اشتهيتُ أن آكل الفصح معك...

وراحتْ شمسُ الغروب العظيم تلملمُ بصعوبةٍ ما تبقى من أشلائها المنثورة على تلال الزيتون وأغصان الكروم النائمة بين أحضان الجلجثة، واستعدت بكل ما أوتيها من حماسة أن تعاند المساء، فاليوم لا تريد الرحيل ولا ترضى للظلام في مكانها أن يقيم.
في هذا الوقت كان يجهّز نفسه أن يكون حاضراً... فلمّا كانت الحياة معاندةً له فقد أصبح دربُ الآلام دربهُ، ولئن كانتْ همومُ وأحزانُ العالم اكتنفته فقدْ أضحى طريقُ الصليبِ طريقهُ أيضاً، كان يمشي بلا هوادةٍ وبلا اكتراثٍ ومثابرة ويصعدُ الجبل في كلِّ مرةٍ وأثقال الحياة على كتفيه تكاد تخنق أنفاسه، والعرق من على جبينه يتندّى كقطراتِ من دم.
كان في كلِّ موسمٍ يتركُ أعماله الكثيرة التي تكاد لا تكفي قوت يومه.. ويستعدّ للمسير على درب المعلم، فالسيد حبيبه رغم ظروفه وأحزان الحياة.
لكن هذا الموسم تغيّر في داخله كل شيءٌ!!!
فما أن رنت همهمات المساء الحزينة حتى كان على أتمِّ الإستعداد للرحلة على طريق الجلجثة والتبسّم على شفتيه يعلو كضحة الربيع على ثغر نيسان.. أجل خرج الرجل من بيته تاركاً ورائه كلّ كلّ شيء، وحمل على كتفيه الصليب.. صليب آلامه طول سنين وصليب خطاياه وثقل وزرِها المتعبِ الكبير. حملَه هذا الموسم بعزمٍ وثباتٍ مذهلَين، وعلى مشارف الطريق راحت عيناه تنتظرُ مجيء المخلّص حاملاً صليب البشريّ جمعاء وخطاياها على جسده. بفرحِ اللقاء كان انتظاره، وعلى رجاء الخلاص كان يعزّي نفسه الثكلى لأهوائها الرديّة المتنازعة على حلم البقاء.
وهناك بين الجموع الغفيرة المحتشدة وبين أغصان الزيتون التي حفظَتْ تعاليمَ يسوع وصلاته وبين مناديل النسوة والمجدليّة تلاقت عيناه بعينيّ السيد: كانت لحظة أبديّة فريدة... لطالما صعد الجبل إلى الآلام في كل عام، لكنْ مرّةً لم يشاهدْه يسوع ولم يكلِّمه أويعزّه، ولم يحدُث أبداً أن التقت عيناه بعينيّ الرب المتألّم على هُزء الجند وضرباتِ السوط ووطأة أقسى الكلمات.
تقدّم يسوع على رغم آلامه وجراحه النازفة ونظر إليه بحنانٍ لا مثيل له في دنيا الإنسان، لم يعاتبه على شيء ولم ينذره ولم يؤنبه ولم يعظه أيضاً، فقط تبسّم له بالرجاء وقال له: ( يا بنيّ أعطني قلبك).. و اتبعني حتى القيامة.
أما أنا فلمّا سمعتُ كلام الربّ المتألم تركتُ العالم ورائي ومضيتُ بخطىً ثابتةً على الطريق نسيتُ همومي وكلَّ أحزاني.. فعيناي كانتا على طريق محراثي يخطّ في حقل الربّ.
أريد أن أمضي اليوم ولن أتعب فإنّي أتوق للصلْبِ مع سيدي..
أجل أريد اليوم أن أتألّم وأُصلبَ ويُهزئ بي، أريد أن أُسمر على عودٍ كعوده وأرتفعُ بين السماء والأرض كمثله. وأسلمُ الروح بين راحتيه التي جبل بهما الأرض والإنسان.
وهكذا كان في دنيا ذلك الزمان... صُلِبتُ مع سيدي وحبيبي وتألمّت معه أيضا ولكن؟؟؟ كم كان صراخ ألمه عظيما وصراخي باهتاً ضعيفا؟ وكم كان عطشه شديدا جداً!!، فأنا صُلبت لأجلي ذاتي التائهة بين غياهب الدهر وترهاته، أما السيد فقد صُلب لأجلنا جميعاً وحمل على الصليب أسماءنا وخطايانا جميعها، رأيته يحملها كلّها ويصعد بها بحرص متناهٍ ليُسمَّر هو فنتحرّر نحن، ليتألّم هو ونفرحُ نحن، ليبكي هو ويصرخ ونقوم نحن.
وهكذا وعلى صراخ الجند على الثياب المقتسمة أسلمنا روحينا..أما أنا بالمعاناة أسلمتها.. بالخوف والغصب أُخذت منّي . أما ربّي.. فيا ويح نفسي!! فبالكليّة للآب أعطاها.
وبعد حينٍ جاء الذي من الرّامة مع نيقوديموس الحكيم وأنزلو سيدي عن الخشبةِ متألّمين وفي سبانٍ كفنوه مرنمّين. وأنا بقيت ميتاً على صليب نفسي أنتظرُ من يضعني بقبرٍ قديمٍ أو جديد... ترجّيت الجميع من النسوة ومن بقي من التلاميذ:
(أنزلوني ،، كفنوني.. أي شيء افعلوا لكن لا أريد أن أفارق السيد) فقد خشيت أن أبقى ميتاً وأن تفوتني مائدة القيامة.
وهل أبقى منتظراً المساعدة؟؟
سأنتشل نفسي من براثنِ الموت وسأَنزعُ عن جسدي سطوةَ المساميرِ وأصفادَ الخطيّةِ وأمضي واقفاً أو زاحفاً.. لا يهمّ .. لكنْ، أن أمضي لأدفن نفسي في قبرٍ على رجاء القيامة. وأنادي من هناك ربَّ العزّ والقيامة:
قم ياربّي وإلهي ولترتفع يدك ولا تنسى بائسك وعبدك إلى الإنقضاء.
.قم ياربي واحكم في الأرض..
فإن الظلم قد استشرى وصار الحزن عظيماً جدا
قم ياربي ...
فإني لم أعدْ أطيق ظلام الخطيئة ووحدة القبرِ الموحشة
قم يارب، وأقمني معك..فإني اليوم قد اخترت من القيامة تاريخأ جديداً لحياتي و من فرح القيامة اتّخذتُ فرحي وتعزيتي، فلا الحزن أضحى ملجأي ولا اليأس بقي مرتعي..
قد جئت متأخراً أعرف ... إنّها عادتي
لكنّي في هذا الموسمِ الفصحيّ اشتهيتُ أن أكله معك... فأنهض ربّي وأطعمني إياه بيدك...إنك قمت اليوم وأنا قمت معك