[FRAME="8 90"]

في السادس عشر من مارس عام 1942م تأسست في لبنان ما يعرف بحركة الشبيبة الأرثوذكسية. ظلت هذه الحركة صامدة، مستمرة، نامية، متفاعلة حتى وقتنا الحاضر، ومنها خرج العديد من الكوادر الدينية والفكرية والسياسية المهمة في المجتمع اللبناني، مثل المطران جورج خضر، وجابي حبيب، وطارق متري وزير الثقافة الحالي، وكوستي بندلي أستاذ علم النفس المعروف، وإلياس الحلبي، وهو باحث واعد يُعد في الوقت الراهن أطروحة الدكتوراه في مجال العلاقات الإسلامية المسيحية، وقد اُنتخب منذ أيام أمينا عاما مشاركا لمجلس كنائس الشرق الأوسط. تقوم الحركة علي عدد من المبادئ الأساسية أبرزها النهضة الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية، ومعالجة المشكلات الاجتماعية بأفق مسيحي، ومواجهة حالة الطائفية السياسية والتعصب الأعمى. أسس الحركة ستة عشرة شابا جامعيا، بإيحاء وتأثير من المطران جورج خضر. والأخير هو رجل دين ومثقف من الطراز الرفيع، إنتاجه الفكري يشهد له، وتكوينه المعرفي واضح في مقالاته، وكتبه، وأحاديثه، وجسارته الوطنية والثقافية. هو من مواليد طرابلس عام 1923م، درس الحقوق ثم اللاهوت في بيروت، ثم واصل دراسته للحضارة العربية الإسلامية في الجامعة اللبنانية، وأنشغل بالحديث عن دور المسيحيين العرب في إرساء أسس الحضارة العربية.
كان واضحا منذ البداية المبكرة أن الحركة لا تري الدين بمعزل عن الحياة، أو الروحانية بعيدا عن المجتمع، الدين والثقافة وجهان لعملة واحدة تتعلق بتكامل حياة الشخص المؤمن. نظرة مهمة تنزع نحو تكامل العنصر الإنساني، تعزز كينونته، ولا تشرذمه، أو تشعره في كل منعطف في حياته بالانقسام الشديد. ورغم أن الحرب الأهلية اللبنانية ظلت لسنوات تحشد وتعبئ الشباب، لم يحدث أن شارك شباب الحركة في الحرب، وأكثر من هذا كان لهم جهودا في مواجهة تداعياتها، وإعادة الثقة في الذات والآخر في المجتمع.
حاول رموز حركة الشبيبة الأرثوذكسية أن يقدموا إنتاجا مسيحيا أرثوذكسيا يجيب عن تساؤلات الشباب الأساسية، يساعدهم علي الاندماج، ولا يدفعهم في اتجاه العزلة. أبرز من لفتت كتاباتهم انتباهي، وانتباه كثير من الشباب القبطي، هو كوستي بندلي، ذلك الرجل الذي تمنيت أن التقي به، ورغم كثرة زياراتي للبنان لم أتمكن من ذلك. هو حاليا مسن، يعاني من العديد من المشكلات الصحية، ولم يعد قادرا علي مواصلة نشاطه المعتاد وسط الشباب. هذا الرجل لديه إنتاج وفير من الكتب التي تتصل بكل مفردات حياة الشباب. تمتاز كتاباته بالبراعة اللغوية، والبساطة، والقدرة علي الربط بين العلم والثقافة من ناحية والشأن الديني الروحي من ناحية أخري. لا تري في كتاباته تعارضا بين الدين والثقافة، بل تكاملا بينهما. الإنسان المتكامل هو محور اهتمامه، من كتاباته في الثقافة ونقد الطائفية، مرورا بالثقافة الجنسية، وانتهاء بالحديث عن المجتمع الاستهلاكي والنضال اللاعنفي. حديثه يهدف إلي الارتقاء بالشباب، يقدم لهم المعرفة الدينية في قلب المعرفة العلمية، ويساعدهم علي بلورة نظرة أكثر إنسانية وفلسفية عميقة للحياة.
ليس سهلا أن تقدم هذا اللون من المعرفة. فهو يحتاج إلي تكوين علمي، وفهم عميق للمجتمع، وتشبع ديني وروحي، بشكل يجعل منتج التفكير الإنساني ذات طبيعية موسوعية، لا يقف عند التفسير الديني للنص، ولا ينحصر في الثقافة العلمية. خلطة فكرية عجيبة، تلاءم طبيعة تكوين الشاب العربي الذي لا يريد قطيعة كاملة مع الدين، وفي الوقت نفسه يريد خطابات دينية تعينه علي الاندماج في الحياة.
لفت انتباهي الإنتاج الفكري الغزير للأستاذ الجامعي والمرشد النفسي لشباب الحركة كوستي بندلي منذ وقت مبكر، وشاركني كثيرين هذا الاهتمام، والسبب يعود إلي أن الحالة الدينية المصرية، مسيحية أو إسلامية، لا تعرف كثيرين مثل هذا الرجل، وتكاد لا تعرف مماثلا له. فلا يوجد لدينا كثيرون ممن يمتلكون المعرفة العلمية العميقة، والفهم الواعي لكل دقائق الحياة في المجتمع، يتحسسون المشكلات، ويقدمون الحلول، ويحاولون طرح خطابات دينية، لا تنفصل عن الواقع، أو تتجاوزه باستعلاء، أو تنحصر فيه بانكسار، ولكن تقدم رؤى دينية ناهضة، تجعل الشخص المؤمن فاعلا في المجتمع، يترجم إيمانه إلي خبرة نضال حقيقي في مواجهة الواقع ومشكلاته.
نكبة المجتمع المصري في أنه مغرق في التدين الشكلي. يعرف النصوص، وظاهر الأمور، والشكليات، ولا يغوص في أعماق الظاهرة الدينية. وتكاد لا تحمل آلاف الكتب الدينية الجاثمة علي أرفف المكتبات، والأرصفة أي جديد، بل إعادة إنتاج، أحيانا بشكل متراجع ثقافيا، لما هو متداول من آراء وخطابات دينية. لا يوجد تحليل دقيق للمجتمع، أو فهم لمشكلاته، أو بحثا عن خطابات دينية تعين الشخص المؤمن علي المساهمة في النهوض بالمجتمع. هذا الانقسام بين ما هو ديني وما هو إنساني اجتماعي، أدي في النهاية إلي حالة من الشرذمة في التكوين الإنساني لا مثيل لها، تجعل الشخص يصلي، ويصوم، ويتحدث ليل نهار في الدين، لكنه في الوقت نفسه فاسد، ومنحرف، ولا يفوت فرصة يأخذ فيه ما ليس له حق فيه.
عندما نقرأ لشخص مثل كوستي بندلي أو غيره، نكتشف أن معظم منتجي الخطابات الدينية في المجتمع المصري كسالي، لا يعرفون كثيرا عن الواقع، ولا يتبحرون فيه، ولا يجتهدون في الربط بين المقدس والنسبي، الدين والحياة. يكتفون بالقشور، والعموميات، والوعظ المباشر، والتلقين النصوصي، التي لا تسمن في مواجهة مشكلات مجتمعية عاتية. والنتيجة خطابات دينية متلاحقة، وتراجع ثقافي واجتماعي وإنساني لا تخطئه عين. وكلما واجهنا مشكلات إضافية، نقول أين الدين؟ والسؤال هو عن أي فكر ديني نتحدث هل الذي يخدر الإنسان؟ أم الذي يحرره؟
نحن بحاجة إلي عشرات الحركات الاجتماعية العميقة علي غرار "الشبيبة الأرثوذكسية"، حركات إنسانية ودينية وروحية وثقافية، تحرر الخطابات والممارسات الدينية مما ابتلاها من جمود، وتقوقع، وعزلة، ونمطية شكلية، الأمر الذي أفرز شبابا، يعاني من فقر في الأمرين معا، الفكر الديني، والمعرفة الإنسانية ( 17 - 3 - 2008)

( (منقول عن almesryoon صحيفة يومية مستقلة)
[/FRAME]