخيم الصوت والنغم.
ان قيمة الموسيقى الدينية تكمن في شكلها ومضمونها معا ولا يجوز فصلها من محتواها الروحي واللاهوتي لأنها أداة لإبراز معنى الترتيل والصلاة ويتوقف على حسن أدائها على مدى روحانية المرتل وتشبعه بروحها وتفهمه لهذا التراث.
نعلم ان للترتيل اكبر تأثير في نفوس وعقول البشر الذين يسمعون الموسيقى الدينية بكل لذة دون ان يعرفوا معناها وقوتها ويشهد على ذلك هو ما جرى في تاريخ الكنيسة الروسية من تأثير وفاعلية الترتيل الإلهي.عندما رجع سفراء الأمير الروسي ( فلاديمير) الذين ارسلوا إلى القسطنطينية وشاهدوا كنيستها العظمى ( الحكمة المقدسة ) ورأوا زينتها الباهرة وسمعوا فيها القداس الالهي والتراتيل العظيمة وعاينوا البهاء والوقار وقالوا للامير : ( اننا قد شعرنا بأنفسنا كأننا في السماء بين الملائكة القديسين لأنه ليس على الأرض اجمل من هذا المنظر الحقيقة ان الله هناك مع البشر ..... قد ذقنا هذه الحلاوة اللذيذة فلا نقدر ان نذوق المرارة ونبقى على عبادتنا القديمة.) هكذا اتفق الجميع مع الأمير على قبول الإيمان الأرثوذكسي.
لهذا حصنت الكنيسة بقوانينها وظيفة المرتل في الكنيسة : (قانون15 -مجمع لاذقية 343 ) ,قانون الرسل 26 أجاز للمرتلين الزواج.يفرض القديس باسيليوس الكبير على المرتل عدم الكلام إثناء الترتيل والتسبيح ( سؤال 68 ب ).كما لا توضع يد على المرتل بل يختار من الكنيسة (قانون الرسل1-16 ) . كما ورد في قانون (55 ب) انه لا يجوز للمرتل ان يتزوج مرة ثانية بعد موت زوجته وقد أيد قانون الرسل (2-17) ذلك . ورد أيضا في قانون (74 ب ) إذا اتخذ المرتل الغناء حرفة فلا يسمح له بالترتيل في الكنيسة .
منعت الكنيسة أيضا غير المؤهلين للترتيل حسب الأصول الموروثة لان لهذه الموسيقى الدينية جوها الخاص وهي تختلف عن الموسيقى العالمية. أنها تتطلب من المرتل إيمانا وتواضعا ولطفا ورقة وحكمة ومشاركة حقة في العبادة إلى جانب الدقة في الأداء.
قد نبه الرسول بولس إلى ضرورة تقيد الترتيل بغاية شريفة ألا وهي البنيان ( كو 14-27 ) وان يكون الترتيل من صميم القلب ( اف 5-19 ).
لذا لا يمكن ان يؤدي رسالة الموسيقى الدينية إلا المرتل المؤمن المتصف بالتقوى والوداعة والمحبة والتواضع والمعرفة الدينية والموسيقية لان المرتل بترتيله المتقن يتسلط على أذهان وحواس المصلين بخشوع ويجعلها تتحرك وتتأثر للغاية ويخلق فيها الرقة والحنو . لذا يجد المصلي تعزية للنفس في الترتيل المتقن حتى انه يقدر ان يقف في الصلوات ساعات وساعات وحتى أياما كاملة ومن فرحه لا يشعر بمدتها بل يشعر بلذة كبيرة بأنه في حضرة الإلهية تطوف حواليه .
[/FRAME]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
[/FRAME]
رد مع اقتباس
المفضلات